قصص وقت إضافي للغرام وتكسير العظام لفؤاد قنديل

قصص وقت إضافي للغرام وتكسير العظام لفؤاد قنديل
المضمون الجمالي للهوية في شاعرية النص القصصي

د. محمد سمير عبد السلام
يرتكز الأديب فؤاد قنديل ــ في سرده القصصي ــ على الكشف عن التجارب الإنسانية الفريدة، والجماليات النسبية للشخصيات، وتحليل العوالم الداخلية، والمشاهد اليومية في ارتباطها بتداعيات النص، والسياق الثقافي الاجتماعي في آن، ويأتي ذلك من منظور إبداعي يتصل اتصالا وثيقا بقيم الحرية، واستقلال الإرادة، وحب الحياة في تجلياتها الكونية، والإنسانية، وفي علاماتها الجزئية، وتأويلاتها داخل النص؛ ويبدوهذا واضحا في نصوصه القصصية وقت إضافي للغرام، وتكسير العظام ، الصادرة عن دار آسر بالقاهرة سنة 2012؛ إذ تتمركز النصوص حول التجربة الداخلية لمجموعة من الشخصيات المتنوعة انطلاقا من بحث السارد عن هويتها الجمالية الخفية التي تكشف عنها تداعيات الكتابة التي يندمج فيها الحلم بالواقع، والقضايا الفلسفية التي تؤكد عمق الرؤية، واتساعها؛ مثل قضايا الوجود، والعدم، والحرية، وتأثير الأنا الأعلى، وتجليات الإرادة، وتيار الحياة الصاخب، والاتحاد بالنزعة الإبداعية في المشهد الكوني، وعوالم اللاوعي، ورصد التناقضات الذاتية، واستعادة الصورة المجردة للأنا رغم المعاناة، وغموض المصير، وتواتر الموت.
ويحرص السارد ــ في المجموعة ــ على ولوج العالم الداخلي للشخصية من خلال حديث النفس، أوالمونولوج الذي يعكس منظور الشخصية العميق، ورؤاها الحلمية، وإرادتها، وهويتها الإبداعية وعلاقتها بمؤثرات الأبنية الاجتماعية، وتداعيات الكتابة.
ويمكننا رصد أربع تيمات فنية في المجموعة؛ هي بلاغة التجربة الداخلية، والدلالات الثقافية بين المعاناة، والتمرد، وشاعرية السياق، والدلالات التأويلية للحدث القصصي.
أولاً بلاغة التجربة الداخلية
يكشف السارد في المجموعة عن ثراء التجربة الداخلية للشخصيات، وما تحويه من بلاغة خاصة، ونزعة شاعرية تؤكد المضمون الجمالي للهوية في صورها الإنسانية المتنوعة؛ مثل تحليله لتجارب الوحدة، والتمرد، والحرية، ومواجهة المجهول، والموت، وتأكيد الإرادة الذاتية، والإحساس الجمالي بالزمن، وإعادة تأويل الذات انطلاقا من التداعيات النصية التي تستبطن الوعي، وعلاقته التداخلية بالعلامات الواقعية، والثقافية، والكونية، وتعزيز المبدأ الحواري الداخلي، وتضاعف وحداته الجزئية في السرد؛ كي تتشكل بلاغة التجربة من داخل تجددها الزمني؛ وإعادة إنتاج الرؤى المحتملة، والمعاني المختلفة للوجود الفردي في لحظة الحكي، وصيرورتها المستقبلية غير المعروفة سلفا؛ وهوما يكسب الشخصية حضورا إبداعيا مضافا لبنيتها الأولى.
تتجلى الغيمة كأغنية، أونغمة في وعى السارد في نص غيمة درويش ؛ وكأنها تشير إلى حالة التعاطف الكوني ــ الاجتماعي، وتأثيرها في الارتقاء الروحي للذات؛ فقد اقترنت أغنية سيد درويش الحلوة دي بحالة من السلام الإبداعي المتعالي في سماء البطل، وفي البيوت، والخيول، والفناجين، والأطباق؛ ثم صارت النغمات النابعة من السحابة مجردة، ومقترنة بالتجدد الاجتماعي المحتمل، وما يحويه من تعزيز بلاغي للشخصيات البسيطة المتضمنة في الأغنية، ومسار الواقع معا.
لقد اندمجت تجربة الصعود الداخلي للشخصية، بالأحلام الجماعية بالحرية، والاتساع الروحي الكبير، والمتجاوز لبنية السحابة الموسيقية نفسها؛ فالنغمة صارت مدلولا طيفيا لعلامات الوجود في حضورها الجديد في المشهد القصصي.
وتولد علامة البجعة من المسافة الملتبسة بين الوعي، والواقع في نص السماء تبدع الشعر أحيانا ؛ فالبجعة الجميلة تجلت في النص كأنثى، أونغمة موسيقية، أوسمكة، أوإوزة بين حمام أبيض، ثم صارت رفيقة للبطل في حياته اليومية، واستغنى بها عن الآخرين.
لقد اتسعت مساحات الحلم من داخل التفسير الإبداعي للوجود، وما يستدعيه من تحولات استعارية مستمرة في بنية العلامة، وتداعياتها في واقع يشبه الكتابة، ويحاكي صيرورتها، ويثير النص تأويلات عديدة محتملة؛ فهذا الجمال الممتد، والمطمئن يشير إلى نزوع ديني خفي للسلام، أولجمال يقترن بالأصالة، والخلود؛ فتكوين البجعة يستبق أفكار الصيد، أوالامتلاك، وكذلك يوحي للقارئ بتجاوز الموت، والظلمة، والشر في العالم.
إن السارد يبحث عن الجمال قبل أن تتشكل لحظة الوعي بالواقع، وحدود الهوية، والتاريخ، ويؤكد نوازع التعاطف الكوني في اللاوعي، وتداعيات أحلام اليقظة.
هل يحرر النص ــ بصورة غير واعية ــ بطلة بحيرة البجع من سطوة الساحر القديم؟ أم أنه يستدعي أغنية البجعة، ويحدث انشقاقا للموت المصاحب لها في التراث؟
لقد تجلت العلامة هنا كمفتتح لهوية شعرية جديدة يسعى إليها السارد من خلال اتساع الوعي، وارتباطه الوثيق بفعل الكتابة.
ويعيد السارد إنتاج علاقة الوجود بالزمن، وتشكيل الهوية الفردية في نص حصتي من الزمن ؛ فقد استلم حصته من الزمن، ثم تبددت في العمل، والمناسبات، والأحاديث، والثرثرة، والسخافات، ثم يتساءل حول قيمة الزمن، والتهديد المستمر للموت في سياق الحياة الصاخب نفسه.
إن السارد يستشرف حضورا آخر متعاليا يتجاوز الحتميات، وتتشكل منه قيمة الوجود في الزمن، في تلك المؤقتية التي أشار إليها هيدجر؛ فالذات تبحث عن زمن آخر ذي مغزى، أودلالة، وتهددها مخاوف الفناء المحتملة في آن، وتتشكل الهوية من هذا التناقض.
وتبلغ نوازع التحرر الروحي ذروتها في نص بائعة السمك ؛ فالوظائف السردية تتدرج كنغمات متصاعدة منذ تلك النظرة العميقة التي يعاين فيها السارد بحث السمك عن الماء لدى البائعة، ثم الهدوء الحذر مع صعود خفي لنغمات التمرد، ثم يمسك بالكيس، ويطلق السمك في الهواء.
لقد اندمج الوعي المبدع بالموضوع » السمك في لحظة تكشف عن أصالة البهجة، والمعاناة معا في تكوينات العالم؛ ومن ثم تشكلت بدايات الثورة الداخلية اللاواعية على المعاناة نفسها، على هذا التحقق من الوجود، وما يحتمله من تعاطف كوني بين العناصر، ثم انحاز في ذروة المشهد إلى حالة من التمرد المطلق، والمبهم؛ وكأنه يمجد الاتصال الخفي بين البهجة، والوجود المتعالي المتخيل، وليس الوجود الحتمي؛ فكان من الممكن أن يعيد السمك إلى المياه، ولكنه أطلقه في عوالم اللاوعي الفسيحة، أوفي الوجود المتخيل الذي يتجاوز الموت، ويستنزف المعاناة من خلالها.
ويعزز السارد من البلاغة الكامنة في إرادة الإنسان»الفرد في نص لم أهتم ؛ فقد تعرض البطل لتجربة الحجز على ممتلكاته، مع بقاء ذكرى أحاديث الأحباب، وصور زوجته، وبعض الكتب، ولكنه لم يفقد الأمل، وذهب إلى الأوبرا؛ ليكتشف حياة أخرى في قلوب الآلات، ويتحد بالصباح الجميل الذي يستعصي على مدلول الملكية.
لقد أعاد السارد تشكيل هويته في مستوى الحياة الإبداعية البديلة، والمتجاوزة للوضع الطبقي، والاجتماعي؛ وكأن مدلول سلب الملكية قد تحول في المتوالية القصصية المؤكدة للإرادة، والإبداع إلى اتحاد مفتوح بالنغمات الفنية، والكونية، وأصالة تجدد الذكريات في الوعي المبدع.
ثانياً الدلالات الثقافية بين
المعاناة والتمرد
تتشكل رؤية فؤاد قنديل الاجتماعية في سياق التداخل بين أبنية القهر التي تجبر الشخصيات على الانزواء في الموقع الهامشي، والانفتاح المجازي لتلك البنى نفسها في اتجاه التمرد الإبداعي، والخروج من أسر الحتميات؛ وكأن علامات الضرورة المهيمنة على المشهد تتحول إلى طفرات حلمية، أوثورية في الوعي الممكن؛ كوسيلة نصية للمقاومة، واستنزاف القهر في الاتساع الروحي المناظر له، والمؤسس لشقاق، أواختلاف أصلي داخل المركز.
يقترن كل من القهر الاجتماعي، وتصاعد نغمات التجاوز الروحي للمعاناة في نص حاملة الأثداء ؛ فالسارد يرى صديقه يتجه لبيع أمعاءه، وقد أصبحت سهلة الانتزاع، ثم يشير إلى حميدة العمشة التي تقوم بخياطة اللحم، ثم تتجلى نجية التي تحمل ثدييها مختلطين بالدماء على الصينية، ثم تتصاعد نغمة الثورة مع القهر غير الواعي حين يبقر البطل بطنه في محاكاة إبداعية للحدث الذي تحول بفعل الوعي من الضرورة إلى الطفرة الحلمية الاختلافية.
ثمة تناقض في المشهد بين رغبة الشخصية في الطعام كضرورة، واتجاهها للتفريط في أعضاء الهضم نفسها، ثمة استحالة في آليات الحياة، وتمجيد للروح التي تتعالى على بنية الضرورة عبر وسيط الحلم، وإيماءاته الثورية التي تمتزج فيها حمرة الدم بالوسائط الافتراضية الطيفية المقاومة لتسلط المادة.
ويجمع السارد بين إيحاءات مركزية السوق في الأبنية الاجتماعية المهيمنة على الشخصيات، والسوق كبنية جمالية افتراضية تفكك المركزية الأولى من داخل تحول علاماتها باتجاه التمرد الداخلي.
ويشير السارد إلى الحياة الإبداعية الكامنة في لقاء الوعي ببعض العلامات الجزئية في الثقافات المغايرة في نص سوق السحرة ؛ فقد اصطحبه صديق إلى ذلك السوق بعد رحلة لمشاهدة مباراة كروية في بوركينافاسو، ورأى جماجم القردة، والتماسيح، والعظام المرعبة، وقد طلب صديقه خلطة إنجاب لزوجة أخيه، وطلب هومسحوقا لعلاج والده، وقبل أن يستعمل ما أتى به علم أن المرأة قد حملت، وأن أباه قد مات.
لقد أجل السارد فاعلية تلك العلامات في خطابها الثقافي الأول؛ كي يعيد اكتشافها فنيا، وجماليا في الوعي؛ فهي تعبر عن صخب الحياة، وتنوعها في مستواها الجزئي غير الواعي؛ فهي تحيا كنغمات متجددة في الفن، وتتجاوز حتمية النهايات الحاسمة.
ثالثاً شاعرية السياق
يعيد السارد إنتاج الحدث في سياق شعري، وثقافي، وكوني في آن، ويكشف عن الفاعلية الجمالية الخفية للنص في تداعيات الأحداث، وصيرورة السرد، وقد يستنبت الحدث في شاعرية تشكيلية حلمية في فضاء النص؛ فيصير الحدث ممزوجا بالخبرات الحسية المميزة للسياق الشعري.
تمتزج تجربة الغياب والعودة المتدرجة إلى الوعي بالتأويل الشعري للحدث في سياق تشكيلي جمالي في نص أصوات بيضاء تتقطر من الحنفية ؛ فالسارد ــ المريض يعاين التجربة الحلمية الخيالية؛ فيرى مجرة من اللهب، وحصانا مجنونا يلقيه في فوهة بركان، أوبحر فيه أمواج من الجمر المذاب، وتتداعى جماليات اللون الأبيض في الستائر، والأصوات، والكلمات، ثم تتجلى لوحة تشكيلية يظهر فيها الحصان، والهالة الحمراء، والجليد، ودببة.
لقد امتزجت علامات الفن داخل اللوحة، بالسياق الشعري للسرد، واللعب الجمالي للأحاسيس المعنوية؛ وكأنها تتخذ هيئة نصية في الواقع، بينما تختلط الرؤى باللوحة؛ لتعيد التساؤل حول فكرة الخروج عن الإطار في العمل الفني من جهة، وتحولات الإدراك الذاتي للمبدع في عملية الإبداع المتجاوزة للفرد من جهة أخرى.
وتختلط إيماءات الموت، والحياة، وغموض التجربة الإنسانية، وصمتها في مواجهة المجهول في نص زورق، وطفل، ونهر عجوز ؛ فالصياد يبحث عن الرزق، ويخرج له النهر النفايات، وجثث الكلاب، والقطط، بينما تعاين زوجته الطفل المريض، وقد أوشك أن يموت، ثم يتجدد الأمل، ويتجدد غموض الرحلة الصامتة.
لقد استخدم الكاتب لغة كثيفة، وارتكز على النكرة في العنوان؛ ليحيل القارئ إلى التجليات الشعرية للعلامة، وما تحمله من عمق دلالي؛ أما النص فقد تنوعت نغماته الجمالية بين الموت، والحياة، ودائرية الرحلة الداخلية، والكونية، والتعزيز من الصمت المبهم في اكتشاف العالم.

رابعاً الدلالات التأويلية للحدث القصصي
تشكل التداعيات النصية في المجموعة دلالات تأويلية للحدث من داخل تضاعف علامة فنية، أووظيفة سردية داخل المتواليات القصصية للنص؛ ومن ثم يمكننا العثور على بنية تفسيرية عميقة، وشاعرية للحدث الأصلي من خلال الصور، والأخيلة المتجددة.
تتجه وظائف المتوالية القصصية في نص الموت لا يقف في الإشارة إلى التحول من معاناة البطل الموظف المهمش من تسلط مديره، وطلبات الأطفال، إلى انتقال السارد من وصف الصخب الدال على المعاناة، إلى الإعلاء الصخب التأويلي المضاد الذي يختلط فيه الأحياء بالموتى في لحظة تمرد، ثم استنبات البطل في عوالم اللاوعي الرحبة، والمصاحبة لوحدته في النهاية.
لقد تحولت المتوالية المنطقية للسرد إلى تضاعف الصخب الطيفي، أوالروحي ممثلا في أرواح الموتى، ونفس البطل المجردة كبديل عن حالة المعاناة، والازدحام الأولى؛ فالصعود الروحي للتجربة الفردية يفسر القوة الداخلية المتمردة، والتي عبر عنها النص بصورة خفية في البداية، وكشفت عنها تداعيات النص بوضوح في تضاعف الإشارات النصية المتجاوزة لحالة الغياب.
AZP09