شاعر ينتقد الحياة
قراءة لقصيدة إعتراف وتجل
ناظم ناصر
شلال عنوز شاعر جعل الحياة قصيدة و جعلته الحياة قصيدة فهو قصيدة في الحياة التي قاسى منها ما قاسى و عانى ما عانى لكنه لم يدر ظهره لها ولم يتأفف وقف شامخا باسقا كنخلة عراقية يبحث عن أمل .
ولد في ناحية غماس هناك في الجنوب حيث حقول الرز العنبر العراقي على مد البصر تفوح منها رائحة العنبر الزكية ممزوجة بعبق الحضارة فهي ارض سومر حيت خط أول حرف على الطين فكان أول حرف خط للبشر فاستنشق الفتى شلال بعينيه الحالمتين التي تكاد تنطق ما في قلبه عبير العنبر وبهاء الحضارات و خط أول حرف على الطين مثل العراقيين أصحاب الحضارة الأولى فكانت كلماته من هذا البهاء العظيم .
ثم انتقل الى مدينة النجف الأشرف حيث مرقد أمير المؤمنين الأمام علي بن أبي طالب عليه السلام ولما لهذه المدينة من تاريخ عريق في الأدب والثقافة و وجود شعراء كبار يشار اليهم بالبنان اغنوا الساحة الأدبية والشعرية أمثال شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري والشاعر احمد الحبوبي والشاعر مهدي مطر والشاعر مصطفى جمال الدين والشاعر عبد الامير الحصيري وغيرهم وشعراء و أدباء وفقهاء ومفكرون فالمدينة لها تاريخ عريق وكذلك وجود المنتديات الأدبية والمجالس الثقافية مما اثر كثير في ثقافة الشاعر و أثراها
و الشاعر يحاول أن يجعل من الكلمات شيئاً حياً ويثبت أن القصيدة هي ذاتها رغم أن المعاني التي تشع من الكلمات موحية الى أحلام أخرى فالكلمات تترك أثار كالصياد يتبع الرشا في الغابة
و القصيدة التي سنتناولها في هذا المقال كمتذوقين للشعر و هي من روائع الشاعر شلال عنوز قصيدة اعتراف وتجلٍّ وهي قصيدة تحكي رحلة العمر للشاعر تغريبة على شكل ترنيمة او حدات يحدو بها قائد القافلة عبر مسيرة سنين من الضنى و السفر الطويل عبر زمن الحياة الذي هو عمر الشاعر نفسه وتبدأ القصيدة بتنهيدة أشبه بالنداء او العبرة التي تكاد تختنق في صدره لكنه أطلقها ليتحرر من القهر الذي عانى في غماس مسقط رأسه و من منا لايحن الى المكان الذي ولد فيه مرتع طفولة وفتوته ها هو من جديد يعود وها هي أيام الصبا امام ناظريه انه الان يتجول في الحقول و امامه الفضاء الفسيح أحلامه هناك أودعها عند تلك الشجرة التي تلامس الأفق وذلك النهر الذي ارتسمت ملامح وجهه فوق صفحته كان مستودع ذكرياته فكل موجة تمر يعرفها وهي تبتسم اليه بحنان وها هو يعود اليوم متعبا لا يملك الا ظله وبعض كلمات وجسده المتعب لكن نفسه قوية فيبتسم للهموم ولا يبالي
والعربي دائما ما يذكر الناقة هذا الحيوان الصبور سفينة الصحراء عابرة تلك الفيافي لا يهمها جوع ولا عطش و كان العربي يتنقل عليها ويحدو و الحدو هو نوع من الغناء لا يجيده الا من يقود القافلة يطلق صوته الحنون و أحيانا يخاطب ناقته وهنا استعارة جميلة من الشاعر ربط بها الماضي بالحاضر عبر الناقة والناقة هنا هي عمر الشاعر و أيامه عبر مسافة الزمن ويصف رحلته وكيف شرب انهار الجفاف وهي شربته ينبوعاً من الابداع الدروب تنتظر خطواته لتخضر سنابل يانعات تلك الدروب المسهدة طول العمر تحمل قلق الشعراء والمهمومين بهم الوطن و والجياع أماله كزورق تتقاذفه الأمواج تارة يحلق بلا جناح وتارة يعذبه الانتظار بخطوات واقفة
إيهِ غماس*
شَرَّقَتْ ناقتي..
غَرَّبتْ
شرِبَتُ الأنهرَ الجفافَ
شرِبتني
أكلتني الدّروبُ
الخُطى
تسنبلتُ في الطُّرُقاتِ
المُسَهَّدَةِ
النافِرة
نمتُ على أذرعِ
النهارِ الغسق
أُحلِّقُ حيناً
وحيناً أذوبُ
أعدُّ الخطى الواقِفة
مكانه هو زمانه مشحون بالموت والجفاف والغربة والعذاب معاناة الذات ذات الشاعر الذي بنى أمال عظام متأملا عالم جديد يكون فيه مع السعداء وطن لا جوع في و لا نفاق ولا رياء عارك الحياة من اجل حلمه امتطى الخيول الصعاب حاول و حاول ان يحقق ما يحلم به و لوطنه لكن كانت أحلامه قصور من رمال ولم يبقى لديه سوى ان يلملم جرح ينزف طول الزمان
بَنَيت القصورَ
الرمال
إمتطيتُ الخيولَ
المشدودة الأعين
التائِهة
أَشِدُّ عَلى
أملٍ وهْمٍ
حقيقة
يقضاً
نائماً
أُلَملمُ جُرحاً
فانياً باقياً
الشاعر يحمل تاريخا عظيما من الحضارات التي انبثقت كالضياء الفجر يكشف الظلمة و ينير للعالم الطريق و تحمل مشعل التقدم
يحمل كاهل كل هذه الحضارات هذا الامتداد المأساوي الذي يبحث في الوجه الصدئه ماذا حدث لوطنه لماذا نسيته كل دروب الحضارة ابن سومر ابن بابل و أكد وهل اضل كلكامش الطريق اين البهاء الذي كان لا ينطفي لا تجيب لا الريح ولا الطرقات الصامتة
لفظتني..
أَعصرٌ بابليّةٌ
غازلتها المسافاتُ
السراب
بين (سومر) و (أكد)
أَصعدتني أَنزلتني
ثلاثون عاماً فِراق
أبحثُ في الوجوهِ عَنّي
كلُّ الوجوهِ كساها
الصَّدأ
كلُّ الدروب نَسَيتني
سوى
الحَّية المِّيتة
سألت الطرقَ
الصامِتةََ
الخرساء
وينفض الشاعر كل غبار الوسوسة من ذاكرته فها هي طفولته وشبابه أحلامه و أمانيه تسعى بين يديه بعدما علقها على أجنحة العنقاء فأي رماد ستنهض منه ومتى ستعود وهل هو يحمل مزمار بيديه ام صولجانا مسروق
نَفَضتُ كُلَّ غُبارِ ذاكرتي المُسوّسة
أَما من أَثَر؟
أَما من خبر؟
أَيا أيّها الطفلُ
الحالِمُ المستَفزُّّ
أنت والأمنيات
المشدودةِ بجناحِ العنقاء
في أيِّ حَدْبٍ تحط ُّ؟
تحمل مزماراً
صولجاناً مسروقاً
وهنا ينتفض الشاعر بعد صمت الدروب و لاجابات المستحيلة لا أحلام بعد اليوم ولانتظار لطائر العنقاء ولا لكلكامش متى سيعود
او انتظر كلكامش جديد انا كلكامش انا ابن سومر انا كلكامش بلا أساطير هكذا يقرر الشاعر فتولي الريح هاربة انا كلكامش الذي أتعبت التعب وأرقت الليل لن الملم الجراح الفانيات و لن ارتق الأحلام بعد اليوم انا الذي قهرت المستحيل و أين ما ترسوا الأيام فلترسوا ولن استصرخ الحياء الموتى ولا الجيوش ولن يكون صوتي صدى
هَرّبَتهُ الرياحُ
حافياً منتعِلاً
تمسكُ حَفيفَ الأشجار
تغفو على (سعفِ) النخلِ
تَمِدُّ خيطاً في الأفقِ
الهاربِ
طالعاً مختفياً
أَرّقتَ الليلَ
أَتعبتَ التَعبَ
راكضاً بين…
شجرةِ مهملة
وجدولِ عقيم
أَما تستريح؟
متى تستقر؟
غِناءٌ بكاء
بُكاءٌ غناء
على أيِّ مَرسىً سترسو؟
إلى أيِّ حدٍّ يزولُ الخَطر؟
تجوب المنى
اللابساتِ العويل
خَطَرْ
مرورٌ
خطرٌ
تستصرخُ الجيوش
المنتصرة المدبرة
تحشِّمُ الأحياءَ الموتى
تستغيثُ
لا شيءَ غيرَ الصدى
ذهابا
إيابا
لله درك أيها المتعب اما آن لك أن تستريح أيها الحالم أي حلم مستفز حملت معك منذ الطفولة لكن قلب الشاعر الذي يخفق أصبح هو الأمل وما دام هو الأمل فلن يستريح سيمتطي صهوة الصعاب وسيخلق أسطورة من الحقيقة لا أسطورة من خيال لن ينتظر معجزات تأتي و هو الذي صنع معجزاته بيده بابداعه الحقيقي والذي لا تحده حدود ولا يحيطه الوهم بل هو الذي سيلتهم الوهم كما التهمة عصى موسى عليه السلام وهم السحرة والشياطين الذي استرهبوا به الناس و سيصنع معجزه بأبدعه كاصف بن برراخيا الذي جاء بعرش بلقيس في رمشة عين وسيثبت ان وادي عبقر في داخله فأبداعه هو الخبر اليقين وسيكتب ملحمته و هذه المرة ببهاء كربلاء يوم انتصر الدم على السيف والطغيان عندما سالت دماء سيد الشهداء الأمام الحسين عليه السلام
و ستقول ملحمته هو الذي صنع بالابدع كما قالت ملحمة كلكامش هو الذي رأى
أيه غماس ابنك المتعب عاد ليولد مرة أخرى
للهِ ردُّكَ أيُّها المتعبُ المستريحُ
أيا أيُّها الطفلُ الحالمُ
المستفـَزُّ
رويداٌ
فأنت على القليب
البكر
تسقيهم
ظمأً مغوليا
تقاتل
ما شرّبوكَ
ما آزروكَ
ودلوك ما مسته أيديهم
هم هكذا…
متى يصبح الملح تبراً؟
والعصا أفعى
تأكل ما يؤفكون
أنا (آصف بن برخيا)%
جئتكم من (عبقرٍ)% بخبر
ما وجدت هناك
سوى
الالقُ
الممتد من (كربلاء)
هكذا سافرنا مع شاعرنا القدير شلال عنوز بقصيدة هي ملحمة لا نقول كتب كلماتها لكن نقول نحت كلماتها بدمه قصيدة كالنهر متدفقة الصور و اللوحات و موسيقى الكلمات فيها ترافق المعاني فهي تتغير بتغيرها وقد ستخدم الشاعر فيها فن التقطيع السينمائي بصورة لا مثيلة لها فنقلنا الى عدة أزمنه في آن واحد والقصيدة في بعض الأحيان تكاد تكون نشيدا متسارع النغمات كخفقان القلوب
الشاعر متمكن من أدواته متفوق على لغته فهو يطوعها كيف يشاء عباراته لها أكثر من معنى و جميعها تنصهر في بوتقة الابداع الفريد للشاعر شلال عنوز
النص
اعتراف وتجلٍّ
إيهِ غماس*
شَرَّقَتْ ناقتي..
غَرَّبتْ
شرِبَتُ الأنهرَ الجفافَ
شرِبتني
أكلتني الدّروبُ
الخُطى
تسنبلتُ في الطُّرُقاتِ
المُسَهَّدَةِ
النافِرة
نمتُ على أذرعِ
النهارِ الغسق
أُحلِّقُ حيناً
وحيناً أذوبُ
أعدُّ الخطى الواقِفة
بَنَيت القصورَ
الرمال
إمتطيتُ الخيولَ
المشدودة الأعين
التائِهة
أَشِدُّ عَلى
أملٍ وهْمٍ
حقيقة
يقضاً
نائماً
أُلَملمُ جُرحاً
فانياً باقياً
لفظتني..
أَعصرٌ بابليّةٌ
غازلتها المسافاتُ
السراب
بين (سومر) و (أكد)
أَصعدتني أَنزلتني
ثلاثون عاماً فِراق
أبحثُ في الوجوهِ عَنّي
كلُّ الوجوهِ كساها
الصَّدأ
كلُّ الدروب نَسَيتني
سوى
الحَّية المِّيتة
سألت الطرقَ
الصامِتةََ
الخرساء
نَفَضتُ كُلَّ غُبارِ ذاكرتي المُسوّسة
أَما من أَثَر؟
أَما من خبر؟
أَيا أيّها الطفلُ
الحالِمُ المستَفزُّّ
أنت والأمنيات
المشدودةِ بجناحِ العنقاء
في أيِّ حَدْبٍ تحط ُّ؟
تحمل مزماراً
صولجاناً مسروقاً
هَرّبَتهُ الرياحُ
حافياً منتعِلاً
تمسكُ حَفيفَ الأشجار
تغفو على (سعفِ) النخلِ
تَمِدُّ خيطاً في الأفقِ
الهاربِ
طالعاً مختفياً
أَرّقتَ الليلَ
أَتعبتَ التَعبَ
راكضاً بين…
شجرةِ مهملة
وجدولِ عقيم
أَما تستريح؟
متى تستقر؟
غِناءٌ بكاء
بُكاءٌ غناء
على أيِّ مَرسىً سترسو؟
إلى أيِّ حدٍّ يزولُ الخَطر؟
تجوب المنى
اللابساتِ العويل
خَطَرْ
مرورٌ
خطرٌ
تستصرخُ الجيوش
المنتصرة المدبرة
تحشِّمُ الأحياءَ الموتى
تستغيثُ
لا شيءَ غيرَ الصدى
ذهابا
إيابا
للهِ ردُّكَ أيُّها المتعبُ المستريحُ
أيا أيُّها الطفلُ الحالمُ
المستفـَزُّ
رويداٌ
فأنت على القليب
البكر
تسقيهم
ظمأً مغوليا
تقاتل
ما شرّبوكَ
ما آزروكَ
ودلوك ما مسته أيديهم
هم هكذا…
متى يصبح الملح تبراً؟
والعصا أفعى
تأكل ما يؤفكون
أنا (آصف بن برخيا)%
جئتكم من (عبقرٍ)% بخبر
ما وجدت هناك
سوى
الألق
الممتد من (كربلاء)


















