قراءة في رواية ( الكافرة ) لعلي بدر
الفضاء بين تواتر المحكي وعبثية الخسوف المضموني
حيدر عبد الرضا
تشخص رواية ( الكافرة ) للروائي المبدع علي بدر عنفها السردي والحكواتي عبر مجموعة من الكيفيات العلامية التنصيصية لمستوعبة لفضاء محورية المحكي في كافة أبعاد تمظهرات مادته الروائية وشغلها الأساس في بنية الفضاء / المناصصات وصولا الى خطاب سردي متقلب حجب المكونات العلائقية المعقدة والمفبركة في مسارية الإيقاع الدرامي لشخوص رواية راحت تنزلق بالإحباط والتخاذل في فترات زمنية مشحونة بمشاهد العنف المسلح في وجه وقاع مدينة عربية لم يفصح عن هويتها داخل شعاب ومساقية صخب الأحداث في فضاء السرد الرواية . تروي قصة الرواية عن شخصية فاطمة التي كانت تحيا في قرية نائية أخذت تسيطر عليها جماعات من المتشددين حيث أجبرواها وأفراد عائلتها على خدمتهم بطريقة مشبعة بالإذلال والاحتقار بعد ما كان والدها ــ أي فاطمة ــ قد أنخرط بجانب صفوف تلك الجماعات المسلحة بالعنفوان والتعصب العرقي والمذهبي . فيما أخيرا قد قتل والدها في عملية انتحارية بعدها تزوجت من شاب عاطل عن العمل ليبحث هوالآخر عن فرصة مأتية للأنخراط في عملية انتحارية أيضا . وبعد موت زوجها بشكل مباشر قرر المتشددون تزويجها الى عنصر من جماعاتهم التكفيرية لكن هذه المرة لم تمتثل الشخصية فاطمة لأوامرهم وقررت الهرب بعيدا مع ذلك المهرب الذي اغتصبها عنوة وهما في طريقهما الى أوربا .
( البنية السردية صياغة وقائع زمنية مغايرة )
النظام السردي في رواية (الكافرة) يشكل سردا مكونا لازما لأحداث النص . إذ هوالذي بات ينظم أحداثه وشخصياته وبالتالي فضاءاته وأزمنته ومن ثم أنتسابه الى الخطاب أوالمبنى من حيث هوصياغة وقائع فنية وزمنية مختلفة في محور اشكالها المتباينة لمساحة الحكاية والمتن الذي يجوز للمادة السردية في صيغتها الخام . وهكذا تنطلق محاور وثيمات حكاية الفتاة فاطمة داخل أجواء تلك القرية المحاطة كليا بأغلال وأصفاد المسلحين حيث تسعى مع شخص أمها الى قضاء كل الأعمال التي تتعلق بمأكل ومشرب وصيانة غرف تلك الجماعات الظالمة صباحا . أما في المساء فتعرجان بالمغادرة الى منزلهن الواقعة على بعد غير كبير من مقر هذه الجماعات:
( كنت سألتني مرة : صوفي أنت لم تحك لي عن حياتك.. قلت لك ..سأحكي لك عن حياتي يوما يا صديقي ولكن ليس الآن / كنا جالسين في الدفء الذي يأتي من خشب الكابينةالمغلق .. جالسين لنفطر معا على الطاولة وبعد أن شربنا القهوة أخذنا نتمشى طوال اليوم على الشاطىء .. ثم عمنا في البحر حتى تعبنا تماما .. وحين عدنا الى الفندق كدت أسقط من النوم .. انتظرتك في الفراش وجسمي هادىء وثقيل بعد هذا التعب الحلو.. بسبب السباحة والجري على البحر طوال النهار .. وحين انسللت انت الى الفراش الى جانبي شممت رائحة جسدك .. تحسست ملمس جلدك الناعم .. قلت لي : صوفي أحكي لي عن حياتك فيما مضى .. في لقائنا الأول .. كنت حدثتيني عن المتشددين ؟ إلا أنك لم تذكري شيئا فيما بعد .. من أنت صوفي ؟ من أي بلد أنت ؟ تظاهرت بالنوم .. لا تتظاهري بالنوم .. قلت لي ؟ تصمت قليلا وهي ترفع رأسها كأنها تتذكر شيئا عزيزا عليها .. لكنني نمت فعلا ) تنقسم فضاءات رواية ( الكافرة ) الى قسمين أوالى حياتين . القسم الأول هوما عاشته فاطمة / صوفي مع عشيقها أدريان حيث أننا ونحن نقرأ كل مشهد مع هذا الحبيب تصاحبه في نهايته صورة استرجاعية حول زمنها في تلك القرية التي كان يحاصرها المشددون . وفي سياق هذا الانفتاح على أتون المراحل الزمنية في حياة فاطمة / صوفي يتبدى لنا النسيج النصي كشاهد على زمن ملتبس لا ولادة فيه إلا داخل بين منطقة الفضاء الحميمي ــ أدريان ــ وبين الفضاء المضاد الذي ينتمي الى زمن حياتها في تلك القرية المأسورة : ( من الأشياء التي لا أنساها أيضا لا أنسى صوت أمي المتهدج في الليل .. كنت اتلفلف في الفراش واتظاهر بأني نائمة : قالت لراضي الرجل الذي تزوجته بعد مقتل أبي .. لا تضرب على وجهي ؟ .. حاولت أن تدير وجهها على الجهة الأخرى .. فجرها بيد خشنة قوية وأنزل قبضته الأخرى على وجهها بقوة فسال الدم من أنفها : ـــ عاهرة أنت عاهرة قولي أنك عاهرة لن أتركك حتى تقولي أنا عاهرة .. قالت له ــ البنت نائمة لا أريدها أن تسمع .. رائحة الكحول الممزوجة بالثوم كانت تملأ الغرفة .. ثمله لا يخفف من قوة ضرباته التي يسددها الى بطنها وهويقول بصوت ثابت لا يلين : ــ قولي أنك عاهرة ؟ راضي البنت نائمة الله يرضى عليك وأخشى أن تصحو:
بنتك ستصبح عاهرة مثلك أنتن عاهرات ) هكذا عاشت فاطمة في منزل زوج أمها حيث أشتد بؤسها الى حدود لا توصف .. في رواية ( الكافرة ) ثمة خطوط لأوصاف صورية متشظية تلتحم بالمكونات التخييلية والأبعاد النفسية الواقعية في حدود هيئة تداعيات حسية وكلامية وحدثية طافحة بالألم والأسى مما يجعل الأفق الصوري للسرد شبيها بالترجيعات النغمية البائسة لحيوات فاطمة التي بلا جدوى دائما . فهي حتى عندما فكرت بالبديل كهروب من ظلام حياتها الشخصية كانت تلقى العكس مما يجعل رؤيتها سوداء الى أنوثتها وعواطفها كفتاة يانعة وفاتنة لحد الجاذبية والسحر : ( لقد توافق تحول جسدي مع ظهور المسلحين في حياتنا .. بدأ صدري يكبر قليلا وبدأ ينبت لي زغب خفيف .. أنشغلت بهذا الأمر كثيرا طالما أن العالم الذي حولي قد انشغل بالفتاوى والملصقات التي كان ينشرها المسلحون ذوو اللحى الكثة في المدينة .. أثناء عملنا في هذا المنزل الذي يقطنه المسلحون رأينا الكثير من النساء .. نساء منقبات جئن من أماكن مختلفة من العالم . كانت أجدى وسائلي التي تسليني ذلك الوقت هي مراقبتهن وأطلاع أمي أولا ــ بأول على كل تفاصيل حياتهن التي أجمعها بسرية تامة .. هذه اظل عمال التجسسية هي التي أرهفت حالتي الجسدية والحسية معا .. فلولا معرفتي بهذه التفاصيل الكثيرة لتلك النساء في ذلك النزل الكبير .. نساء غامضات أشبه بالسجينات أوالمحظيات لأصبحت حياتي مضببة غائبة في عتمة الحجرات ) لعل في هذه الفقرات المشهدية من رواية علي بدر ما يشف عن امتزاج صوتي السارد / الروائي وفي هذا الأمتزاج ثمة شبكة حوارية مفتوحة بين الصورة المركزية ( المؤلف ) وبين الامتداد الصوتي للنص المروي وعلى نحوما يجعل الشخصية تنطق بهواجسها المخترقة بطعم الخوف وظلال الهروب ورائحة الأنسداد في الآفاق . وهوالذي يجعل من صوت السارد في نموالسرد يستحضر مثاله الروائي بوصفه تجسيدا للأستحالة التخييلية ومرجعا لتضمين الحرفية الروائية في آن .
( محيط يكف عن منح الشخصية جدواها )
ونحن نتابع مسار أحداث الرواية لاحظنا بأن الشخصية فاطمة وتحديدا في بلوغها مرحلة النضج الأنثوي لديها حيث أجج هذا الأمر حافزها الاسترجاعي الأنثوي ما بات يولد لديها في الوقت نفسه قيمة مواكبة مشاعرها المتفاقمة مع حجم تلك اللوعة النابعة من أقصى أعماقها الشخصية المعذبة . والنتيجة هووصول أحد أبناء راضي زوج أمها لزيارة والده : ( كان شابا وسيما من دون لحية مرتديا ملابس حديثة يعمل طالبا في الجامعة .. حقق معه المسلحون للسماح له بذلك .. هكذا عاش معنا أحمد في منزلنا كل صيف حيث كان في عطلة الجامعة الصيفية .. وقد تغير راضي بوصول أبنه فقد أصبح أكثر هدوءا وأفضل من الأيام السابقة لم يعد يضرب أمي أويقسوعليها .. كما أني لاحظت تبدل أمي وهي تنظر الى أحمد أبنه.. لقد لاحظت تبدل أمي يوما بعد يوم .. لقد رأيت أمي تتغير شيئا فشيئا . كان حلمها أن تتزوج شابا مثل هذا الشاب .. لاسكيرا مثل والده ولا معتوها مثل والدي .. وقد اتاحت لي عاداتي الطويلة في التجسس أكتشاف مخبأ زجاجة عطر التي كانت تلفها في كيس من النايلون وتضعها في كيس العدس .. وقد حمل لأمي سرا بعد الماكياج كان قد جلبه لزوجة والده الجديدة ) وإزاء هذه المشاهد الجديدة في منزل فاطمة نكون أمام سرد مراوي يستثمر تقنية الانشطار ما بين عاطفة الأم نحوذلك الشاب وولع عاطفة البنت فاطمة بذات ذلك الاحتراق حتى لتغدوصورة الأم مرآة عاكسة لذوات ونوازع عاطفة الفتاة إزاء ذلك الشاب وتبعا لهذا الأمر تغدوالأم / فاطمة بمثابة المرآيا المتماوجة تتقعر على صفحاتها الصقيلة حكاية عشقهن لذلك الشاب ولكن عبر منظور مغاير. ولعل مبدأ التجاذب والمضاعفة راح يطيل بمحكيات أخرى ، بل أنه راح يغذي حكاية مصغرة تتيح لحكاية الرواية أن تتمرأى في صنيع سر وجودها اللااكتمالي المتخيل .
( عبورية المراوحة وتجريح المكبوت) يرتبط وعي الضدين الأم / فاطمة بعالم وملامح وسطوة الشاب أحمد ذلك المؤول السنني الذي من شأنه جعل تحقيق السمات المتبدية في الرواية ضمن فعل مغاير ومعاكس لنظر أمنيات الأم / فاطمة . وهكذا بات شعورهن بذلك الشاب يشوش وجودهما العاطفي وصولا الى أدلة ظرفية وقدرية معاكسة من حيث طموحهما بذلك الشاب : ( لقد احست بالكراهية في أول الأمر اتجاه أمي لأني كنت أشعر أن هذا الرجل الذي يحتل كل فضاء المنزل وكل أهتمامها كان من المفترض أن يكون لي .. أما هي فلها زوجها هذا السكير الذي ينام معها في الليل .. وقد تحول الآن مثل جرووديع عند حضور ولده .. لقد اشمأززت من تملق أمي له ومن أهتمامها بشعرها وبطلاء أظافرها ووقاحة هذا النذل الذي جعلها تخدمه بهذه الصورة : كنت أقول في نفسي : من هذا لكي أهتم به ؟ أنه مجرد طالب أفاق ضئيل الأهمية .. أبن هذا السكير القواد الذي ينام مع أمي ) ورفعا للألتباس نقول بأن عواطف فاطمة كانت متزحزحة وازدواجية إزاء ذلك الشاب الوسيم الذي بات مع الأيام يتبدى متفرد الصوت في كوامن قناعاتها العاطفية والغريزية الحارقة : ( الحدث الأكبر في تحولي نحوحين شعرت مرة بأنه يراقبني لقد مررت من أمامه فشعرت أن عينيه كانتا تلاحقاني وتنظران الى مؤخرتي منذ تلك الليلة صرت أراه بصورة مختلفة لم أعد أكرهه ولم أعد أحقد عليه فقد كرمني ــ على الأقل ــ بالنظر الى مؤخرتي لم أعد أشمئز منه .. كلما رأيته أوسمعته يتكلم أتذكر تلك النظرات المرتجلة وأشعر مجددا بالهياج في جلدي والاضطراب في روحي وبأحتدام محموم لا أعرف كيف أصوغه في كلمات ) فضلا عما أضحى يخالج حقيقة عاطفة الشخصية صرنا نعاين فجائية أرتفاع موجة هياجها المسكوت عنه سلفا . فهي من ذي قبل تقاوم فرصة لقياها بما يجسد لها ديمومة موسومها الرغبوي القاتل .. ولشدة وصول رغباتها الساخنة بذلك الشاب الى أقصى درجات الأحتدام فأنها راحت خلسة في الدخول الى حجرته لتمثيل دورها الجنسي مع أغراضه وأشيائه وحتى حقيبة ثيابه : ( وفي يوم كان قد خرج كل من كان في المنزل خرجت أمي لتعمل في المدينة خرج هومع والده ليقدمه الى أصدقائه .. فعرفت أنها فرصة لأدخل الحجرة التي يعيش فيها معنا .. دخلت وأغلقت الباب ورائي .. فتحت حقيبته بهدوء وحذر شديدين .. رأيت ملابسه مكوية وموضوعة بترتيب متأنق لطالب في الجامعة .. صورته بالأسود والأبيض كانت في الجيب العلوي .. أخرجتها ويداي ترتعشتان .. قربتها من عيني أردت تحسس شفتيه ووجهه بأصابعي وضعت شفتي على شفتيه في الصورة وأغمضت عيني . وضعت يدي على صدري .. فأنتصبت حبتا الكرز الصغيرتان في نهدي مسببتين لي ألما .. أعدة الكرة أكثر من مرة .. خلعت ملابسي .. خلعت جلبابي .. ثم خلعت كالسوني .. حملت مرآته الموضوعة بعناية بين اغراضه .. مسحتها بيدي نظرت بها وجهي .. أخرجت قميصه ووضعته على جسدي كأني تحسست سخونة جلده ) غير أن ممارسات فاطمة للحب الحلمية وهي عارية مع أشياء وحرارة ظلال ثياب ذلك الشاب لم يقدر لها أن
تدم طويلا فقد حدث وأن غادرهم في نهاية الصيف :
( كنا أنا وأمي أكثر حزنا عليه من أبيه وما يسعدني ويجعلني مبتهجة وربما حتى هذه اللحظة أنه لم يترك كالسوني في الحجرة وراءه .. أنما أخذه معه في حقيبته ) للأسف الشديد لم تتحقق أحلام الأم وفاطمة بممارسة حية وجادة مع جسد ذلك الشاب رغم زمن الحاح الأم على زوجها راضي الى أن يدعوأبنه أن يأتي مرة أخرى ليزورهم .. وقد دعاه فعلا وكانت الأم وفاطمة تنتظرانه بفارغ الرغبة الجامحة . لكن ما أفسد الأمر في الواقع هوأن الأب لم يقدم على رخصة من المسلحين بزيارة ولده هذه المرة : ( وفي يوم سمعنا اضطرابا كبيرا في منزلنا هرعت أمي راكضة الى الشارع لم يكن راضي هناك بل بضعة نساء ورجال من الجيران يرقبون شابا مشنوقا ومثبتا على نخلة هرمة .. شاب نحيل .. أسمر بارز العظام كان حافيا عاريا .. ما خلا فردة واحدة من حذائه معلقة بقدمه ) لقد فارق الحياة ذلك الشاب تاركا قوافلا من الذباب تحوم حول شعره الأسود :
( وصوت أمي العبثي التي كانت تقف أمام الجثة أشبه بفزاعة / لقد قتل المسلحون الشاب الذي جاء لزيارة والده.. مثلوا بجثته .. قصوا أذنيه .. جدعوا أنفه وتركوه هكذا يتدلى وعلى وجهه خثارات دم وحروق جافة .. لقد رفض المسلحون انزاله بقي هكذا ليومين .. وهومعلق مفتوح الساقين وخصيتاه مسحوقتان مثل عجينة )
( رد الفعل السلبي تجاه الأسلام )
لقد جسد الروائي علي بدر رؤيته الحضارية الجديدة النازعة لحدود كل قيم الأحتشام بشخصية ( صوفي ) بدلا من أسمها السابق فاطمة . لاسيما وأن فاطمة قد هاجرت موطنها العامر بالمسلحين والقتلى والحرمان الجنسي والحرية المفقودة في ممارسة الجنس مع كل من يعجبها من الشباب الاوسماء في أوربا . كانت الشخصية فاطمة قبل هجرتها الى أوربا قد تزوجت بشاب أسمه رياض وعاشت في البدء حياة سعيدة مع ذلك الشاب الذي أتضح عليه بعد أن ماتت أمه بأنه رجل لا يفقه من الأعمال والحرف أي شيء وفي يوم عاد الى المنزل مساء ووجهه المتوتر يقول أشياء كثيرة .. وجهه الصامت يحمل أفكارا غامضة : ( ذهبت الى المطبخ لأعد الطعام له جاء ورائي وجلس على الكرسي قبالتي .. نظرت في عينيه وسألته : ــ ما بك ؟ لم يقل شيئا إلا أنه أخرج من جيبه رزمة من المال ووضعها على الطاولة : ــ مال ؟ قلت له هل سرقت ؟ أبتسم وقال بصوت هادىء :ــ لا لم أسرق ؟ من أين لك المال إذن ؟ سكت كررت عليه سؤالي : ــ من أين لك المال إذن ؟ قال لي :ــ من المجاهدين !:ــ من من ؟ قلت له باستنكار كامل : ــ أخفضي صوتك ؟ : ــ قل لي من من ؟ : ــ من المجاهدين .. من المجاهدين : ــ لماذا ؟ سأذهب بتنفيذ عملية غدا ) خرج زوجها رياض ولم يعد وبعد أيام قد استدعيت الى مقر المسلحين لأمر عاجل .. عرفت حينها أنه مات : ( قلت بيني وبين نفسي .. نعم سأسأل الله أن ألتحق بالجنة ولكن ليس معه .. سألتحق بجنة أخرى بجنتي أنا لا بجنته ) .
وبعد وصول فاطمة والتي هي صوفي الى أوربا ومع عشيقها أدريان وقد تم الأمر بمساعدة ذلك الرجل المهرب الذي قام بمضاجعتها أثناء عبورهم للحدود .. هكذا عاشت صوفي قصة حبها مع الشخصية أدريان الذي كان من أصل لبناني حيث أخفى عنها حكاية أنتمائه الى الأصل العربي وذلك لأسباب تتعلق بالحروب الصليبية الأهلية في لبنان وأخبرها بأنه مواطن اسكندنافي نظرا لمنبوذية المواطن المسلم العربي في بلدان أوربا : ( أتذكر المهرب وهويتحرك أمامي وسيجارته في فمه كان يذكر لي البلدان التي ستمر بها.. سنهرب الى أيران ومن أيران الى تركيا .. سنذهب في منزل شخص أسمه ألماز : ــ ما أسمه ؟ أنا أسأله : ــ ألماز هويقول مبتسما :ــ يا للأسم الجميل؟ يواصل كلامه في الصباح تأتي شاحنة الفواكه ستدخلين في أحد الصناديق هناك : ــ في شاحنة الفواكه ؟ أقاطعه ؟ : ــ نعم في شاحنة فواكه سنعبر أوربا؟ :ــ يا للجمال .. ياللحظ .. هنا لا أحد يأكل الفواكه غير المسلحين .. يواصل كلامه .. ستعبر بك الشاحنة الى اليونان من اليونان الى بلغاريا ومن هناك سندخل ألمانيا ومن ألمانيا سنذهب الى بلجيكا ) لقد تصرفت القابلية الفضائية السردية في أخضاع الواقعة الشخوصية ( صوفي / فاطمة) نحومستوى التمايز لتكون دلالة الفكرة المقترحة ( الكافرة ) أكثر خصوصية وقدرة في مواجهة مصيرها الفردي في بلجيكا . ففاطمة قد تنكرت لأصلها العربي وعقيدتها الأسلامية وأسمها الذي يقترن بأسم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت الرسول محمد( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أن شخصيا قد لا أظهر للقارىء مدى أسفي على ما كتبه الروائي علي بدر وذلك من خلال مسخ عقيدة شخوصه وتلوينهم بسمات الخلق الأوربي وأنما أعيبه من ناحية واحدة حصرا ؟ لقد أعلمنا العنوان بأن مسمى الرواية هودال ( الكافرة ) أي تلك الشخصية الملحدة والمشيطنة والتي ليس لها أي قيمة وحدانية بالله . غير أننا ونحن نتابع مسار الأحداث شخصية الكافرة فلم نجد بالمقابل سوى عوالم ممارسات عاهرة حقيقية تشتهي الرجال في كل أوقاتها العمرية والزمنية وبلا أدنى حرج وبأمتياز كبير . إذ كان الأجدر بعلي بدر تسمية روايته بالعاهرة وليس الكافرة لاسيما وأنها كانت تمقت حتى لفظة الأسلام وأسم فاطمة في مسمى أسمها الجديد صوفي . أود أن أذكر الروائي علي بدر بأمر ما يتعلق بدلالة مقولة منظورية يذكر فيها : أن الموقف الأشاري والعنواني ما هوألا موقفا محوريا وموضوعيا رصينا .. أيضا هومعنى محدد يحافظ عليه وعلى مهمته في استقراء هوية الأشياء والظواهر والمحسوسات إجمال.
( رواية الفضاء في مسارية دلالة النص الروائي )
أن لدلالات ( رواية الفضاء ) ثمة أهمية قصوى في حيز تشكيل الفرد لهواجسه وارهاصاته وانفعالاته الزمكانية . من جملة هذا الارتباط يظهر لنا تمظهر الوعي بالاحساس المكاني والزماني وعبر ماهية الكينونة الشخصانية في ماهية السرد الروائي المشكل بالاتنماء الحقيقي الى مفاصل أفق الحدث السردي لتتشكل لنل من خلاله معالم بنية الفضاء الروائي . ويمكننا القول بأن الأنسان كائن فضائي يغير الفضاء ويتغير به وهذا ما ذهب إليه إي .. ريلف قي علاقة الانسان بالمكان إذ إنه يصور هذه العلاقة الأحتوائية تصويرا راصدا حيث
يقول : ( لكي تكون أنسانا ينبغي لك أن تحيا في عالم مليء بأمكنة ذات مغزى ولكي تكون أنسانا ينبغي أن تملك مكانا وأن تعرفه ) من هذا المنطلق نستشعر ريلف أنه يقدم حيز الفضاء على عاملية المكان . ولربما هذا الأمر يكون راجعا الى قصدية الفضاء بالحركة والانتشار وشموليته على عناصر المكان والزمن والشخوص والحوار والسرد وحتى الأبعاد الإيحائية لمجالية الحس الأجتماعي والنفساني من هنا نفهم بأن الفضاء له دلالات خاصة مبعثها مجلى الأحداث والتفاعل بين الشخصيات داخل مكونات الخطاب الروائي .
والشخصية الروائية في مستحدثات القراءة النقدية قد تحتل دائما فضاء فسيح في تكوينات الأفق الحدثي في مسار السرد . ولكن لا يشترط أن تحتل دائما المكانية في مسار السرد . فهذا بدوره بوصلة توجه جادة وجديدة في مكونات المباحث النقدية .. فقد أصبحت معارف النقد لا تنظر ولا تشترط بأن الفضاء هومادة للمكان السردي ، بقدر ما أنها أخذت تفترض بأن للفضاء أسس وإتجاهات تتشكل من خلالها ثنائية ( الفضاء / الزمن ) وهما ثنائية علاقة تكاملية بين طرفيها . فالفضاء والزمن في رأي النقد السيميائي محكوم عليهما بالتلاشي إذا نظرنا الى أحدهما منعزلا عن الآخر . وذلك أنه لا يمكن ملاحظة الفضاء إلا في حدود تمظهرات زمنية كالتتابعية والأرتدادية في مسار الزمن الروائي . ومن هذا المنطلق رأينا فضاء رواية (الكافرة ) وكيفية تشكيل مسارها العلائقي داخل رقعة منظومة الفضاء الروائي . فالفضاء في رواية علي بدر كان عبارة عن مسارات من الأمكنة التي لا تعالج شكلية المكان بل أنها كانت فضاءات متعددة سواء كانت واقعية أوخيالية تستغرق حلولية الأشياء المادية والمعنوية وعلى نحوابعد وأعمق من وظائفية المكانية والزمانية داخل مسار السرد الروائي .
( تعليق القراءة )
أن ما جرى لشخصية صوفي / فاطمة بعد زمن من عيشها في بلجيكا هوذلك الإفراط الغريب في عشق أدريان اللبناني الأصل والذي أكتشفت عنه أسرار كبيرة بعد انتهازها فرصة رقوده في المستشفى عليلا . في حين راحت تبحث صوفي سرا في شقته باحثة في أشيائه وصوره وألبوماته الشخصية وثمة أقراص لأفلام وثائقية وصولا الى أكتشافها بأنه كان متزوجا . أن رواية ( الكافرة ) رواية أبداعية حاذقة من خلال أدواتها الروائية والبنائية والأسلوبية والتي تعود حتما لرؤية كاتبا روائيا متمرسا في خط مخططات أمهر النصوص الروائية . غير أنها للأسف لم تصفح عن نهاية روائية ناجحة . والسبب في ذلك يعود لرؤية الكاتب اللامتكاملة في صياغة حبكة مضمونه الروائي . نهاية الرواية جاءتنا على قدر من المثالب والهفوات الكبيرة . وختماما بعد أن صارحت صوفي أدريان بحقيقة نهاية حبهم صارت محض فتاة عاهرة بل أنها باتت تتفنن بعلوم الإباحية والإعلان الشاق عن جسدها فرجة ومشتهى لكل من هب لتناول كأس خمر في أحدى الحانات الرخيصة 🙁 لم يبق لك شيء مني سوى هذه المعانقة التي ستأخذها غضبا مني .. سأضحك عليك في سري وأنا أراك تعود خائبا وأعرف أنك الآن عائد الى شقتك لتأخذ دوشا باردا وتنام الى الصباح على وجهك .. تنحني وتقول : بون ويكيند ياصديقي .. تغير لهجتها أوأقول لك نعم تعال معي ../ ليس الآن ليس الآن .. فيما بعد فيما بعد هذا ما سأسمعه منه هذا ما تقوله لي .. بعدها تخلع ملابسك تحت الفراش بأنتظاري ستكون متأهبا ) هكذا أنتهت نهاية فاطمة بنت القرى المسلحة بالأرهاب والتكفير والقتل والنقاب والأستمناءات الخيالية الى أضواء وحانات أوربا حيث تاريخها الحافل بالمضاجعات بدءا من أزواجها الى المهرب ثم الى أدريان ثم الى فسحة طويلة ومتينة من الأجساد الأوربية التي أخذت فاطمة من تحتها تتلمس فرصة الأنتهاء من أجل نيل فرصة المبيت ليلة واحدة في فراش دافىء من الزنا وروائح الأجساد البشرية المتنوعة . هكذا هي رواية الكافرة يتبدى من خلالها كاتبها مأخوذا بصور الزنا والعشق التي تغدولنا جميعها قوة تخترق رواية الفضاء بكافة قيمها المتواترة في أتون عبثية ذلك الأنخساف والأنسحاق المضموني الشارد والفاتر فنيا وابداعيا .























