قراءة في رواية “الأمير الصغير” لـ  “أنطوان دو سانت اكزوبيري”

 

لماذا دفنا طفولتنا خلفنا ؟!

 قراءة في رواية “الأمير الصغير” لـ  “أنطوان دو سانت اكزوبيري”

 

 

 نجيب الشوفي

دمشق

 

بعد فلسفي ينخر عقلية القارئ ويلخص الكثير من مشاكل حياتنا في هذا العصر – عقليتنا، منطقنا ومعاناتنا الإنسانية- ستجده في راوية للأطفال نشرها الكاتب والطيار الفرنسي الراحل “أنطوان دو سانت اكزوبيري” عام 1943 لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية ، قبل إصدارها بشكل رسمي عام 1945 في باريس، باختصار رواية لأدب الأطفال تقدم لنا كل حياتنا من وجهة نظر الكاتب وفلسفته الخاصة.

يستنكر الكاتب فكرة التعقل التي أوجدها المجتمع الحديث الراشد ويصفها بأنها عديمة الخيال، غير حالمة و قاصرة عن رؤية العمق في رسوم الأطفال البسيطة، باستخدامه لرسومه الأولى وامتحانه لهم وقياسه مقدار فطنتهم.

تكاد لا تخرج الفكرة الرئيسية، والتي وجدت تقريباً في كل صفحات الرواية ولا ينفك الكاتب عن التركيز عليها، عن الشرخ العميق بين عقلية وتفكير الأطفال من جهة والراشدين الكبار من جهة أخرى، وكيف ينبذ هؤلاء الكبار طفولتهم ويرمونها خلفهم ويتخلون عن أحلامهم وسعادتهم ويصبحون أجانب يستنكرون ويتعرون من انتمائهم لهذه الطفولة.

عاش الكاتب والطيار الفرنسي “أنطوان دو سانت اكزوبيري” سنوات الحرب العالمية الثانية وعرف معاناتها وويلاتها ومجازرها عن قرب وربما هذا ما قاده إلى كتابته للرواية. وقد عُرف عنه مشاهدته المباشرة ومعاصرته الخاصة للطفولة الموجودة في الضحايا والمجرمين، المدنيين والعسكريين, الذين عاشوا في تلك الفترة الزمنية  وهو الباحث عن الطفل الضائع في ذواتهم ووجودها الحقيقي.

لقد علم الكاتب بشكل واضح أن هذا الكتاب ليس رواية للأطفال, ولن يوضع في يوم من الأيام في هذه البوتقة أو التصنيف سوى من ناحية تصنيفه الشكلي كأدب للأطفال، أما عن اتجاه الكتاب ومعانيه وفلسفته التي خلقها بشكل بسيط في حوالي 50 صفحة فقط، فهو كتاب موجه بشكل خفي للكبار والذي يجهلون أو يتجاهلون حقيقة الطفولة الحية في داخلهم.

افتتح الكاتب روايته بتقديم اعتذاره للأطفال بسبب إهدائه إياها لصديقه المحبب الكاتب الفرنسي “ليون ويرث” حيث قال: “إلى ليون ويرث حين كان طفلاً صغيراً”. ويمضي الكاتب في 28 فصلاً بالحديث عن محاولته تعلم الرسم وامتعاضه من رأي الراشدين برسومه الأولى واضطراره لاختيار مهنة أخرى وتعلمه قيادة الطائرات، واستخدم الكاتب رسومه الأولى والتي أصبحت فيما بعد أشهر رسوم الكتب والروايات.

ويتناول الكتاب قصة رسم خيوطها الكاتب أثناء تعطل طائرته في منطقة الصحراء الكبرى في إفريقيا عام 1935 خلال إحدى رحلاته، وولدت من وقوفه على طرف ناصية الموت الذي أحاط به في ذلك المكان الموحش، واستطاع بعض سكان الصحراء “البدو” إنقاذه بعد عدة أيام، وهنا تبدأ رحلة الكاتب مع الأمير الصغير الذي التقاه خلال محاولته إصلاح أعطال طائرته و طلب منه الأخير رسم خروف وصندوق ليكون وطناً للخروف.

يبدأ بعد ذلك الكاتب بالحديث مع الأمير وهو أمير كويكب “B612” عليه 3 براكين واحد منها غير نشط ، وزهرة يعتني بها وهي الزهرة الوحيدة على كوكبه بالإضافة لنبات البوباب العملاق الذي وجب القضاء عليه كل يوم حتى لا يشغل كل الفضاء.

ويحكي الأمير لصديقه الطيار ما واجهه وعاشه خلال رحلته من كوكبه وصولاً لكوكب الأرض، سارداً الحوارات التي دارت مع الزهور، الثعالب، الثعابين والبشر، والتي تناولت مواضيع فلسفية وجودية وإنسانية عميقة للغاية، منهياً رحلته بالعودة إلى كوكبه ولكن جسده كان يعيق تحقيق ذلك، فغادرت روحه عائدة إلى كوكبه الأم متلهفاً وراغباً بلقاء زهرته التي تركها في كوكبه مع خروفه والبيت الزجاجي الذي يغطيها.

ويخبر الأمير الطيار التائه بأنه قابل شخوصاً كثيرة وغريبة على كواكب عدة وتحمل تلك الكواكب أرقاماً لا أسماء “325و326و327و328و329و330” ، بداية بالملك القديم الذي يرتدي الأرجوان والسمور والذي يعطي أوامره للرعية الغير موجودة أصلاً حيث يقطن وحده ذلك الكوكب.

أما الكوكب الثاني فيسكنه رجل مزهو بنفسه يرنو إلى الثناء في كل وقت ومن كل شخص يقابله، والكوكب الثالث يسكنه سكير يلازم الصمت ويشرب بشكل متواصل كي ينسى عاره من الشرب، ويسكن الكوكب الرابع كوكب “البزنسمان” رجل أعمال منهمك طول الوقت في حسابه للنجوم معتقداً بأنه يملكها.

أما الكوكب الخامس وعليه عمود إنارة، يعمل به رجل يقوم على تشغيل وإطفاء المصباح ويبحث عن الراحة ولكن الكوكب الذي يعمل به صغير ولذلك فهو يعمل طوال الوقت ويتناوب باستمرار على إشعال وإطفاء المصباح مع طلوع الشمس وغروبها، أما الكوكب السادس وهو أكبر الكواكب السابقة يعيش فيه عالم جغرافيا لم يخرج أبداً من مكتبه.

ويظهر بشكل جلي محاولة الكاتب استخدام شخوص مختلفة لتجسيد فكرة واحدة وهي عدم جدية وانعدام فائدة هذه الشخوص التي تتخذ الأمور برؤية وأسلوب الكبار، ويمثل هذا التجلي بأمراض نفسية وعيوب شخصية رسمها فيهم كالطمع والزهو والتسلط والإدمان والخنوع والانقطاع عن الآخرين وخلق عوالم منغلقة لا تستطيع تقبل الآخرين.

ويقدم الجغرافي النصيحة للأمير بزيارة الأرض ولكن عندما يصل الأمير إلى الأرض يلتقي بالثعلب الذي يعلمه كيف تسير الحياة في الأرض بلا معنى وبلا جدوى الأمر ذاته يعاد كل يوم بفعل شيء لا ترغب به كإنسان وإنما تفعل ما لا تريد أو تحبذ.

وفيما لا شك فيه أن الكاتب ركز بشكل كبير على فكرة العبثية من الحياة والفعل المعاد يومياً بلا أية تغيير وبلا أي ارتباط عاطفي أو اهتمام ذاتي وكأن كل ما نقوم به لا يتعدى كونه فعل نستعبد به ذواتنا.

وفي نهاية القصة يقابل لأمير ثعباناً ساماً بحثاً عن العودة إلى كوكبه الأم محاولاً نقل روحه إلى ذلك الكوكب بعد استعصاء نقل جسده، فيما يكون الطيار قد أنهى إصلاحه لطائرته ويودع الأمير صديقه الطيار بكلمات مرهفة.

فيقول له: “فإذا نظرت في الليل إلى السماء حيث أكون في إحدى النجوم ضحكتُ أنا فيُخيل إليك أن سائر النجوم تضحك وهكذا يكون لك نجوم تحسن الضحك”.
ويسافر الأمير باحثاً عن محبوبته الزهرة التي يخاف أن يكون قد أكلها الخروف أم أنها بقيت حية وآمنة تحت بيتها الزجاجي الذي تختبه فيه.

وعادت لتتكرر ذات الحادثة التي أغنت الكاتب ليصوغ لنا رائعته “الأمير الصغير” ولكن هذه المرة لتنهي حياته فمات بعد تحطم طائرته في إحدى مهماته الاستطلاعية عام 1944 ولم يعثر على رفاته إلا بعد 40 عاماً قبالة سواحل مدينة مرسيليا في الجنوب الفرنسي.

لا يمكن لأي أحد قرأ هذه الرواية إلا أن يذهل بعبقرية الكاتب وأسلوبه السلس الجميل حيث أوصل لنا كل ما عمل على طرحه  في نفوسنا كقراء من تساؤلات حول القيمة التي نملكها في حياتنا وحول العبثية التي نعيشها كبشر وعن معاني الحب والعاطفة والسعادة الحقيقية.