
الإقتصاد العالمي 2026 بين الصدمات والتحوّلات
قراءة في الواقع العراقي وآفاق الخروج من الأزمات – ماجد حميد
تشير التقديرات الدولية إلى أن العالم يواجه موجة تضخم جديدة مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة. فقد توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 24 بالمئة خلال عام 2026 نتيجة التوترات في الشرق الأوسط ، كما يمكن أن يصل سعر النفط إلى 115 دولاراً للبرميل في سيناريو استمرار الأزمات، هذه التطورات تعني( ارتفاع تكاليف الإنتاج عالمياً، زيادة أسعار الغذاء والنقل تباطؤ النمو في الدول النامية إلى نحو 3,6بالمئة.
لكن في المقابل، هناك فرص تتمثل بـــ ( انتقال عالمي نحو الطاقة البديلة ، توسع الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إعادة تشكيل سلاسل التوريد بعيداً عن مناطق النزاع)
وهنا لا يمكن فهم المشهد الاقتصادي العالمي بوصفه حالة ركود أو ازدهار فقط، بل هو حالة مركبة تجمع بين التوتر وعدم اليقين من جهة، وإعادة التشكل وخلق الفرص من جهة أخرى. فالعالم يعيش على واقع تحولات متسارعة؛ أسعار الطاقة ترتفع بفعل الصراعات الجيوسياسية، وسلاسل التوريد تتغير، والتكنولوجيا تعيد تعريف الإنتاج والعمل. هذه التغيرات لا تبقى في إطارها النظري أو البعيد، بل تنعكس بشكل مباشر على الاقتصادات الوطنية، خصوصاً تلك التي تعتمد على مورد واحد بشكل كبير، كما هو الحال في العراق.
معادلة صعبة
العراق اليوم يقف في قلب هذه المعادلة الصعبة. فمن ناحية، يستفيد من ارتفاع أسعار النفط التي تمثل العمود الفقري لاقتصاده، حيث تشكل الغالبية الساحقة من إيرادات الدولة وصادراتها.
وبذلك فأن الاعتماد على النفط المفرط الذي يشكل (90بالمئة) من ايرادات الدولة والذي يمثل (95بالمئة) من الصادرات مما يجعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية لأي اضطراب في أسعار النفط أو الإنتاج، خاصة في ظل التوترات في المنطقة وإغلاق بعض الممرات الحيوية والذي أدت الى أنخفاض انخفض الإنتاج من 4,2 مليون إلى 1،2 مليون برميل يومياً في بعض الفترات وهذا يعني ( تراجع الإيرادات الحكومية، ضغط على الموازنة العامة، تأخر المشاريع التنموية) ، وبذلك يمكن اعتبار عائدات النفط المرتفع (سلاح ذو حدين) حيث يمكن لارتفاع الاسعار ان ( يعوض انخفاض الإنتاج، ويزيد الفوائض المالية، ودعم الإنفاق الحكومي).
ومن ناحية أخرى، فإن هذا الاعتماد نفسه يجعله هشاً أمام أي اضطراب في الإنتاج أو الأسواق العالمية. ففي اللحظة التي ترتفع فيها الأسعار، قد يحقق فائضاً مالياً، لكن في اللحظة التي تتعطل فيها الصادرات أو تنخفض الكميات المنتجة، يجد نفسه أمام أزمة مالية حادة، حتى وإن بقيت الأسعار مرتفعة.
إن انعكاس الأوضاع الاقتصادية العالمية على العراق يظهر بشكل واضح في عدة مستويات. أولها المستوى المالي، حيث تعتمد الموازنة العامة بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية. وهذا يعني أن أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير يؤدي مباشرة إلى ضغط على الإنفاق الحكومي، وبالتالي تأخير المشاريع، وتقليص فرص العمل، وتراجع الخدمات. وثانيها المستوى الاجتماعي، حيث يؤدي ضعف القطاع الخاص إلى محدودية فرص العمل خارج الدولة، مما يزيد من البطالة المقنّعة ويضع عبئاً إضافياً على الجهاز الحكومي. أما المستوى الثالث فهو الاستثماري، إذ أن بيئة عدم الاستقرار تجعل المستثمرين المحليين والأجانب أكثر حذراً، ما يحد من تدفق رؤوس الأموال الضرورية للنمو.ورغم هذه التحديات، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالعراق يمتلك من المقومات ما يجعله قادراً على التحول إلى اقتصاد أكثر قوة واستقراراً إذا ما تم استثمارها بشكل صحيح. فالموارد الطبيعية الكبيرة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين آسيا وأوروبا، إضافة إلى السوق المحلية الواسعة، كلها عوامل يمكن أن تشكل أساساً لنهضة اقتصادية حقيقية.
عائدات نفطية
إن الخروج من الأزمات الاقتصادية التي يواجهها العراق يتطلب أولاً الاعتراف بأن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في طريقة إدارتها. فبدلاً من توجيه العائدات النفطية نحو الإنفاق الاستهلاكي فقط، يجب أن تتحول إلى استثمارات طويلة الأجل في قطاعات إنتاجية مثل الزراعة والصناعة والتكنولوجيا. فالزراعة، على سبيل المثال، يمكن أن توفر فرص عمل واسعة وتقلل من الاعتماد على الاستيراد، بينما يمكن للصناعة أن تخلق قيمة مضافة حقيقية وتدعم الصادرات غير النفطية.
كما أن إصلاح القطاع المصرفي يعد خطوة أساسية في هذا المسار، إذ لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو دون نظام مالي فعال قادر على تمويل المشاريع ودعم رواد الأعمال. وفي الوقت نفسه، يجب العمل على تحسين بيئة الأعمال من خلال تقليل البيروقراطية ومحاربة الفساد وتوفير بيئة قانونية مستقرة تشجع الاستثمار. فالمستثمر، سواء كان محلياً أو أجنبياً، يحتاج إلى وضوح وثقة قبل أن يضع أمواله في أي مشروع.
ومن القضايا التي لا يمكن تجاهلها أيضاً هي مسألة البطالة، خصوصاً بين الشباب. فهذه المشكلة لا تهدد الاستقرار الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي. ولذلك، فإن أي استراتيجية اقتصادية يجب أن تضع خلق فرص العمل في صلب أولوياتها، من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الابتكار، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.
في السياق ذاته، يمكن للعراق أن يستفيد من التحولات العالمية نحو الطاقة المتجددة، ليس بالضرورة كبديل فوري للنفط، ولكن كقطاع إضافي يمكن أن يوفر فرصاً جديدة للنمو. فالاستثمار في الطاقة الشمسية، على سبيل المثال، يمكن أن يقلل من الضغط على شبكة الكهرباء ويوفر فرص عمل ويجذب استثمارات جديدة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن موقع العراق الجغرافي يمنحه فرصة ليكون مركزاً تجارياً ولوجستياً مهماً في المنطقة.
خاصة في ظل التوجه العالمي لإعادة تشكيل سلاسل التوريد. لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تطوير البنية التحتية من طرق وموانئ وخطوط نقل، إضافة إلى تحسين الكفاءة الإدارية والجمركية.
في النهاية، يمكن القول إن عام 2026 يمثل لحظة حاسمة للاقتصاد العراقي. فالعواصف الاقتصادية العالمية قد تكون خطراً، لكنها في الوقت نفسه تفتح نافذة للتغيير. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العراق سيواجه التحديات، بل كيف سيتعامل معها. فإذا استمرت السياسات الحالية دون تغيير، فإن الاقتصاد سيبقى عرضة للصدمات، وستبقى الفجوة بين الأرقام والواقع قائمة. أما إذا تم استغلال الفرص المتاحة وتنفيذ إصلاحات جادة، فإن العراق يمكن أن يتحول من اقتصاد هش يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع وقادر على النمو المستدام.























