قبس من وفاء – علي الجنابي

قبس من وفاء – علي الجنابي

إهداءٌ: إلى أخي وصديقي الدكتور حسين سرمك

نبيلٌ والله هو تواضعُك قبلَ علمك، وأصيلُ في صرحك (الناقد العراقي) هو الحرف حرفك، وصهيلُ حروف الأقلام فيه هو رصين ومحبَك.

قبيلَ عام لاغير دنوتُ منكَ فعرفتك، إذ آنسني رقيق نبضك، ودقيق علمك، بريق نجمك، ورحيق كرمك، وإذ علمتُ خلال عامٍ مآل فكرك، ومنال قلمك، وإذ رأيتني أقولُ لك أنّي رضيع في عالم الأدبِ ولبونٌ ولا أقوى ولن أرقى لجبينِ صرحك، فتتبسّمُ مواسياً بحروفٍ من رحيبِ صدرك، بيد أن كلينا ما كان يدريَ أنّ مخلبَ الداءِ كان قابعاً في ركنٍ من أركان هرمك.

ها أنا ذا قد إقتربت من ختام مسودة مخطوطتي، فمن سيخطُّ ليَ مقدمتها غيرك، أفَنَسيتَ إصراركَ على ألا يراع يخطَّ تقدمتها إلّاكَ، ولاحقَّ لأحدٍ لسبيلها يسلك، وإذ كنتَ تتابعها بودٍّ وشغفٍ رغم غزير زخمك. فأين العهد عهدكَ وأين الوعدُ وعدك؟ إنّه مُؤَلَّفٌ ليَ يتيمٌ وما كان قبله من كتاب وحقيقٌ على ألا أثني معه بكتابٍ وأُشرِك، هو مخاضُ فكرٍ لأربعين عام سيكون الفضل في ولادته  فضلك. ولكن لاحرج يا دكتور، إرحل الى الرحمن هانئاً وإذ تتفيأ ظلّاً من ظلاله، وذرني أزخرف مخطوطتي بعبارة: (الإهداء: الى”روح” أخي وصديقي الأستاذ سرمك)، ثم دعني أهدي لك هاهنا وعبر صحيفتنا “الزمان” نصّاً من المخطوطة ،وإذ راقَ لكَ وكنتَ به مستمتعاً، وإذ قدَّمَتَ له على موقعِ (الناقد) بإشارةٍ نبيلةٍ تقول: ( مع أوّل نصٍّ وصلنا من الأديب “علي الجنابي” ونشرناه قبل أيام فوجئنا في أسرة موقع “الناقد العراقي” بهذه الأسلوبية المدهشة، لغة وبناءً، والتي يكفي وصفها بأنها “عربيّة الوجهِ واليدِ واللسانِ”. فتحية ل(علي الجنابي)، ودعوة لقراءة نصوصه ب(عمق وأناة و.. متعة). وأمّا النصُّ يا أستاذ و يا قبساً وهّاجاً أهداه لنا آل سرمك، فقد كان:

(أيُّ الفَريقينِ لهُ حقٌّ أن بِضِحكاتِهِ يَزأر)؟

(لوحةُ صراعِ ذِي فَهمٍ مع ذِي دِرهَم)…

عَانقني ب(إشتياقٍ)، بعدَ عَقودٍ من فراقٍ. رفيقُ مقعَدِ دراسةٍ سقطَ عنه  فَقذَفَهُ  بالطَّلاقِ. ثمّ إنطلقَ مسترزقاً، ومارقاً من فندق الأخلاق، فسارقاً في خندق السُّراقِ، حتى أستقرَّ مقاولَ عقاراتٍ عملاقاً غيرَ ذوّاق، فرزقُهُ ينفلقُ من قلب كلِّ نقيصةٍ أو قبيحةٍ، مُنَقِّبَاً في سوقها والأفَاقِ، ففارقَه الحقُّ والإملاق والإخفاق، ورافقهُ الرَِّقُّ والشقاق والنفاق، ورغم ما فيه من قبح خَلاق، فقد إنقادَت ،بل تعلّقت بقرونِ قروشهِ أعناقُ الرفاق!

أنا قايضتُهُ بإنسياقٍ ذاتَ العِناقِ. عِناقٌ بإستحقاقٍ، بيدَ أنّهُ بِلا مَذاق، أوهكذا إنبثقَ عناقي، أوهكذا ينفلقُ العِناق، إن أقتُلِعَت منه عروقُ الأخلاق والأذواق، وإن حَلَقَ ذقنَ وَقارِهِ على مقعدِ الحلّاق، فتَرى العناقَ أقرعاً وقاسٍ وثقيلاً مَالَهُ مِن خَلاق، فُقِد مِنهُ رحيقُهُ ورقيقُه وبريقُهُ والوِفاقُ، وتوقُهُ وشوقُه وذوقُهُ والوثاقِ. ثم تَقايضنا قُبَيصةً من قهقهةٍ مُقتَبَسَةٍ من منطقِ تَرَقٍ وتَقَدُّمٍ، وحاقَ بقهقهتنا ذينك داءِ الخُناق! لكنّه…

إنفَجرَ فُجأةً بِكركراتٍ سَاخرةٍ ما رَغِبْتُ فيها أن أشَارِكَ، فَما أنا بِبَصيرٍ  بِبَسَماتِ الكَذِبِ، ولستُ خبيراً بِكُنهِ التّضاحِكِ.

أفَحَقّاً نَشرُ عَبَرَاتي -لَحظةَ راحَتي- في جريدتي دفعَتْ رفيقي هُزُوٍ مُتهالِك؟ أسررتُ مُندَهِشاً: إنَّ (أَخا الجَهَالَةِ فِيْ الشَّقَاوةِ يَنْعَمُ ) ولا سواهُ لها مالِكٌ! فهلّا غَضَّ طَرفَهُ عن خَلَجاتي إن لم يَنقدْ أو يَتفاعلْ أو يُباركْ؟ فما عَبَراتيَ إلّا نَفَحاتٌ مِن فضائيَ وصفَحاتٌ لبَعضٍ مما سلكتُ من مَسالِك ؟ ففضَائي صَفِيُّ نَقيٌّ وبِعَمَدٍ من أهل فكرِ الضادِ سَقفُهُ مُتماسِك. كانت أنجُمُهُ حُزمةً من أصفى عَقيدةٍ سَماويةٍ، ورُزمةً من أوفى عُلومٍ هَندسيةٍ، ولَزمةً لأوَتَادِ خَيمةٍ بَدويةٍ، تَنبَجِسُ منها حِكَمٌ زكيّة، فُرُشُها رملٌ طاهرٌ، ظِلُها كرَمٌ باهرٌ، وَتَدُها بأسُ قاهرٌ، وحَرفُها يَعِدلُ سِجلّاً من قَولِ أديبٍ مُعاصرٍ، ظنَّ  قائلُه أنّهُ مُعجِزٌ وسَاحِرٌ .

في فضائي هنالِك هِلالٌ غشّى جَلَساتِ رِيفٍ بِسَمَرٍ عَفَويٍّ لَفظُهُ، وخِلالٌ من جِلبابٍ كَشَفَ عن ساقيهِ مُتناسياً رَفعُهُ وخَفضُهُ. ودِلالٌ لوَجهٍ حاسمٍ إن بايعَ، وبَاسمٌ هو رفضُهُ، ثم تِلالٌ يُحِيطُها دَجاجٌ وخَريرُ ماءٍ، ولِتغريدِ الطّيرِ منها حَظُّهُ.

وفي فضائي جَذلٌ وإبتهاجٌ من أماسيّ في مَقهىً شعبيّ ، وجدلٌ وإنزعاجٌ من نِزاعٍ أبَدِيّ ، عَمَّن سَيدفعُ أجرَةَ شايِّ سهرةٍ بَهيّ. مقهىً عَصْفُهُ قصصٌ وأخبار ، وَ وَصْفُهُ مقامٌ بَغداديّ وأوتار، وَرَصْفُهُ مَوَدَّةٌ وتوقيرٌ وإيثار.

كذلكَ أفقُ فضائي مُزخرفٌ بمطالعةٍ لجبالٍ من شعرٍ وأدبٍ ، وتلالٍ من تاريخِ حضاراتٍ صَبَب، ولغاتٍ وعِلمِ عقيدةٍ عن بصيرةٍ مُنتَخَب،كلُّ أولئكَ كانَ متوجاً بخدمةٍ مشرّفةٍ طويلٌ أمدُها تحتَ رايةِ موطني: في رُبَاهُ خُلِقَ الجَلالُ و الجمالُ والسناءُ والبهاءُ، وفي هواهُ عِطرُ الحياةِ والنجاةِ والهناءِ والرجاءِ، فغايتُهُ تُشرِّفُ ورايتُهُ ترفرفُ، لا أطيقُ إلّا أن أراهُ سالماً منعَّماً وغانماً مكرَّماً، وسَيبقى في عُلاه ، قاهراً عِداهُ: إنّهُ مَوطني.

وختاماً: في فضائي صَولاتٌ في صالاتٍ غربَ الأرضِ، ذي زَخارُفَ فاخِرةٍ ، تَغشاها أجوَاءُ مُجونٍ فاقِرة. مَصابيحُها تَتَراقصُ!كأنّها نفوسُ عشّاقٍ حَائرة! أو رُبَما تتحَكَّمُ بِنَفسِها كديمقراطيتِهم الخائرة! أنوارُها تتلوّنُ بلمحِ البصرِ، ويّكأنها جماهيرٌ مُتمرِّدةٌ ثائرة! كانت صولاتٌ بعد الغروب بكبرياء، في أروقةِ صالاتٍ شَهباء، أتَمَطّى بِخُيَلاء أنّي أجيدُ لسانَ أهلِ تلك البلدةِ الشقراء، مُتَشَرنِقاً ب (جينز) يعَلوهُ ثوبٌ لونُهُ سَماء، بخَتمِ مرساةٍ حمراء، ولتنتَهيَ الصولةُ بمغنيةٍ تَهَبُ أغلى ماتملكُ وبسخاء، هَبَطَت من عَرشِ منصتِها صوبَ مقعدي في زاويةٍ من الصالةِ ظلماءَ، تَصحَبُها دائرةٌ من إنارةٍ خضراء، تردفُها نظراتٌ مِمّن حَضَرَ السهرةَ الضوضاء، ولِتُنهيَ وصلتَها بين يديَ ما بين تَفاخرٍ منّي وتَصَنّعٍ في إِصغاء.

ذلكَ هوَ – يا رفيقاً في عقدِ فتوةٍ سَبَق- فضائيَ وما يَطِلّ ، فَلِمَ سَخَرتَ منّي ومِن قهقهةٍ لا تَمِلّ ! فما فضاؤكَ إلا مُعتِمٌ ولا قمرَ فيه يَهِلّ! وَلَئن بَدا ظاهرُ فضائِكَ لامِعاً وَنيساً، فباطنُهُ دامِعاً تعيساً! تراه سَيّالاً بِسُحُبٍ من خمورٍ ومن لُحُومِ عُجُولٍ وجَواميس، ومَيّالاً لمَلبسٍ ومَداسٍ مَنضودةٍ في كراديس، وأجهزةِ حاسوبٍ جاهلٌ أنتَ بكُنهِها والمَقاييس، ودليلِ هاتفٍ لكائناتٍ آدميّةٍ بيد أنّها أقربُ للنسانيس، ثُمَّ ماركاتِ عطورٍ جَعَلتَها مِعيارَكَ لفَهمِ معادنِ الرجالِ والنواميس.

ولكن من الإنصافِ أن نذكرَ بسماتٍ كاذبةٍ ونفاقَكَ في الصفقاتِ والتَّدليس، لتَضمَنَ دراهمَ شهواةٍ طاغيةٍ من خلفِ الكواليس.

أفمِن شيءٍ غفَلَ الذكرُ عنهُ ضَمَّهُ فَضاؤُكَ ،يا سارقاً في خندق السُّراقِ البئيس؟ فضاؤكَ لن يُسعفَكَ في مَواطنِ ضمائرِ، ومَقاطنِ بصائرِ أنيس، بل قد يَبرُقُ هُناكَ، أين؟ هنالك حيثُ مُغنية الدائرةِ الخضراءَ، فهنالك سيَحمي ما فيهِ من وَطيس.

فأيُّ الفَضَائينِ لهُ حقٌّ أن بضحكاتِهِ يَزأر؟

لا سِباقَ، بل سَأذَرُكَ مُحتَفِظا بكركراتِكَ، وأنّكَ بذاكَ الحقِّ أجدر، فلا رصيدَ لك إلّا أن بضَحِكاتِكَ تَجعرَ وتجأر. وإستمتِعْ يا أنتَ مريئاً بِعَومٍ في بحرِ موائدٍ موجهُ متلاطمٌ ويتوالدُ ويكثر، ثمّ نَومٍ بخُرطومٍ في الليلٍ يعزفُ ويَشخر، مقطوعةً نوطاتُها كراتُ من كبابٍ، و كوماتُ من كُرّاثٍ، وخَمرٌ مُحضَرٌ يُعصَرُ، وهنيئاً لك بخيالٍ لصَفقةِ بناءٍ لمَشفىً، أو لقاعاتِ عَسكَر، تُتِمُّها بتضاحكٍ أحولٍ  وغِشٍّ أَعوجٍ اَبتَرٍ.