في ذكرى الولد الشقي محمود السعدني – محسن حسين

في ذكرى الولد الشقي محمود السعدني – محسن حسين

لا بد لنا نحن الذين عملنا سنوات طويلة في مجلة الف باء ان نذكر الصحفي المصري محمود السعدني وعمله في مجلة الف باء وكان قبل ذلك المصمم المصري علي منير الذي واكب صدور الف باء في بداياتها عام 1967.

رغم اني لم اكن من بين العاملين في الف باء في السنوات الاولى  لكني  ارتبطت بها عام 1976 حين عرض رئيس تحريرها الاستاذ حسن العلوي تعييني مستشارا في المجلة وهي الوظيفة التي كان يشغلها الصحفي المصري  محمود السعدني.

وقد علمت من الزملاء القدامى في الف باء ان السعدني كان يسعى ان تكون الف باء مماثلة لمجلة روز اليوسف او صباح الخير المصريتين.

اذكر السعدني اليوم في ذكرى وفاته عام 2010  اي قبل 13  عاما.

وحين عملت في مصر مديرا لمكتب وكالة الانباء العراقية (واع) لم اتعرف على محمود السعدني لكني تعرفت على اخيه الممثل البارع صلاح السعدني.

وبعد وفاته كتب الكثيرون عن (الولد الشقي) وهو ما يطلق عليه في الصحافة لكثرة مشاكله مع الانظمة العربية وخاصة في مصر ثم في الدول التي عمل فيها ومنها العراق.

تظل أعمال الكاتب الصحفي محمود السعدني علامة فارقة في تاريخ الكتابة الساخرة في مصر، فقد أسس مدرسة ساخرة عبر كتاباته السياسية المتنوعة التي أثارت غضب الأنظمة العربية في حقبتي الستينيات والسبعينيات، لكن الولد الشقي كان لا ينفك يقول “الموهبة مسألة لا يستطيع أحد أن يختارها”.

بدأ السعدني العمل بالصحافة فور تخرجه، فكان اول  عمل له في  مجلة “الكشكول” التي كان يُصدرها مأمون الشناوي، وبعد إغلاقها؛ عمل في جريدة “المصري” التي كانت لسان حال حزب الوفد  وعمل أيضًا في دار الهلال، ولم يلبث أن أصدر مجلة هزلية بالتعاون مع رسام الكاريكاتير طوغان، ولكن تم إغلاقها بعد إصدار أعداد قليلة، وظل على هذا الحال حتى قيام ثورة يوليو تموز 1952 التي أيّدها السعدني منذ قيامها، وانتقل للعمل في جريدة الجمهورية، التي كان رئيس تحريرها أنور السادات لتكون لسان حال الثورة.

وبعد تولي السادات رئاسة البرلمان، تم الاستغناء عن خدماته فانتقل للعمل مُديرًا لتحرير مجلة روز اليوسف الأسبوعية وكان إحسان عبد القدوس رئيسا لتحريرها وبعد تأميمها بدأت علاقة السعدني تسوء مع نظام الرئيس جمال عبد الناصر إبان زيارة عمل له إلى سوريا قبيل الوحدة بين البلدين، فعندما كان هناك طلب منه أعضاء في الحزب الشيوعي السوري توصيل رسالة مُغلقة للرئيس عبد الناصر، وعند عودته قام بتسليمها إلى السادات دون أن يعلم محتواها؛ وكانت الرسالة تحتوي تهديدًا لعبد الناصر، فتم إلقاء القبض عليه وإلقاؤه في السجن عامين تقريبًا، وبعد الإفراج عاد للعمل في روز اليوسف التي خضعت للتأميم، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة صباح الخير؛ وانضم إلى التنظيم الطليعي -وهو التنظيم السياسي الوحيد آنذاك- والذي كان له في تلك الفترة نفوذ كبير.

وبعد وفاة الرئيس عبدالناصر حدث صراع السلطة الشهير بين الرئيس السادات وعدد من مسئولي النظام، والذي انتهى باستقالة هؤلاء واعتقال السادات لهم وتقديمهم للمحاكمة بتهمة محاولة الانقلاب، فيما عُرف بـ”ثورة التصحيح” في مايو 1971 وكان السعدني ضمن القائمة التي تم اعتقالها، وتمت محاكمته أمام محكمة الثورة التي أدانته وحكمت بسجنه.

في تلك الفترة حاول الرئيس الليبي معمر القذافي التوسط له عند الرئيس السادات، إلا أن السادات رفض قائلًا أن السعدني قد أطلق النكات عليه وعلى أهل بيته “ويجب أن يتم تأديبه ولكني لن أفرط في عقابه”، وهكذا قضى السعدني عامين آخرين في السجن حتى تم الإفراج عنه بقرار من الرئيس الذي أصدر كذلك قرارا جمهوريا بفصله من عمله في مجلة “صباح الخير”، ومنعه من الكتابة، ومنع ظهور اسمه في أية جريدة مصرية “حتى في صفحة الوفيات”، عندها قرر السعدني مغادرة مصر والبحث عن عمل في الخارج.

وفي العاصمة اللبنانية بيروت عمل في جريدة “السفير”، لكنه سرعان ما غادر قبل اندلاع الحرب الأهلية، وتوجه إلى ليبيا للقاء الرئيس القذافي الذي عرض عليه إنشاء جريدة أو مجلة له في بيروت، لكنه رفض ذلك خوفًا من اغتياله.

 وبسبب سخريته انتهت علاقته بالقذافي فسافر الى أبو ظبي عام 1976. وهناك عمل مسؤولًا بالمسرح المدرسي الإماراتي، وإدارة تحرير جريدة “الفجر” الإماراتية، لكنه دخل بمشاكل مع السفارة الايرانية ليضطر التوحه إلى الكويت، حيث عمل في جريدة “السياسة” الكويتية وعادت الضغوط تلاحقه هناك أيضًا، فغادر إلى العراق ليواجه ضغوطا جديدة بشكل مختلف مع المخابرات العراقية، والذين مارسوا ضغوطًا كبيرة عليه لإخضاعه، فكان قراره بعد لقاء مع نائب الرئيس العراقي في تلك الفترة صدام حسن بمغادرة العراق إلى لندن.

وعادت فكرة مجلة 23 يوليو مرة أخرى إلى السعدني في لندن ولكن هذه المرة استطاع تنفيذها بتمويل عربي غير مُعلن بالاشتراك مع  منشقين مصريين على الرئيس السادات بعد اتفاقية كامب ديفيد .

وكانت أول مجلة عربية تصدر هناك، وحققت نجاحًا كبيرًا في الوطن العربي، وكان يتم تهريبها إلى مصر سرًا، والتزمت المجلة بالأفكار الناصرية، وكان السعدني يتوقع أن تلقى دعمًا من الأنظمة العربية ولكن ذلك لم يحدث، بل تمت مُحاصرتها ماليًا من أنظمة العراق وليبيا وسوريا، حتى أن السعدني سخر من ذلك قائلًا “كان يجب على أن أرفع أي شعار إلا 23 يوليو لأحظى بالدعم”، وسرعان ما توقفت المجلة، ولكن السعدني بقى هذه المرة في لندن إلى أن تم اغتيال أنور السادات في حادث المنصة الشهير؛ فعاد إلى مصر واستقبله الرئيس حسني مبارك في القصر الجمهوري، ليطوي بذلك صفحة طويلة من الخلاف مع النظام؛ وظل بالقاهرة حتى رحل عن عالمنا في 4 أيارعام 2010 عن عمر ناهز الثانية والثمانين إثر أزمة قلبية حادة.