كثيرون قبلنا يلتقون في قصيدة

كثيرون قبلنا يلتقون في قصيدة

عامر صادق

الألم عادة هو إحساس أو شعور سلبي بعدم السعادة والمعاناة . والألم قد يكون ماديا او معنويا بحسب العوامل التي تسببه ، فقد يكون نتيجة إحساس أو شعور ، فالمادي قد يكون مثل الصداع او المغص والمعنوي مثل الحزن والقلق والتوتر *1 . والإحساس بالألم يختلف من شخص إلى آخر حسب العوامل الوراثية ، والألم هو تنبيه بوجود خلل ما قد يكون في حد ذاته مرضا . يقول نيتشه ” انه لا احد يستطيع الوصول لدرجة رائعة من الإبداع والإنتاج بدون التجربة ، ولا ان يصبح عاشقا ناجحا ولا أن يصل إلى تحقيق ذاته من المحاولة الأولى المسافة بين النجاح والفشل ، وبين من نحن اليوم ومن نريد ان نكون في المستقبل ، يملؤها الألم والقلق والحسد و الأهانة . نحن نعاني لأننا نستطيع تحقيق ذواتنا بشكل عفوي وسريع ” *2

كلنا يعلم بما تولده الحروب من دمار للإنسان في اغلب الأحيان ، أن لم نقل في كل جوانب حياته وربما تكون آثارها الاجتماعية والنفسية أكثر من المادية ..الأمر الذي يجعل الإنسان يشعر بالعجز وبعدم القدرة على العمل ، وتجعله ذاتي التفكير مستسلما لوسواس قهري تتعلق بحياته ومستقبله ، ناهيك عن الاضطرابات الأخرى . لكن الغريب قد حصر الألم والحرب به وبصديقه جمال جاسم أمين *3 الذي أهدى قصيدته (كثيرون قبلنا ) له حصرا . تلك الحرب التي وصفها بأنها ” أفقدتهم أحلامهم فوق متاهات مصطنعة ” ورغم أنها أخذت منهم الكثير ، إلا أنها لم تعطهم إلا شيئا واحدا وهي المحبة والاعتزاز بهذه الصداقة الرائعة ، ولا يفوتنا هنا ما قاله (جبران خليل جبران):” أن النفوس المتألمة تالف بعضها البعض ” فالنفس تكون في فرحة ذاتية عندما تجد مثيلتها تواسيها في الألم والفرحة ، وتقاسمها خبز الأمل التي تتعلق بها في أصعب الظروف ، لاسيما ان اعتبرنا ان ساحة المعركة هي ( ساحة الغربة المميت ) والتي أشار إليها شاعرنا في قصيدته . ان هذه التجربة قد تركت انطباعا واضحا في بنية النص ذلك الأثر الذي حوله قلم الغريب وبإرادته البابلية الأصيلة الى نقطة تحول وبصيص أمل نحو انتفاض الذات على الذات ، انتفاض الأمل على اليأس ، انتفاض الحياة على الموت ، تلك التجربة المرعبة المفروضة عليه قسرا دون خيار ودون إرادة ، قدر مميت ومرعب عليك ان تواجهه . والصورة واضحة أمامنا في مطلع قصيدته حيث استهلها بالاتي :-

نعم

كثيرون قبلنا

لكننا انفردنا وبجدارة متناهية بالألم

وبالحروب

وبفقدان أحلامنا فوق متاهات مصطنعة

لم تكن يدنا التي تلوح

للقافلة

كنا نلمم الرمل من أقدام الإدلاء

لنشم رائحة الغربة في حياتنا

يعتقد ( فرويد ) انه لا يمكن الهرب من المعاناة ، ليس هذا فقط بل اعتبرها جزءا يملك حيزا في بناء النفس البشرية ولا يمكن إلغاؤه *4 والتيهان احد أنواع المعاناة التي أشار إليها شاعرنا في قصيدته ، حيث انه قدمها لنا بشكل غريب ومخيف قائلا : ( كنا نرسم دائرة التيه )  والتيهان كمفردة موصوفة ومعروفة في علم النفس ( فقدان الشخص صلته مع من حوله )والتيه من أصعب الحالات برأيي والتي يمر بها الإنسان ، إنها حلة من الضياع وعدم معرفة الفرد بمصيره ، إنها حالة من الدفاع النفسي او التنفيس لحالة القلق التي يواجهها ، وهذا القلق يكون مخيفا عندما تكون في سجن نفسي كبير ، شعور يصعب تخيله وبخاصة إن أقحمت التيه في تلك الدائرة التي ترسمها بيديك وتجعله كالأغلال في العنق . والدائرة في معناها الفلسفي ، دوامة لا متناهية من الاكتشافات ، ممتزجة بطعم الحياة الغامضة والممزوجة بالقدر المحتوم ، والتي أقحم الشاعر نفسه بهذه الدوامة . تيه في دوامة . والمشهد يزداد سوءً وخوفا فالنص يتجه نحو العتمة والظلام ذلك الظلام الذي تكرر في القصيدة أكثر من خمس مرات . الظلام لون الموت ، الظلام صمت ويأس ، لا استطيع ان أتخيل مقدار معاناة الشاعر والخوف المحيط به حين كتب هذا النص المرعب ، قد أشار الدكتور علي عز الدين الخطيب *5 في كتابه (ثنائية الضوء والعتمة ) إلى ذلك قائلا : ” إن الدرجات الضوئية اللونية بين الشدة والخفوت تكون متأثرة حتما بالبعد النفسي الداخلي الذي يمثل بلا شك منظور الشخصية أو رؤيتها إلى الأشياء ، وانعكاس هذه الرؤية على طبيعة الإضاءة التي تقدمها القصيدة ، وهذا هو المسؤول عن التباين بين الشدة والخفوت في بنية اللوحة الضوئية التي وجدنا هيمنة اللون الغامض المعتم على ألوانها الأخرى ) فالسواد قد طغى على قصيدة الغريب فلا يوجد اشد عتمة من الظلام ، ذلك الظلام الذي يغرر بالعقول ويوقف التفكير ويوحي بجمال حياته ولعل هذه الأبيات التي أشار إليها الشاعر هي صورة واضحة لما أسلفنا عنه:-

كنا

نرسم دائرة للتيه

نعم

كثيرون قبلنا

مارسوا التيه في الخفاء

الظلام كان يعمنا وحدنا

نحن لا نفكر

لم يمنحنا فرصة لنرى

هو الذي رأى

هو الذي تمسك بنا

وقال

أنا الظلام

ادخلوا باطني

الحياة أجمل

بما إن الأدب عامة يمثل صورة مهمة من صور الحياة ، فهو يعكس جانبا مهما من هذا الصراع ، من خلال تقديم مواقف متعددة ومتناقضة ( للذات ) في أزمنة وأمكنة متعددتين تكشف عن مواقف خاصة وعامة  بشتى الأحاسيس والمشاعر ، أي إن النص الأدبي يحتضن تلك الصراعات بين هذه البنى المتضادة ، إلا أنها تأخذ طابعا فنيا خالصا موشحا بغلالة ؟*6 وهذا الصراع الذي ظهر على شكل تمني في النص ما هو إلا تعبير واضح عن الأمل المفقود في زحام النفس ، انه رجاء للحياة ، لكن العتمة الشاخصة في المدى كانت تلوح له بالكثير . أضداد كثيرة بنت هذا الصراع في النص انها كلمات تضيء في الظلام أحيانا . لقد التمس الغريب الأمل من شروق الشمس التي وصفها بأنها ( تشرق من قلوب أرواحنا ) ليبدد رائحة الظلام والعتمة ويكسر دائرة التيه التي رسمها لينهي الألم بهذه الأبيات :

لو انه لم يكن بحياتنا

لو انه اختفى كما التجاعيد في مرايا الأولاد

لكانت الحياة أجمل لدقائق

ما نحتاجه دقائق

لنقول

الشمس تشرق من قلوب أرواحنا

(الحياة لا تحيا .. ولكنها تسير(

لكنه الظلام

الظلام

الظلام

في ارحامنا كنا نراه

عتمة دافئة

لم يكن في القافلة

نحن اخترعناه

وأنتبهنا بأفراط

الهوامش

******

1.عاقل فاخر ، علم النفس العام.

2.نيتشه فردريك ، العلم المرح.

3. جمال جاسم أمين ، شاعر عراقي معروف .

4.الخطيب ، د.علي عز الدين ، ثنائية الضوء والعتمة .

5. فرويد سيغموند ، مابعد اللذة .

6.الخطيب ، المصدر السابق نفسه.