كردستان والقفز من الخارطة – حسين علي الحمداني

كردستان والقفز من الخارطة – حسين علي الحمداني

  أكثر من رأي طرح من قبل الساسة و المثقفين والكتاب العراقيين بشأن مسألة استفتاء كردستان وأغلب الكتابات كانت تصب في نهج واحد هو محاولة منع هذا الاستفتاء وأنا من ضمن الذين كتبوا في هذا الصدد أكثر من مقال حاولت من خلالها تناول الأمر من زوايا عدة،لكنني اليوم سأتناول قضية الاستفتاء ومن ثم الانفصال من زاوية أخرى ربما غابت عن البعض.

 زاوية فيها واقعية كبيرة تنظر للأمر كم سنخسر وكم سنربح؟ربما البعض لا يحب هذه المقارنات في مسألة قد تمس السيادة الوطنية،وهذه مسالة يجب أن نتجاوزها وأن نكون أكثر تعاملا مع الواقع وأن لا نفترض إن الشعارات التي سمعناها منذ الصغر هي الواقع الذي يجب أن يكون،هنالك مشاريع كثيرة روج لها،وهنالك أحلام لدى الجميع يجدون إن هذا الوقت هو المناسب لتحقيقها،علينا أن ندرس الأمر بروح جديدة بعيدا عن التعصب القومي أو الطائفي ونحسبها كي نصل لجملة من الحقائق او(ألأرباح)التي عادة ما تكون هي الفيصل في تقييم المواقف،هذه هي السياسة في الألفية الثالثة وعلينا أن نتعلمها بطريقة جديدة وصحيحة كي لا نخسر المزيد.

دولة كبيرة

والعراق بمقاييس العالم الحالي دولة كبيرة ليست جغرافيا فقط بل متعددة القوميات والديانات وما بعد 2033 تعددت الرؤى السياسية في المشهد العراقي وبات الجميع يحلم بأن يحكم العراق أو جزء منه،الإرهاب نفسه أسس إمارة له في الموصل ظلت قائمة ثلاث سنوات،ومن قبل أسس في ألأنبار وغيرها،العراق ساحة مفتوحة للأحلام ومن حق الجميع أن يحقق حلمه طالما عدم الاستقرار يفتح الباب أمام الجميع كي يفرض نفسه بطريقة أو بأخرى.

 وبالعودة لمشروع الاستفتاء الذي يمهد لقيام الدولة الكردية وليس مجرد– استطلاع رأي- كما أشيع لأن الاستفتاء ستكون نتيجته(نعم) وبنسبة عالية ولن يتردد السيد مسعود بارزاني في إعلان الدولة وإلا فإن مشروع الاستفتاء لن تكون له قيمه ولا يمكن أن يستخدم كورقة ضغط على حكومة بغداد التي يؤمن الكثير من قادتها إن كردستان خارج التغطية وإنها ستقفز من خارطة العراق عاجلا أم آجلا،لهذا أرى إن حكومة بغداد ومعها الكثير من ابناء الشعب العراقي يعتبرون وجود دولة كردية حلا لهم وللكثير من المشاكل السياسية والمالية في العراق وليس هنالك إستعداد شعبي لفتح جبهة حرب وصراع مع كردستان سواء الآن أو ما بعد الانفصال.

مجموعة عوامل

 وبالتالي لدينا رؤيتنا في هذا المجال وهذه الرؤية قائمة على مجموعة عوامل في مقدمتها إن السيد مسعود بارزاني لا يريد أن يشكل دولة بحدودها المطروحة في الشعارات بل يريد دولة مهما كانت مساحتها يكون هو رئيسا لها حتى وإن كانت أربيل والسليمانية ودهوك بحدود ما قبل التاسع من نيسان 2003  والرجل له غايات متعددة من طرح مشروع الاستفتاء أولها،ضرب قوى المعارضة الكردية وثانيا إحراج حكومة بغداد،وثالثا تحقيق الحلم الكردي التاريخي،وقبل هذا وذاك الخروج من مأزق انتهاء ولايته الرئاسية ورفض القوى الكردية التجديد له او تعديل دستور الإقليم من أجله.

ثانيا إن العراق ومنذ عام 1921  وولادة الدولة العراقية بحدودها المعروفة لم تكن كردستان يوما إلا حقل الغام في العراق وقدم العراق تضحيات كبيرة في حروب عديدة في شمال العراق وبالتالي لم نشعر يوما إن الأكراد يميلون لنا حتى بعد 2003  كانت هنالك سلبيات كثيرة على الأداء الكردي في المشهد السياسي العراقي،ناهيك على إن الكثير من المطلوبين للقضاء العراقي وجدوا في أربيل ملاذ آمن لهم.

ثالثا هنالك استثمارات عراقية كبيرة وكثيرة في كردستان وأيضا استثمارات أجنبية سيجد هؤلاء المستثمرون إنهم يقفون في منطقة زلزال سياسي قد ينفجر في أية لحظة مما يجعل الفترة المحصورة من الآن وحتى موعد الاستفتاء مرحلة إنهاء هذه الاستثمارات ونقلها خارج كردستان لأسباب عديدة أولها الرفض الإيراني والتركي وهو ما يشكل أكبر تهديد تواجه كردستان مضافا لذلك الصراع الكردي الداخلي على السلطة وهو متوقع بحكم الهيمنة المطلقة للسيد بارزاني وبالتالي فإن كردستان سيخسر الكثير من مقومات الإقتصاد التي يراهن عليها وفي مقدمتها شركات الهاتف النقال التي تغطي كل العراق وللأكراد فيها حصة كبيرة جدا وهذا ما يعني بديهيا إنهم سيخسرون أكثر من 20  مليون مستخدم.

رابعا ربما يراهن السيد مسعود البارزاني على صادرات النفط عبر تركيا،وهذه الصادرات أغلبها من نفط كركوك وهي تقترب من 500 الف برميل يوميا وتمر عبر خط جيهان صوب الموانئ التركية،أما إذا ما تأسست دولة كردية فإن تركيا ستغير وجهة نظرها وسيكون هنالك صراع قومي خاصة وإن تركيا أكثر حساسية من العراق في مسألة وجود دولة كردية في الجنوب منها ويصبح خط جيهان مجرد مسمى لا أكثر.

خامسا إن هنالك تجارة قوية بين ألاقليم والمركز لمختلف البضائع وآلاف الشاحنات تصل يوميا لبغداد والمحافظات تحمل الكثير من البضائع المصنوعة في كردستان ، هذه التجارة ستفقد السوق العراقي ليس بسبب قرار حكومي كما يظن البعض بل بسبب النفور الشعبي منها،وبالتالي لا يمكن أن يكون السوق الإيراني أو التركي بديلا عن السوق العراقي وهذا ما سيؤدي بالتأكيد لركود إقتصادي قد تطول فترته في ظل غياب الخيارات أمام الدولة الكردية الجديدة في تصدير بضائعها من جهة ومن جهة ثانية قد تتعرض لحصار جغرافي من قبل إيران وتركيا والعراق وهو أمر يجب أن يأخذ بعين الإعتبار.

سادسا يجب ترتيب البيت الكردي بشكل كبير جدا فإن توقيت الإستفتاء إن كان مناسبا من وجهة نظر السيد مسعود بارزاني فإنه غير مناسب من وجهة نظر الأحزاب ألأخرى وبالتالي سيكون رد فعلها أقوى مما يتصور السيد مسعود، لأنها ستأخذ خيارات عديدة في الرد أقلها بالتأكيد الحث على رفض الانفصال في مناطق نفوذها وأكبرها أن تعلن السليمانية انفصالها عن ألأقليم والبقاء كمحافظة ضمن الدولة الإتحادية وهذا الأمر كان مطروحا في السنوات الماضية بسبب الشعور بالغبن والحيف في ظل إدارة الأقليم،أو العودة لنظام الإدارتين كما كان قبل 2003.

هذا إلى جانب إن الحكومة العراقية ومن خلال ما نلمسه من تصريحات ليست متخوفة من الاستفتاء ولا حتى الانفصال التام لأن هذا فيما لو تحقق سيوفر للموازنة العراقية أكثر من 20  بالمئة من الموازنة السنوية أو أكثر بحكم إن حصة الإقليم 17بالمئة مضافا لها مناصب عديدة يشغلها الساسة الأكراد في الحكومة العراقية بشقيها مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية مضافا لهم النواب الأكراد ونفقاتهم وعدد كبير جدا من وكلاء الوزارات والمدراء العامين والسفراء.

ناهيك عن آلاف الرواتب التقاعدية التي تمنح شهريا للكثير من الموظفين ألأكراد،مضافا لها أكثر من أربعة ملايين مواطن لن يجهزوا من بغداد بالحصة التموينية الشهرية وهو ما يعني توفير موارد كثيرة للحكومة الاتحادية بحكم إن هؤلاء سيكونون رعايا دولة أخرى هي المسؤولة عنهم.ما يجري حاليا أجد إن هنالك من يشجع السيد مسعود على المضي في مشروعه وهؤلاء يدركون جيدا إن هذه المخاطر التي أشرنا إليها حاضرة في تفكيرهم وبالتأكيد وضعوها أمام رئيسهم وهم يعرفون جيدا إنه يسير في طريق الإنتحار السياسي وهم يساعدونه في ذلك أما خوفا منه أو رغبة بالتخلص منه عبر عملية القفز من الخارطة العراقية التي يحاول السيد البارزاني القيام بها ولكن هذه القفز ستكون خطرة جدا وقد تنهي أحلامه نهائيا.