
كتّاب في دوّامة اللاجديد
أمثلة من السوشيل ميديا
أرشد العاصي
سبق لي أن كتبتُ عن كتّاب السوشيل ميديا والعمليّة الإبداعية في الأدب، وإن الشهرة التي يكتسبها بعض الكتّاب وتستغلّ بطبع ونشر كُتب خواطر وعواطف وروايات، على الأغلب تنتشر الكُتب بشكلٍ غير مُسبق وبعضها يسجلّ أرقاماً قياسية في تاريخ الكتب في المنطقة، ولكن الجوهر يحدّثك بكلّ ما هو مكرّر ومدجّج بالإثابة والسرد التقليدي أو (اللاسرد) وإعادة صياغة التعابير المعروفة لشعراء وكتّاب معروفين بصيغة سلسة خالية من الرونق الأدبي.
هناكَ الكثير من هؤلاء الكتّاب الذين لم يقدّموا إلى الآن ما هو يسمّى بالإبداع في مجالهم سواءً كانت شعريّة أو نثريّة أو قصص وروايات، ونحن بصدد التكلّم عن هذا الصنف لا نقصد الانتقاص من الأسماء التي نأتي عليها كنماذج لهذه الموجة بل نتحدّث عن النصوص بعينها، فأنا من أولئك الذين يقتنعون بموت الكاتب عند قراءة النص بعين النقد الموضوعي المنضبط. ونأخذ ثلاثة كتب كمثال لما ذكرناه قبل قليل، رواية وكتابين في النثر والخواطر، والسمّة الأبرز في هذه الكتب جمال الغلاف وعدم تقديم نص إبداعي. وقبل أن نتوغّل في الحكي عن الأعمال المختارة هناكَ ملحوظة صغيرة؛ ربّما صادف أن يكون أصحاب الكُتب الثلاثة من الخليج العربيّ ولكن الأمر موجود في المنطقة بأسرها، ولا ينحصر على مكانٍ بالذات.
النموذج الأول:
كتاب ما معنى أن تكون وحيدا ـ فهد العودة
يُذهلكَ الغلاف، و يُجذبكَ العنوان أيضاً، تتأمّل في العبارة الموضوعة خلف الكتاب لبُرهة، ولكن ما أن تشرع في القراءة حتى تدركَ أنّه مجرّد نصوصٍ مهترئة، خواطر ضعيفة وضامرة، لغتها ليست بالمستوى المطلوب، تنسيقها سيء للغاية، أفكار متكررة وتقليدية، لن يوقفكَ نصّ كي تغرق في مَعانيه، ولم يأتي بشيء جديد، أو إضافة إبداعية على فنون هذا النوع من الأدب.
كتاب التواصل
الثلث الأول من الكتاب شبيه بما يُنشر في المنتديات و الفيسبوك، أو بالأحرى أكثر الموضوعات والمعاني عدّت عليّ من قبل. ثمّ ما تبقّى ففي كل صفحة تغريدتين أو ثلاث ويستمرّ الكتاب على هذا النحو والمنوال.
النصف الأول من الكتاب مازوشيّة مُستهجنة بامتياز، تُشعركَ بشفقة مختلطة بالاستهتار، فنصوصه تدور في فلك حبيبتهِ التي تجاهلته وتركته، وهو يتمسّح بأسدال طيفها بشكلٍ دميم، والنصف الثاني وعي، لكنه وعي مائق جبريّ وإدراك لحقيقة رحيلها.
لم تعجبني الكتاب، رغم كلّ الكلام الذي سَمعته عن أهميّته والحملة الإعلامية التي رافقت صدور الكتاب منذ حوالي خمسة أعوام وإلى الآن (!) ـ والكتاب الذي بين يدي رقم طبعته التاسعة عشر، وقد سمعتُ بأنه وصل لما يقارب الثلاثين، يعني كتيّب صغير ليس في مضمونه من بريق الفكر والفلسفة والعشق والإبداع، سوى عبارات أهلكتها التكرار والإعادة، خلال أربع أو خمس سنوات يطبع للمرة الثلاثين!
النموذج الثاني:
رواية تارتاروس ـ معجب الشمري
رواية قصيرة، وإن صحّ التعبير لا تعتبر رواية فلا يوجد فيها ما يجعلني أشعرُ بذلك سوى وجود أسماء للشخصيات وبعض العبارات الأخاذة والحوار البسيط حيث أن معظم الصفحات كانت نصوصاً وفلسفة تراها الشخصية وقد تكون وجهات نظر للكاتب.
هي نصٌ طويل .. تبدأ بلقاء بين رجل وامرأة في الشارع، وكتب الرجل رقم تلفونه على كتاب للبنت، و بعد أكثر من شهر حصل الاتصال، وعقب ذلك مكالمة بعد فراق أربع سنوات، ويقدم المرأة على أنها مدللة تصيّف بلندن وباريس وتكره الحجاب وتلبسُ القصير ولا تحتشم، والرجل هو فقير و كاتب و شغوفٌ بالقراءة، وبعد ذلك كجميع القصص الغرامية يفترقا. وكل ذلك من مكالمة بين حبيبين يُفترض أنها طويلة بعد انقطاع لأربعة أعوام.
لا أنكرُ أني وجدتُ بعض الجُمل قريبة للقلب ولغتها بدت لي سهلة جداً وسلسة ولكن الكتاب يفتقد عناصر مهمة للرواية وهي (السرد) وكذلك الحُبكة والفكرة الإبداعية والأحداث، كذلك لم أجد أي نهاية ربّما أراد بها المؤلف جزء ثاني أو جعلها بهذا الشكل وفي هذا الإطار، كذلك ركائز بناء الشخصية وجدتها مفقودة تماماً، ولا علمَ للقارئ سوى معلومات عادية وتقليدية عن أبطال الكتاب، كما ذكرناه في البداية.
ضجة كبيرة
لا أعلم لكن هناكَ فجوة وضجّة كبيرة داخل النصّ وعدم ترابط واضحة أيضاً. تم طرح أفكار جلية بين السطور فالتذمّر من موضوع الحشمة أي ”الحجاب” والوطن والمجتمع (حالات حقيقية موجودة في السعودية) ـ هذا كان أهم ما قامت عليه سطور تارتاروس.
أفضل ما وجدتهُ في هذا الكتاب هو الغلاف والعنوان، ومما لا شك فيه بأن الكاتب يحمل ذائقة فاخرة ذوق راقي ورفيع في العناوين، وجدتُ في ذلك منذ كتابهِ الأول صاحب العنوان الأكثر جاذبية ” في عقيدة الحُب كلّنا يهود ” عنوان غريب وفريد وملفت فعلا. ولكن المحتوى فارغة مثل محتوى هذا الكتاب الذي ينقصه الكثير من الأركان والركائز وكان أحلى ما فيه هو الإهداء وبعض النصوص لأفلاطون.
النموذج الثالث:
كتاب ليتها تقرأ ـ خالد الباتلي
كانت تستهويني قراءة هذا الكتاب قبل أن أقتنيه، لأسبابٍ عدة، منها أن العنوان أخاذ، والتصميم قريب من القلب، رأيتُ بعض عباراتهِ على مواقع التواصل الاجتماعي، وعندما قرأتُ مقدمة الكتاب، أحسستُ أكثر أنه شيء مذهل و جميل جداً وهذا جعلني أكمل القراءة فيه.
ولكن فاضت مشاعري عندما أدركتُ أن هذا الكتاب ما هو إلا تجميعٌ لكافة ما كتبهُ المؤلف في هيامهِ و حبهِ لهذه الأنثى، وبدأت تميلُ نحو التكرار والتعابير التقليدية السهلة إلى حد الشبه بينه وبين الأغاني المنحطة التي أبتليت بها مجتمعاتنا في العقد الأخير، لا أنكرُ إعجابي بالكتاب في بدايتهِ ولكن كلّما قلبتُ صفحة أخرى شعرتُ بدهشة بشكلٍ سلبي وأحسستُ بنوعٍ من النَرَق أو السذاجة والغباوة المفرطة لدرجة أن يُصوّر تلك المرأة كَعبة له، يرجو ويتوسّل ويستغيثُ بها لجنّتها لأنه لم يذنب قط.
إحدى العبارات أضحكتني بقدرِ ما جعلتني أشعرُ بعدم حيائها، يقول فيها ” أمّن يُجيب المُشتاق إذا دعاه” هل انتهت بنا الكتابة أن نقتبس من القرآن بهذا الشكل، منذ قرأت هذه الجملة وأنا أزدادُ استثقالا لحروف هذا الكاتب .. ثم ما لبثت الأفكارُ تُعاد ولكن بصيغة مختلفة قليلاً وبدأت أشعر بالملل التام، ولكن شيء ما جعلني أكمل القراءة، ربما لأني أردتُ أن أعرف نهاية لكل ذلك، أو للهفتي الشديدة وإعجابي القديم بهِ. إذا أردت أن تقرأ هذا الكتاب، اقرأه كفضول منكَ لا أكثر، فيمكنك أن تفعل مثلي ولكن لا تتوقّع أنكَ ستصل لشيء يفيدكَ أو حتى يلهمكَ.
خلاصة الكلام
إن الإبداع تندمج بمفهوم الإحداثِ والخلق أثراً لأسبابٍ جمّة ليست حصيلة لعوامل عقليّة فقط بل مرتبط بالحالة الانفعالية والثورة للمُبدع تذنيباً مع البواعث الاجتماعية والبيئية. والإبداع يحتاج إلى فكر إبداعي بحت لأنّ الفكر أرقى العمليات العقلية، لذلك لا بدّ للإبداع الأدبي من حدّة العقل والتمعّن بعمق وتفكير إبداعي أدبي، وهو بُرء واستنباط علاقات بين أشياءٍ لم تكن موجودة في السابق.والنقد أيضاً هو مجال إبداعي، فالناقد هو من يضع يده على جوانب الإبداع في النصوص، والكلام عن الأعمال الأدبية من قبل النقّاد وكتابة مقالات جادّة تبيّن القيمة الفنيّة والإبداعية وليس مجرّد مجاملات صحفية. وهذا ما لا نراه في كثير من أعمال هؤلاء الكتّاب الذين يقفون في دائرة واحدة خالية من مظاهر الإبداع.
بعد هذا الطرح والقراءة والتحليل والتعليل نجدُ بأن معظم الكتّاب الذين يستوطنون أعمالهم الأدبية في حدود اللاجديد ربّما لديهم إشكالية مع مفهوم الإبداع، فعالم الإبداع عريضُ فسيحٌ رحيب يشمل نواحي الحياة كلّها، فإذا استرسلنا بالحكي عن الناحية الثقافية عامةً وعن الشطر الأدبي والفني منها بشكلٍ خاص فقد انخرط نتاج الأدباء بهذا المفهوم وكان حاضراً في كينونتهم الفكرية وفي جوهر نصوصهم وكتاباتهم.
























