قصة قصيرة – الإنتحار
صلاح الدين خليل
– هذه هي المرة الثانية التي تحاول فيها الانتحار امر عجيب .
– العجيب هو ان استمر في العيش …
-لماذا ؟
– هكذا …
– هكذا اهذا هو جواب …
– ماذا تريد ان اقول لك هل ابرر لك انتحاري .
– طبعا …
– اذن برر لي السبب حياتي .. لماذا أعيش ؟! ماهو الهدف ؟!
– ولماذا تسأل عش فقط دون ان تسأل …
– ولماذا لا اسأل ؟! .
– هل تريد ان تقتنع بسبب وجيه للحياة حتى تقلع عن فكرة الانتحار وهل نحن لنعيش بمثل القناعات يكفي اننا ولدنا ونعيش ..
-هذا ليس كافيا اريد ان اضع حداً … لا اريد الاستمرار في حماقة مفروضة علي من الخارج ..
– كيف نشأت عندك هذه الفكرة انا لا اصدق ان انسانا يقتنع بفكرة الانتحار ثم يحاول ان يدعمها بالعمل … العبثيون انفسهم لم يكونوا كذلك …
– الفكرة تراودني منذ زمن … وكنت اخدر نفسي بالخمرة … ثم ليس لي شأن بالعبثيين او سواهم اني اريد ان انتحر وكفى …
– طيب هكذا تريد ان تنتحر وكفى بمجرد ان هذه الفكرة طرأت عليك …
– كلا ليس لان الفكرة قد طرأت علي فان في ذهني افكارا كثيرة الا انني لا اود ان احولها الى واقع الا ان فكرة الانتحار لها مايبررها .
– وكيف تبررها ..
– ابررها بكوني وجدت نفسي اتقبلها بسهولة ويسر كأنها قطعة من الشعر…
– ماهذا … كلا .. لا اعتقد لابد انك تعاني من مشكلة تخفيها عنا ثم تحاول ان تغلفها باهاب فلسفي او فكري .. انا نفسي تراودني فكرة الانتحار مرارا .. قبل ايام وفجأة غمرتني كآبة خفيفة عجيبة لم يسبق ان احسست بمثلها في حياتي فشعرت بان الحياة ميتة وانا ميت والهواء ميت والناس حولي اموات .. كان كل ماحولي يبعث على الضيق والملل والغثيان الشروق والغروب .. البرد والحر .. الصمت والكلام .. العمل والكسل .. القذارة والنظافة … وكدت امتنع عن الاكل الا انني كنت اكل بطريقة آلية ولا اشعر حتى بلذة الطعام كالسابق ، حاولت ان اعالج وضعي بالخمر وكنت اضع الكأس امامي وانظر اليها ساعات دون ام امسها لاني كنت اشعر بانه سيان شربته ام لا ، وكنت اضع امامي الكتاب فلا افتحه وان فتحته وقرأت فيه لم افهم شيئا .. لقد كان ذهني منصرفا عنه بامر اخر لا ادري ماهو وكنت اقرأ واقرأ واقلب الصفحات دون ان ادرك ماذا كنت اقرأ .. وكنت اتظاهر بالاستمرار كالذي يحاول ان يدخن بطريقة ميكانيكية لينسى همه الا ان هذا لم يكن مجديا وقد كنت مثلك احاول ان احلل سبب حزني .. بل انه لم يكن حزنا .. لقد كان شيئا كئيبا كالموت يقتل الروح ويفنيها انه حزن او كالشلل حزن تعيشه في داخلك وتلمسه فيما حولك من اشياء انه ينبع منك وينصب فيك وعلى كل شيء خارج ذاتك فيفسدك ويفسد ، الاشياء ثم انه ياتي اليك من الاشياء من حولك وقد ملت وجودها غير المبرر او انها عاشت اكثر من اللازم وهذا امر حقيقي فالاشياء تعيش اكثر مما يجب… ربما اكثر من عمر الانسان نفسه بكثير ان الانسان يعيش ويشعر انه يعيش بالزمن وينتهي احساسه بهذا الزمن بانتهاء حياته ان يموت .. اما الاشياء فانها لاتحس بالزمن مهما تعاقب عليها … وانها لن تمر بمرحلة الموت لانها لم تعش قبلا حتى تموت وحتى لو تكسرت او دمرت او فجرت فانها لن تكون اكثر موتا او اقل او اكثر احساسا الا اننا نحن معشر البشر نتصور ان هذه الاريكة التي لاتشعر بما نسقطه عليها من ذواتنا وماسينا ، بان هذه الاريكة قد ملت الانتظار .. انتظار من .. قد حلت وجودها وان هذه الاغنية التي تظهر لك في المذياع قد حلت كلماتها او انها وجدت لتخفف عنا وطأة الشعور بالملل الجاثم على انفسنا كالموت .. الاف من هذه الافكار ظلت تراودني وتنهش في داخلي الا انني لم اكن استسلم لها .. لقد اصبحت امام امرين اما ان استسلم لها فاصبح انسانا منتحرا او مجنونا واما ان اقاومها فيزداد شعوري بوجودها .. فكان ان اخترت الطريق الثالث وهو ان لا اعبأ بها حتى تحل نفسها .. حتى الحب لم اكن اشعر له بلذة .. ولكن هل تراني اليوم افكر كما كنت افكر بهذا تلك الايام … كلا .. لابد من امل نعيش من اجله وحتى لو ثبت ان املنا هذا كان سراب فاما ان نستعين واما ان نستبدله بأمل اخر نعيش به وله …
انت متفائل لانك تختلف عني انا اشعر باني مرغم على هذه الحياة ، انا لم اختارها فكيف اعيش ثم اني بلا هدف ليس لي ما اعيش لاجله ولست بقادر على ان احقق شيئا انا الذي يجب ان يكون عظيما .
ومن اختار منا حياته .. كلنا قد تقبلنا وجودنا المسبق وبيئتنا وابائنا وموقعنا الجغرافي والطبقي وكل شيء لم نختر لون بشرتنا او شعرنا ماذا لو ولدت اسود مضطهدا او امريكيا او روديسيا .
على الاقل كان هذا كافيا للنضال .
الست تملك هنا شيئا او سببا تناضل من اجله …
انت واهم .. انا لا احصر النضال بالسياسة فالحياة كلها هي نضال .
ولكني رغم هذا تحتم علي اختيار نوع النضال …
الانسان حرفي اختياره ومسؤول عن اختياره ويستطيع في كل لحظة ان يختار كما يقول سارتر .. انا لا اميل الى الاستشهاد باقوال الفلاسفة ولكن انت تجرنا الى مثل هذا الحديث …
هل اخترت ابوي ..
ها قد عدت الى المسألة ولا بد ان اقول لك بقناعتي الشخصية .. انا اعتقد بأن لا مخلوق يوجد على هذه الارض ان لم تكن لديه طاقة الوجود والرغبة في الوجود يقول دمسيتويفسكي في قراره الارحام يتولد حب الحياة.وكيف تكون هذه الرغبة في الوجود هل تكون في الحيمن الذي اصبح انا..
فلنستمر اذن .. اجل انها كائنة في الحيمن نفسه فالرجل يقذف في جسد المرأة الاف الحيامن في كل عملية جنسية ولكن احد هذه الحيامن فقط يكتب له ان ينشيء مخلوقا ويكون هو اقوى الحيامن واسرعها الى تلقيح البويضة واكثرهم حبا في البقاء والوجود بينما لايكتب للحيامن الاخرى مثل هذا النجاح .
هذه مجرد فرضيات انت لاتستند فيها الى عالم او فيلسوف ..
ولكنها فرضيات معقولة ومقبولة جدا .. ثم لماذا استند الى اقوال العلماء والفلاسفة فهم مقتنعون بهذا حتى لو لم يفكروا به …
كيف ؟! ماهو الدليل ؟
الدليل .. هو انهم لم ينتحروا بل انهم يحيون حياتهم ويجدون فيها لذة مابعدها لذة منذ ابيقور وحتى يومنا هذا ..
وشوبنهور وكامو ..
ها انت تعد على ان نخوض في امور فلسفية ؟.
الموضوع فلسفي بالطبع .
انت تريد ان تجعله كذلك …
كيف عرفت ؟
– سأقول لك هذا فيما بعد …
– طيب ..
– هل تقصد ان شوبنهور كان تعيسا .. لقد كان يكتب عن التشاؤم وهو متفائل برواج كتبه .
– انت سفسطائي .. لماذا لاتتوقف عند فكرة الانتحار.
– طيب هل تصدق ان البيركامو نفسه فلسف الانتحار توقف عند فكرة الانتحار نفسها ؟
– كيف ؟
– قال حسب نظريته في العبث مادامت الحياة عبثاً وشيء غير جاد فلماذا نقف منها موقفا جادا .. كموقف الانتحار ؟
ماهو الخلاص اذن ؟
الخلاص وجده السرياليون في الفن وكذلك وجده كثيرون غيرهم يملاون شوارع المدن من الذين لايفقهون من امور الحياة والفلسفة شيئا ..
الذين يعيشون بدون احساس …
الذين يعيشون باجسادهم وكذلك المستهزئين بالجسد كلهم يعيش … والان هل مازلت مصرا على الانتحار ؟. ثم ماذا تضن ؟ هل سيقام لك تمثال على هذا العمل او هل تعتقد بانه ستثار حولك ضجة ثق بان شعره واحدة ولن تتحرك من اجلك من هذا العالم …
هذه مجرد كلمة فالته لا اكثر .. لاتحاول التشبث بها
بماذا أتشبث اذن ؟
خذ قدوة لك بالناس الكثيرين الذين وجدوا السعادة على حافة اليأس يقول ريلكة .
مع هذا ولكني اجد اني لا استطيع التخلي عن فكرة الانتحار …
اذن ما عليك الا ان تجدنا بالامر الذي يعذبك ودع الفلسفة والتفلسف جانباً .
لقد اهنت …
ممن .. هل تشاجرت مع احد …
يا ليت لكنت انتقمت .. لكنـــــــت قتلت ولكني اهنت من شخــــــص لا استطيــــــع ان افــــــعل له شـــــيئا . من هو ؟ ضابط .. رأى شعري طويلا وبكل احتقار وبواسطة طرف عصاه ضرب على رأسي كما يؤشر الراعي على رأس غنم .. وهو يقول انت يجب ان تتخلص من هذا الشعر كان يلمس رأسي بعصاه كما يلمس رأس كلب بل الكلب يحظى بمعاملة افضل .. شعرت بان عصاه تكهربني وتثقب رأسي وتمر في هذا الثقب نار حامية تحرق دماغي كالرجل وتؤجج فيه فكرة القتل وللحظات كنت افكر هل اقتل الضابط .. هل اهجم عليه هجمه امزقه انهم لن يستطيعوا ان يتداركوني حتى اكون قد شوهت له وجهه وملاته بالدماء الحمر وجعلته لي فوق الارض بساطا من لحم ادوسه بحذائي…
وماذا فعلت …
وبينما انا على هذا التردد واعصابي تكاد تنفجر والدموع المهانة تكاد تطفر من عيني وانا احبسها لا لايراها الكلب … فتغسل قلبه اللئيم فرقا وتنزل على فؤاده كما ينزل الغيث على الارض الحدباء .. دق بوق التفرق للاستراحة فما كان مني الا ان انتحيت جانبا وبكيت كما لم ابكي في حياتي قط بكيت كاداة اهذه كرامة … ان ابكي كامراة ولا انتقم لنفسي لشد ما شعرت بالحنف له والاحتقار لنفسي وتمنيت لو اني ضربت ذلك الضابط الا انني كنت سوف اسجن بعد هذا ربما لاكثر من سنة .. لست ادري ربما سنين .. معنى هذا ان اقضي في العسكرية ضعف المدة المقررة …
لست الجندي الوحيد الذي يهان …
ولكن انا لست كغيري …
هل انت اكثر كرامة من غيرك …
لم لا ..؟
انت بهذا لاتختلف عن الضابط في احتقار باقي الجنود وما دمت تجعل نفسك اكثر كرامة منهم … فلا بد ان تاخذ الامور على علاقتها …
لا اقدر …
لابد
لا استطيع نسيان الاهانة …
وماذا يجدي الانتحار ؟ هل تعتقد بأن الضابط سيشعر بتأنيب الضمير .
قلت لنفسي سأكتب رسالة اشرح فيها اسباب انتحاري لعل هذا الانتحار يغير شيئا .
اولا ان الضابط سوف لن يندم ولن يغير معاملته للجنود لانك لاتعلم ان مثل هذه المعاملة لا اعني هذا المثال الشيء المتطرف الذي ذكرته ولكن اقصد ان المعاملة الحازمة هي جزء لصيف بالحياة العسكرية ولولاها ماكان هناك جيش يطيع الاوامر .. هذه امور انضباطية …
هل تجد مثل هذا في الخارج …
لا اعتقد ان هناك ترجنا ازاء الجندي في الخارج وحتى لو كانت هنالك معاملة خاصة مختلفة فالامر تحكمه ملابسات لاننا نختلف عن غيرنا .
– نحن عبيد .
– كلا ..
– لقد كتبت عن جو العلاقات الاقطاعية الذي يسود بين الضابط والجندي …
– تعني ان الضابط هو الاقطاعي والجندي هو الفلاح …
– او الزوج المستبد بزوجته .
– انت تهول الامر .
– انا اعايش هذا يوميا …























