
مقاهي بغداد بين الحوارات الثقافية وغناء المقام العراقي
قصة الرواد المكفوفين مع الناطوحي والسابوحي والناقوري
صباح الخالدي
اشتهرت بغداد بكرخها ورصافتها بمجالس العلم والادب والفن كان يشارك في اقامة تلك المجالس العشرات من العلماء والأعيان من ذوي الوجاهة جمعت بينهم النزعة العلمية وحب الثقافة ورعاية المهنة وإدامتها وأصل مصطلح ( المقهى ) هو المجلس أو الديوان وعندما بدء بتقديم شراب القهوة أطلق على هذا المجلس أو الديوان اسم المقهى أو القهاوي ويلفظها عامة الناس ( الكهوة ) وتجمع على ( الكهاوي).
وقد عرفت بغداد المقاهي في العهد العثماني , اذ كان في كل محلة من محلات بغداد مقهى واحد على الاقل أو اكثر حسب عدد سكانها وكانت مقاهي بغداد تعبق بنكهة من الاعراف والعادات الاجتماعية التزم بها البغداديون ومنها (الوير) او (صاح وير) وهي كلمة بغدادية عن قيام الانسان بواجب الضيافة وكلمة وير تركية بمعنى (أعط) واضافة الى ما كان يستعمله (القهوجية) الى اوائل خمسينات القرن العشرين من السكر (كلة القند) في تحلية الشاي بعد تقطيعه الى مكعبات منتظمة وعند دخول البن الى العراق والدور الاجتماعي والثقافي للمقاهي حيث تؤدي وظائف مشتركة وتتوارث مجموعة من التقاليد التي تحرص على أدائها وكان هناك فنون اللهو والتسلية في المقاهي البغدادية القديمة وما يميز المقاهي في شهر رمضان بحضور القصاخون او الحكواتي فيها فقد وجد الناس في المقاهي الخاصة التي كانت يقرأ فيها القصاخون وهي مقاهي تناثرت حول اطراف المحلات البغدادية حيث اعتاد الناس ان يسمعوا قصة عنتر او ابي زيد الهلالي وهما قصتان تحكيان الجانب البطولي ويعبران عن الذات ومن ابرز تلك المقاهي هي (الشابندر) تعد نموذجا لمقاهي بغداد القديمة و سمي بأسم اصحابه من اسرة الشابندر العائلة البغدادية القديمة التي عرفت بالغنى والجاه وان المقهى اسس سنة 1917 حيث تم تهديمها وإعـادة بنائـه بعـد ان كانـت مطبعة معروفـة مشهورة في بغداد وقام الحاج مجيد بن الحاج عيدان بتأثيثه كمقهى ثم أعلن عام 1920 عن ايجاره. ومن المقاهي الاخرى (مقهى احمد افندي ) في محلة الميدان الى الطريق المحاذي لسور القلعة ( وزارة الدفاع )و مقهى أحمد باشا – يقع على الارض الاميرية قرب القلعة الداخلية المحدودة بخندق المدينة وساقية مراد باشا و مقهى احمد الشاوي – يقع في سوق الخفافين ومقهى الملا اسماعيل آل ثنيان – يقع في محلة راس القرية يحده من جهة أخرى خان الكرج ومقهى خان الاتمة , ومقهى بروازي ومقهى الاغا وكان كبار شعراء ومثقفي بغداد من رواد تلك المقاهي وتميز الكتاب في صفحاته الاخبرة بعدد من الصور للمقاهي القديمة في بغداد ومنها صورة الشاعر البغدادي الملا عبود الكرخي وشارع السراي وركن من مقهى الشابندر اضافة الـى مقهى فـي باب المعظم (باب السلطان) كما ان من ابرز مقاهي بغداد (البلدية وعارف آغا والزهاوي وحسن عجمي والبرلمان والبرازيلية، وهـناك صـورة أخيرة لمقـهى آل المميـز حيث تظهر بقايا الكتابة الآجريـة التي ثبتت فـي عهد المستنصر بالله العباسي عـلـى الجـدار المطل علـى دجلـة ابتدأ مـن اول ربـع الحنفية الى آخـر ربـع الشافعـية وقـد ازيلت بقايـا المقهى ورممت الجدران التي فـي ربـع الشافعيـة واظهرت الكوى والشبابيك المزخرفـة المطلـة على النهر والتي كان الفقهاء يتفرجون منها على القوارب والسفن الصاعدة والمنحـدرة في نهـر دجلة .
ويرى عدد من المراقبين في مجال التراث الشعبي ان (خصوصية المقاهي البغدادية متفردة في مكانتها ونكهتها وشخوصها والقهوة وحتى الاغاني التي تختارها لمرتاديها بحيث غدا شارع الرشيد منذ افتتاحه ، تحولت المقاهي المنتشرة على جانبيه إلى منتديات ثقافية شكلت مناخًا أدبيًا وثقافيًا وفنيًا جذبت الأدباء والكتاب والمسرحيين والتشكيليين من بغداد والمحافظات ورغم مرور عقود من الزمن فان عدد محدود من المقاهي التي لا تزال تستقطب روادها، من بينها ( الشابندر ) في شارع المتنبي ومقهى (رضا علوان في الكرادة) وغدت المقاهي رغم انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت الاانها بعض تلك المقاهي تتواصل مع الآخرين، ولاسيما المثقفين، وتبادل الأخبار وقضايا معظمها سياسية أو التحشيد للمظاهرات الشعبية أو مناقشة مسائل ثقافية تخص عرض نتاجهم الفكري والأدبي، وعقد الاتفاقيات الأدبية وتداول أخبار الفن والأدب وهي أيضا ملتقى للزوار من الخارج، كنقطة دلالة معروفة.
ارتباط شارع
وارتبط شارع الرشيد باسم معظم الأدباء والمثقفين، ومن الرواد تلك المقاهي الذين ارتبط بهم الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي كان يجلس فيه قبيل إلقائه قصائده الوطنية المحرضة إبّان انتفاضة عام 1948 فكانت الجماهير المأخوذة بسحر قصائده وبلاغتها وتأثيرها، تنطلق من جامع الحيدرخانة لتطوف في شارع الرشيد غاضبة منددة بالمعاهدة الجائرة التي وقعتها الحكومة مع بريطانيh وهنام مقاهي ظهرت في السبعينات منها مقهى ام كلثوم في ساحة الميدان وهو يحتضن عشاق أم كلثوم لسماع كل ما غنت كوكب الشرق من روائع الفن حسب طلب الرواد وصاحب المقهى عبد المعين من محافظة نينوى ومن عشاق ومحبي ام كلثوم ويتصدر صورته في لقطة مع كوكب الشرق وتعد منطقة الميدان على ان معظم الذين يزورونها من سكان المحافظات،..صور لماضٍ يفوح منه عطر السحر والجمال والتراث، في مقهى أم كلثوم يطغى صوت (ثومة ) على اصوات حركة قطع الدومينو والنرد، اصوات الزبائن الصاخبة بعض الشيء تشعر بها همس وانت تسمع جهاز التسجيل يصرخ بصوت الكوكب (بعيد عنك… حياتي عذاب… متبعدنيش… بعيد عنك ..و انت عمري ودارت الايام .. ) وعلى الرغم من البسطيات غيرالنظامية التي تتوزع بين أرصفة الساحة كان هناك أسواقا ومحالا ومقاه حافظت على شكلها النظامي وتوارث مهنها ومحافظة مالكيها على ديمومتها غير آبهة بتقلبات وتغيرات الزمن، فما أن تسير خطوة وسط ذلك المكان التاريخي حتى تتقافز لمفكرتك ذكريات الباعة المتجولين الذين أدمنوا التواجد هناك كزبائن دائميين، وأن العديد من المحال والاسواق بقيت محافظة على وجودها على الرغم من الظروف التي تعيشها بغداد، وكان في سوق الهرج مقهى عزاوي الذي كان ملتقى محبي الطرب والغناء وان اغنية (يا كهوتك عزاوي بيها المدلل زعلان ), هي اشبه بالانشودة الدائمية لمطربي المقام عند بداية ةحفلاتهم في ذلك المقهى ومن روادها الفنانون محمد القبانجي يوسف عمر وحمزة السعداوي وهاشم الرجب وابو عبد البغدادي وعبد الرحمن خضر وعبد الرحمن العزاوي وعباس جميل وحضيري ابو عزيز وغيرهم و كانت جلسات الطرب فيها تتحول بعد الغناء الى منتديات لحنية موسيقية لمناقشة ما انشده المطربون وبعد ان تلاشت تلك المقاهي ومن بينها عزاوي حتى ظهرت قاعة المتحف البغدادي قرب جسر الشهداء مكانا لتلك الحفلات كل مساء يوم الجمعة حيث تزدحم بالرواد من محبي فن المقام العراقي وهكذا ان ساحة الميدان تحتوي على العديد من المواقع المهمة التي تحمل ذكريات تاريخية وجميلة عن العاصمة، فلا يزال سوق الهرج الذي يعود تأسيسه الى عام 1850 محافظا على أغلب محاله من خلال اصرار اصحابها على تنويع اعمالهم، لكونها لم تقتصر على بيع الملابس فقط، فهناك اسواق خاصة لبيع الساعات بماركاتها الشهيرة، وكذلك محال لبيع المسبحات والاحجار الكريمة، والراديوات واجهزة التسجيلات القديمة، وان الساحة كانت تحتوي أشهر فنادق بغداد وهو (الهلال) الذي غنت فيه كوكب الشرق ام كلثوم عام 1932.ويؤكد عدد من من مؤرخي تاريخ مدينة بغداد ان (تسمية ساحة الميدان يعود إلى الحقبة العباسية،إذ أسست الساحة على مقربة من قصور خلفاء وأمراء العباسيين لتسليتهم من خلال ممارسة لعبة الكرة والصولجان وان أول معرفة للعراقيين بها كانت في زمن العباسيين واخرون يرون ان التسمية اطلقت في القرن التاسع عشر، لكونها مع صباح كل يوم تصبح ميدانا لتدريبات الجيش العثماني العاملين في الاستانة، ثم تحولت سوقا لبيع العبيد القادمين من ارمينيا والقوقاز ووسط آسيا، ومكانا لبيع اعلاف الخيول التي تجر العربات، وساحة للاعدام بالسيف ايام العثمانيين ..ولا يمكن لزائر ساحة الميدان ان تكتمل زيارته من دون الدخول لسوق الهرج الخاص بالبالات التي كان يطلق عليها في السابق (اللنكات)..
سوق الهرج وتجارة اللنكات
، كانت البداية السوق هي من خلال استبدال الصحون الفرفوري بالملابس القديمة بواسطة الطوافة، ومن ثم تجري عليها عملية المزاد، وهناك بعض العوائل المحتاجة تحضر للسوق لغرض بيع الملابس القديمة، واحيانا نحصل من خلالها على ملابس انتيكة افضل من الجديد المستورد، وبعد انتشار البالات انتهت مسألة الطوافة (الدوارة) وصحون الفرفوري، ومن شدة الزحام يصعب احيانا اجراء المزاد لكثرة المواطنين داخل السوق، اما اليوم فإن الحركة بسيطة وفي بعض الأيام تكاد تكون شبه معدومة والرزق قديما رغم قلته بالنقد لكنه كان افضل من الوقت الحالي.
ومع وجود كل تلك القهاوي كنت هناك بعض المقاهي هي خاصة لروادها منها مقاه صغير قرب جامع الحيدر خانة جميع الرواد من الكفوفين من قراء القران والمناقب النبوية او من عازفي الالات الموسيقية ولهؤلاء عالم خاص تجدهم يلعبون (الدومنه ) بطريق اللمس وبكل حرفنه بحيث لايمكن ان يغش احدهم الا ويكتشف من زميله المكفوف وما ان يحضر احد ليبلغ عن اما اربعينة متوفيا حتى يتكالبون عليه بالسؤال عن عمر المتوفي وما سيقدمون خلال العشاء مع التاكيد على اما (الناطوحي او السابوحي )اي لحم الغنم او السمك مع عدم رغبة الفرقة بـ(الناقوري ) اي الدجاج هي لغة المكفوفين فيما بينهم في تلك المقهى ..
وهناك مقهى اخر في ساحة الميدان روادها من الذين كانوا يبيعون دمائهم للمرضى المحتاجين خاصة الدماء النادرة وبالقرب من المقهى هناك (بسطية ) لشوي (المعلاك والتكة والجلاوي ) ما ان يعود احدهم من البيع لقنية خاصة في مستشفى المجيدية مدينة الطب حاليا وبعد ان يقبض خمسة دنانير هي سعر القنية انذاك حتى يطلب مالايقل عن (نفرين معلاك لتعويض الدم الذي فقده ) ويبدو ان صاحب المقهى ايضا له نسبة من المبلغ لانه مرتبط بالهاتف الارضي مع المعنيين بالمستشفى حيث ينادي بين حين واخر (منو . او . بوزتف دمه او. اي .بي نكتف )الا وينهض احد الجالسين وهو يقول (فرجت )ليتسلم العنوان والطابق والمستشفى وهكذا وبشكل يومي ..
مقاهي بغداد
وهناك مقاه في منطقة الجعيفر منها مقهى البيروتي وفي منطقة الكاظمية مقهى التجار وهناك مقهى في سوق الاستربادي كان يرتاده الشعراء الشعبيون مثل ملا حسن الكاظمي وفاضل الصفار وعبدالهادي قفطان ومقاهي في منطقة علاوي الحلة منها مقهى جزيرة العرب وكان يرتاده التجار والمثقفون وهناك مقاهي كان ا يديرها مطربون مثل مقهى ناصر حكيم المطرب الريفي المعروف وكان يرتاده رواد الطرب الريفي حضيري ابو عزيز وداخل حسن وايضا مقهى او اكثر من مقهى في الصالحية بحكم قربها من مبنى الاذاعة والتلفزيون حيث يلتقي فيها الفنانون وهي كازينو القناديل واخرى مقهى ناطق، وهناك مقاه كثيرة متوزعة في الكرخ والرصافة بغداد…
القصد ان المقاهي الشعبية كانت البديل عن النوادي التي تفتقر اليها بغداد في بدايات القرن العشرين، وشهدت تلك المقاهي حوارات وسجالات معمقة بين المثقــــــــفين والسياسيين على حد سواء لذلك فقد اسهــــــــــمت وبشكل فعال في التحولات الاجتماعية والسيـــــــــــاسية العديدة التي شــــهدها تأريخ العراق.
























