قامة ثقافية وصاحب مدرسة قلمية متميزة
حميد مجيد هدو
ترجع علاقتي بصديق العمر حميد المطبعي الى اكثر من خمسة عقود من الزمان يوم كنا نلهو ونلعب حتى شب عودنا في الخمسينيات من القرن الماضي وكنت أراه محموما بقراءة الكتب والمجلات فهو طالب في الصف الخامس الابتدائي كان يتابع استاذ اللغة العربية في مدرسته النجفية الشيخ عبد الله الشرقي ولطالما سأله اسئلة نحوية ولغوية اكبر من عمره الزمني وتركيزه كان على الادب واللغة وكان من الطلبة المتقدمين في درس الانشاء وكثيرا ما استحسنه استاذ العربية في مدرسته واذا ما وصل الى الثانوية كان منشئا جيدا افضل من الطلبة الذين تقدموه بمراحل.. كان لا يترك مجلة تقع بين يديه الا ويقرأوها من الغلاف الى الغلاف ويحفظ ابرز موضوعاتها.. ومن الطبيعي ان محيط النجف الادبي ساعده كثيرا على التتبع والبحث والقراءة وحصيلة مطالعاته استطاع وهو بعد غر يافع ان صان لسانه عن الخطأ في الكلام واستظهر شعرا عربيا متعدد الاغراض والمناسبات والعصور. بدأ الكتابة في المجلات المحلية وهو لما يتجاوز الثامنة عشرة من عمره واستمر متألقا الى اليوم.
كانت اختياراته في بدايات طفولته الادبية قراءة ما تنشره مجلة الرسالة والثقافة المصريتان فضلا عن مجلات العراق ومجلات النجف في الخمسينيات امثال: مجلة الغري، والبيان، والنشاط الثقافي، والمعارف وغيرها. وفي هذه المدة من عمره وثق صلاته بعدد من الشباب من لداته ممن نهجوا النهج العربي وساروا في طريق تحقيق الوحدة مؤمنين بالفكر القومي التقدمي، وهذا ايضا جاء بفعل ما كان يسمعه من بعض اساتذته الذين ركبوا هذا الموج امثال: محسن البهادلي وغيره من خارج المدرسة مثل صدقي (ابو طبيخ) واحمد الحبوبي وعلي محيي الدين وآخرون. وفي نهاية الخمسينيات وبعد اشتداد الصراع السياسي بين القوى المختلفة انضم الى التيار العروبي المناوئ لليسار المتطرف، وفي هذه المرحلة بدأ يقرأ كتب الفلسفة العربية والاسلامية فضلا عن اليونانية والاوربية فقرأ وتأثر بارسطو والفارابي وابن سينا الى جانب قراءته لروجيه غارودي وسارتر واضرابهما ومما زاد تعلقه بالفلسفة عامة وفلسفة كتبها المتنوعة والغوص في بطونها تأثره بشيخه الشيخ عبد الكريم الزنجاني الفيلسوف النجفي المعروف الذي قدم دروسا جديدة في الفلسفة الاسلامية نالت اعجاب المفكرين العرب والمسلمين وكان بحق اذا ما عد من المجددين في الدرس الفلسفي في الحوزة النجفية التي تعودت على القديم ووقفت بالضد من مسألة التجديد الى ما قبل المفكر السيد محمد باقر الصدر الذي دأب على تجديد الفكر الفلسفي بخاصة والدرس الديني بعامة.
ولرب سائل يسأل كيف تسنى للمطبعي وهو الحدث الغر ان يفيد من دروس الشيخ الزنجاني؟ الجواب: ان المطبعي كان يعمل في مطبعة اخيه عبد الرضا في مطبعة الغري الحديثة في النجف وكان يرسل تجارب طبع بعض كتب الشيخ الزنجاني ومن ثم ليعيدها بيد المطبعي ثانية وهي مصححة الى المطبعة وفي هذه الاثناء وبالتفاتة من الزنجاني الى ما كان يسأل به المطبعي هذا الفيلسوف المتبحر وان كانت اسئلة سطحية وبسيطة في البداية الا ان اعجاب الزنجاني بأسئلة هذا الشاب جعلت منه يتوسع في الاجابة ويمعن في الرعاية حيث رأى فيه – اي المطبعي- طاقة كبيرة من الواجب رعايتها وتنميتها ومن هنا بدأت العلاقة بين الطالب والاستاذ تنمو وتتمتن يوما بعد آخر ولم تنفك حتى رحيل الشيخ الزنجاني عن هذه الدنيا فكان استاذه الاول في الفلسفة الذي تنبأ لتلميذه مستقبلا زاهرا في الدرس الفلسفي وقال له مرة: سيكون لك شأن في الحياة الفكرية. بعد ان رأى فيه طاقة متفجرة واستعدادا لتقبل الافكار وهضمها واستيعابها بسرعة.
تجذرت قراءات المطبعي لهذا النوع من الدراسات فراح يلتهم كتب الفكر والادب قديمه وحديثه ويتابع اخبار الثقافة فضلا عن كتب السياسة ملخصا كل ما كان يقرأه بدونه في جذاذات ليعيد حفظها ثانية عن ظهر قلب حتى اختزنت ذاكرته بفيض من المعلومات التي لا غنى عنها للباحث الجاد. وبعد ان اشتد عوده ولزبب عنبه، ونضج فكره واصبح واحدا من مشاهير الكتابة الصحفية متوجا عمله باصدار مجلة دورية تعنى بالادب الحديث والشعر الجديد والفكر الذي ساد في اوربا وانتقل الى العرب عن طريق مطابع بيروت والقاهرة واخذ طريقه الى عقول الناشئة الجديدة المتمردة على الواقع المرير وما اصاب بعض الشباب من الاحباط نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية التي عاشوها فكانت الكلمة صدى لتلك الصيحات ووجد المتأثرون انها المكان المناسب في نشر تلك الافكار والصيحات والموضات المستحدثة، ومن يراجع اعداد (الكلمة) التي استمرت لسنوات عديدة يجد امتلاء صفحاتها بما كان يدور في الساحة الثقافية والفكرية في تلك المرحلة واعني بها ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
كان المطبعي ولوحده يصدر وينفق على مجلته تلك من دون مساعدة احد وهو المفلس الذي لا يملك راتبا او موردا ماليا غير كد يمينه.
وبالرغم من محاربة الكثير لمنهج (الكلمة) الا انها اصبحت في حينها واحدة من المنابر الثقافية المتجددة وكانت الوحيدة لبث الافكار الجديدة في العراق ولم تكن مجلة اخرى تنافسها وكانت المتنفس الوحيد لرواد وباحثي العراق والبلاد العربية ولاهميتها ودورها اخذ عدد من الدارسين اعداد رسائل جامعية عنها بوصفها من المجلات الرصينة التي عالجت قضايا الادب والشعر والفكر في وقت كان العراق يفتقر لمثلها. وفي اواسط السبعينيات انتقل المطبعي الى بغداد وراح يواصل انشطته الادبية والفكرية من خلال صحافة بغداد فكان له في جريدة الثورة صفحة كاملة اسبوعيا بعنوان (الجذور) يحاور فيها ثلة من كبار اعلام العراق ومفكريه وادبائه استطاع ان يكتشف اسرار شخصياتهم وكنه ما انطوت عليه حياتهم من اسرار وما صنعوه من حوادث اكثرها غاية في الاهمية، وقد جمع هذه الحوارات في كتب اصدرتها الشؤون الثقافية بعنوان. موسوعة المفكرين العراقيين، وبعد نفادها من السوق اعيد طبعها في بيروت هذا العام في اربعة مجلدات موشحة بمقدمة كاتب هذا المقال الفقير الى الله حميد مجيد هددو.
في العقدين الاخيرين ركز المطبعي على دراسة سيرة اعلام العراق وتدوينها بايجاز غير مخل، فكان يختار ابرز الاعلام ممن ترك اثرا في الحياة الفكرية والادبية والدينية والاجتماعية والسياسية ضمتها موسوعة كبيرة في ثلاثة مجلدات او اجزاء ثم اعيد طبعها ثانية في مجلد ضخم بعد ان نفدت من الاسواق اصدرته جريدة الزمان وبدعم من الاستاذ سعد البزاز الذي راى ضرورة اعادة طبعها لانها تؤرخ للعراق المعاصر، وقبل عامين اصدر المطبعي جزءا مضافا لما صدر سابقا ضم جمهرة من اعلام العراق. ان مجموع ما ترجم لهم المطبعي في موسوعته بلغ اكثر من الف وخمسمئة علم عراقي.
لم تقتصر اثار الكاتب المطبعي على ما ذكرناه بل كانت له اسهامات اخرى وفي مجالات ثقافية وفكرية متنوعة. فكتب عن ارسطو وكتب في الرحلات ورحلته الى شمال العراق والى بابل اكتشف قضايا جغرافية وتاريخية واجتماعية واثنية ومعتقدات وطقوس دينية مهمة. وكتابة عن علي الوردي الذي استفزه باسئلة مهمة فكانت الاجابات وفيرة وشاملة دافع فيها الوردي عن نفسه دفاعا مشروعا مدعما بالادلة الثبوتية والعلل الدامغة ناهيك عن التحدث عن اسرار شخصيته الغامضة التي شغل الناس بها والى اليوم يتحدث بها المثقفون وعشاق الدراسات الاجتماعية. ومن كتبه ايضا رسالته في الحرية ومدى اثرها في بناء المجتمع المزدهر وتكوين الشخصية السوية المتوازنة وفي حياة الناس. وله محاور في الفكر والتاريخ وهو من الكتب التي انطوت على حقائق فكرية وتاريخية مهمة. اما مقالاته اليومية والاسبوعية ومطارحاته الفكرية التي كان ينشرها في جرائد بغداد ومجلاتها فهي معروفة وكثيرة ومقروءة تركت اثارها في نفوس القراء. وما زال يواصل كتاباته في جريدة الزمان الغراء التي اختص بها في السنوات الاخيرة والى اليوم وعد من كتابها الدائميين. يمكن ان يصنف الكاتب حميد المطبعي من بين رجال الفكر والثقافة بانه صاحب مدرسة قلمية متميزة لا يفهم كتاباته الا من قرأ شخصية كاتبها فعند ذاك يفهم مكنونات ما يكتبه هذا البارع المتألق وما يهدف مما يكتب سواء في السياسة ام في مسائل الفكر والادب اما غير ذلك فلا يمكن تشخيص اهداف كتاباته وطروحاته التي لا تخلو من غموض في احيان كثيرة فتحتاج الى تأمل وتدبر عميقين لكي يفهم المقصود منها. كما ان كتاباته في السيرة والتراجم فتعتمد التحليل الدقيق للشخصية واستنباط كوامنها ومعرفة عللها واسرارها، كذلك في توجيه الاسئلة الاستفزازية للمقابل التي تمكنه من حصول الاعتراف بالخطأ والاقرار بالذنب وهذا اسلوب تميز به الكاتب المطبعي والذي ادى به الى خسارة الاصدقاء وتعريض شخصه الى مشكلات ومخاطر سدت ابواب رزقه في بعض الاحيان بسبب الاسلوب المتبع في تدوين السيرة. هذا ما كان عليه ايام عنفوان الشباب، اما اليوم فهو يقبع في مكتبة بيته لا يقوى على الخروج من داره المتواضعة في حي الرسالة ببغداد ملازما الورقة والقلم والكتاب لا ينفك عنها مطالعا ومؤلفا ومدبجا المقالات التي يخص بها (الزمان) الغراء باستمرار بالرغم من معاناته الصحية الصعبة فما زال متألقا من كتاباته وطروحاته وآرائه وقلمه السيال. يبقى حميد المطبعي قامة ادبية وهامة فكرية في العراق والعالم العربي بالرغم من كثرة خصومه ومناوئيه وقلة مؤيديه وعشاق منهجه الكتابي.























