قضية واضحة في الأروقة الأوربية .. وملف منسي في العراق
د. برهان الجلبي
إذا حدث الأسوأ، فان كل الذين يعيشون هذه الأيام سوف يكونون شهودا على محنة أخلاقية، وسياسية، وقانونية، من الطراز الأول.
طارق عزيز، وزير الخارجية العراقي السابق، لا ينتظر شيئا في ظل هذه المحنة، إلا أحد أمرين الموت ببطء، تحت طائلة التدهور المتسارع في صحته، أو الإعدام.
لقد كان حكام العراق الجدد يخططون، كما أعلن في اكتوبر تشرين الأول الماضي، من جانب عضو نافذ في الحكومة، لاعدام طارق عزيز للاحتفال بعيد رأس السنة الجديدة .
لا توجد حكومة في العالم يمكن أن يبلغ بها العمى الأخلاقي الى الحد الذي يجعلها تحتفل بوضع رأس إنسان على مائدة رأس السنة. إلا ان حكومة قامت في ظل حرب لم تساءل مرتكبيها حيث تسببو في قتل مليون ونصف المليون، وتهجير 5 ملايين إنسان، واعتقال وتعذيب مئات الآلاف من الضحايا الذين لا يُعرف عددهم الدقيق بعد، يمكنها أن تفعل أي شيء بالأحرى. فالمرء إذا كان مأخوذا، كليا، بالحقد والكراهية، فانه لا يستطيع، إلا أن يفعل ما يروق له، حتى ولو كان على تصادم مع كل القيم والأعراف والمبادئ الإنسانية.
وسواء قتل عزيز في زنزانته ببطء، أو أعدم، أو وضعت جثته على مائدة العشاء، ليأكل منها كل الذين جاءوا من قرون ما قبل ظهور الإنسانية، فهناك شيء واحد لا تستطيع حكومة بغداد أن تتحاشاه، وهو أن لعنة التاريخ سوف تطاردها الى الأبد.
ولكن اللعنة لن تقتصر على هذه الحكومة وحدها. فالولايات المتحدة، وكل حلفائها الذين ساهموا في غزو العراق عام 2003، سيكونون معنيين بها. ولكن ليس لأنهم لم يعملوا إلا القليل لإبعاد شبح القتل عن هذا الدبلوماسي الكبير، بل لأنهم خذلوا أبسط القيم الإنسانية، والى جانبها حزمة من المواثيق والأعراف الدولية التي لا تجيز تهديد حياة أسير من أسرى الحرب.
يجب التذكير باستمرار ان عزيز سلم نفسه طوع إرادته الى سلطات الاحتلال بعد أن تلقى ضمانات من قائد قوات الغزو ديفيد بترايوس، بأن تتم معاملته كأسير حرب وفقا لمعاهدة جنيف لعام 1949، وأن لا يتم تسليمه الى الحكومة العراقية التي نشأت بعد الغزو. وكانت هناك تأكيدات معلنة من جانب الرئيس الامريكي باراك أوباما تؤكد على عدم تسليم السيد عزيز الى تلك الحكومة، إلا ان هذه التأكيدات، وتلك الضمانات، سرعان ما تبخرت، وتم نقل عزيز ليقع تحت وصاية سلطات لم تخف رغبتها باعدامه، وفعلت القليل لاخفاء الوقائع التي تؤكد تعرضه لأنماط مختلفة من أعمال التعذيب.
ويواجه عزيز وضعا صحيا متدهورا باستمرار ناجما بالدرجة الرئيسية عن اصابته بمرض السكري. وأدى تفاقم هذا المرض الى انه فقد النظر في احدى عينيه. الامر الذي يشير بوضوح الى انه قد يتوفى بسبب فشل أعضاء أخرى.
وقد يشعر حكام العراق الجدد برغبة شديدة في تحويل جثمانه الى مائدة احتفال، ليأكلوا منها، فتشفى بعض احقادهم. إلا أن هذا العمل لن ينجيهم من وصمة العار التي ستظل تلاحقهم وهي أنهم قتلوا عميدا كبيرا من عمداء الدبلوماسية في التاريخ العربي المعاصر، وانهم أخضعوه الى محاكمة لا تتحلى بأدنى المعايير القانونية المألوفة لدى الدول نصف المتحضرة، بل ولأنهم ارادوا تحويل اعدامه الى مناسبة احتفالية، قبل أن يقرروا دفعه الى مواجهة الموت ببطء.
ولكني اعرف، في الوقت نفسه، ان هذه المأساة تواجه المزيد من الإدانات من قبل العديد من المؤسسات البرلمانية والشخصيات المعنية بحقوق الإنسان، والسياسيين الغربيين الذين بادروا الى توجيه الضغوط على حكوماتهم من اجل عمل أي شيء لانقاذ حياة السيد عزيز، واتاحة الفرصة لاطلاق سراحه باسرع وقت ممكن.
لقد استمعت الى نواب عدة في البرلمان الأوربي يتحدثون بصراحة في اكتوبر عام 2011، عن قلقهم لاساءة معاملة الأقلية المسيحية في الدول الاسلامية. وهناك منهم من اشار الى استمرار اعتقال عزيز كنموذج لتلك المعاملة. ومنذ ذلك الوقت وأنا أجري الاتصالات مع عدد من الشخصيات السياسية والبرلمانية والانسانية والدينية من أجل المساعدة على إطلاق سراح عزيز وضمان سلامته وتوفير الرعاية الضرورية له، أملا بان يتاح له قضاء ما بقي له من عمر خارج العراق.
لقد كتبت رسائل الى عدد من اعضاء البرلمان البريطاني، من حزبي المحافظين والعمال، كما كتبت رسائل لعدد من اعضاء مجلس اللوردات، وتلقيت ردودا موثقة، تشير الى ان وزارة الخارجية البريطانية على دراية تامة بالمخاطر التي تتعرض لها حياة عزيز.
وكنت طلبت من السيد هانز فون شبونك مساعد الامين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق سابقا، بأن يتحدث الى جلال الطالباني سعيا لاطلاق سراح عزيز. وذلك لمعرفتي بانه على علاقة قوية بشبونك بفضل دوره في ايصال المساعدات الى المنطقة الكردية. وبالفعل، فقد اجرى شبونك حديثا هاتفيا مع السيد الطالباني تركز على مصير عزيز.
كما طلبت من تيري ويت ان يثير القضية امام وسائل الاعلام البريطانية، من اجل السماح لعزيز بمغادرة العراق. وبالفعل، فقد ادلى ويت بتصريح في 14 ديسمبر 2011 ابتدأه بمقتطف استقاه من كلمات ادلى بها رامزي كلارك تدين مبدأ الحكم بالاعدام. وقال ويت لقد تهيئت لي الفرصة لمقابلة العديد من الشخصيات التي لعبت دورا مهما على الساحة الدولية، في العمل لاطلاق سراح عدد من الرهائن الموجودين في الشرق الأوسط. وكان طارق عزيز من بين أبرز الذين تحدثت اليهم، وكان دمثا، وعرض عليّ الاتصال به في أي وقت لتلقي النصيحة او أي مساعدة ممكنة .
وعلى مستوى البرلمان، كنت قد طلبت من نائب رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي ستيفن هيوز تقديم تقرير الى وزيرة الخارجية الأوروبية كاترين اشتون وذلك لاعلامها بقرار الحكومة العراقية باعدام عزيز والتدخل عبر البرلمان الاوربي لايقاف الاعدام والحصول على العفو والسماح له بمغادرة العراق.
وتم ذلك بالفعل. وفي تاريخ 15 ديسمبر 2011 تسلم هيوز رسالة من وزارة الخارجية الاوربية تفيد بان اشتون اجرت اتصالا بخصوص قضية عزيز وان وفدا من البرلمان الاوربي تكلف بمتابعة هذه القضية بصفة مباشرة.
وكنتيجة للجهود التي بذلها هذا الوفد اعلن مصدر رسمي عراقي بان حكومته لم تتخذ قرارا باعدام عزيز. وفي الوقت نفسه فقد بقي الوفد الاوربي مكلفا بمتابعة هذه القضية لتوفير ضمانات من اجل الحيلولة دون اعدامه.
وكان وزير الخارجية البريطاني لشؤون الشرق الاوسط أليستر بيرت بعث برسالة في 13 فبراير 2012 الى كافة اعضاء البرلمان الذين سبق وان اتصلوا به، بناء على متابعتي للقضية. وتقول الرسالة ان ممثلي السفارة البريطانية في بغداد اثاروا موضوع تنفيذ حكم الاعدام بعزيز مع كبار المسؤولين العراقيين وكان رد هؤلاء المسؤولين بانه لم يحدد موعد ثابت لاعدام عزيز . واعربت وزارة الخارجية البريطانية عن قلقها على الاشخاص العراقيين الذين صدرت بحقهم احكام بالاعدام. وقالت الخارجية ان استمرار تنفيذ هذه الاحكام يعد ظاهرة مقلقة وان السفير البريطاني في بغداد اجرى عدة لقاءات مع نائب رئيس الوزراء العراقي لبحث هذا الموضوع.
وبمساعدة الدكتور ستيفن اوبراين قمت بالاتصال بالمجلس الاعلى للكنسية الكاثوليكية طلبا لتدخل الفاتيكان بصورة مباشرة لدى الحكومة العراقية لاطلاق سراح عزيز. وفي تاريخ 21 ديسمبر 2011 ارسلت سكرتارية الكنيسة الكاثوليكية البريطانية طلبا الى الفاتيكان للنظر في قضية اعدام عزيز واشارت فيه الى أثر الحكم على المسيحيين العراقيين.
وفي مطلع العام الجاري تحدثت الى السير جون ويستون السفير البريطاني السابق لدى الأمم المتحدة بشأن قرار الحكومة العراقية، وأكد استهجانه له. وقال لقد تحدثت في عدة مناسبات مع طارق عزيز، وكان من الطبيعي ان اختلف معه، فبينما كان يسعى بأقصى جهوده للدفاع عن حقوق ومصالح الشعب العراقي، فقد كنت أسعى من جانبي للحفاظ على مصالح الشعب البريطاني. واستطيع التأكيد على ان طارق عزيز هو كنز دبلوماسي للعراق، وأنا لا أوافق مطلقا على إعدام شخص مثله .
ويستطيع المرء أن يعثر على الكثير من الشهادات من كبار المسؤولين ومن شخصيات دبلوماسية مرموقة على مستوى العالم لتؤكد الموقف نفسه. فقد كان طارق عزيز دبلوماسيا من الطراز الرفيع، وشخصية سياسية تتسم بالنضج والعقلانية والحكمة.
ان الدفاع عن طارق عزيز لا يقتصر على الدفاع عن شخصية دبلوماسية كبيرة. ولكنه دفاع عن قيم وأخلاقيات ثمينة، لا يستطيع العالم أن يستغني عنها. فعدا عن انه كان يجب أن يحظى بالحماية القانونية في إطار المواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بضمان حقوق أسرى الحرب، فان التعهدات الشخصية من قبل قادة قوات الاحتلال التي تلقاها قبل تسليم نفسه كان يفترض أن تحترم من جانب الولايات المتحدة. ولا اعرف كيف يستطيع عسكري بارز مثل ديفيد بترايوس أن ينظر الى دوره في العراق من دون أن يشعر بالخجل من حقيقة انه نكث بوعده تجاه هذا الرجل. كما اني لا اعرف كيف يستطيع الرئيس الامريكي باراك أوباما شخصيا أن يرى كيف يتم قتل طارق عزيز ببطء من دون أن تأنيب ضمير.
نحن نعرف ان عزيز يدفع ثمن احقاد فارسية ضده. ولكننا نعرف أن الأحقاد لن تورثنا إلا المزيد من المرارات وسوف تؤدي الى تدمير آخر خطوط الرجعة من اجل إقامة علاقات حسن جوار بين العراق وإيران.
المصالح الآنية تتجاهل عادة النظر في معاني الأعمال الناجمة عن الأحقاد. إلا أن التاريخ لا يستطيع أن يتجاهلها.
واعتقادي الاكيد هو ان الذين يحرصون على مصالح إيران وعلاقاتها المستقبلية مع العراق، يمكنهم أن يخدموا هذه المصالح بطريقة أفضل لو انهم عملوا على إطلاق سراح عزيز، بدلا من ان يحرضوا على عمل العكس. وذلك على الأقل من أجل القول انه ما يزال هناك حيز يسمح بالحفاظ على علاقات حسن جوار إذا ما عاد دولاب الأقدار لينقلب على نفسه.
في حين ان إعدام عزيز أو تركه ليموت في السجن، سيكون علامة على حقد أعمى لن يمكن لأقدار الحياة إلا أن ترد له الصاع بالصاع. وهذا مما لا يخدم حتى الذين يضعون أحقادهم في مقدمة الميزان.
عضو حزب المحافظين البريطاني
/5/2012 Issue 4197 – Date 12 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4197 التاريخ 12»5»2012
AZP07


















