في تجربة ضياء الخزاعي التشكيلية

في تجربة ضياء الخزاعي التشكيلية
إصغاء لألحان الروح
مؤيد داود البصام
عندما يتساءل المشاهد وهو يقف إمام لوحة الفنان ضياء الخزاعي كأن فيها شئ ما في هذا التوهج بالألوان، وهناك ثنائية تتحرك من خلال الاحتدام بينها وبين الفنان في محاولة الجر بينهما، فهو لا يستخدمها كعنصر من عناصر بناء اللوحة عندما يقف ليرسم، إذ يتحول من منتج لعمل تشكيلي متكامل العناصر، الى رائي خلف حدود ما وراء الرؤية المحدودة التي يحددها الإطار، فيترك المحددات مبحرا الى أفق لا متناهي من الإمتاع بالألوان، يتغنى بها ويتفاعل معها بلحظة تجلي تنسيه ما أراد إن يرسمه وما كان قد وضعه في ذهنه قبل لحظات، ولعل عنوان معرضه الأخير أصغاءات لألحان الروح في قاعة عشتار في مبنى وزارة الثقافة، يعطينا ما يفعله اللون في تجلياته وكيف يحرك مشاعر الفنان ويصوغ وجوده على ظهر اللوحة حينما يتراقص إمام عينيه وما يعنيه له اللون، فهو مبعث موسيقى الروح ونشوة وجودها، لهذا فلوحته لون يمتزج فيها النص بالشكل ليمنحنا هذه القوة من الإبهار، يتراجع النص إمام قوة إبهار اللون الذي يحدد الشكل، وهنا نقف عند حدود الملونين الذين ظهروا عبر التاريخ في فن الرسم إن كانوا في العالم أو في العراق مثل فائق حسن وكاظم حيدر وحافظ ألدروبي وآخرون، وكيف كان اللون يأخذ بهاءه على اللوحة إن كان في الرسم الواقعي أم في المدارس والمناهج الأخرى، فقد شكل اللون في إعمال الفنانين الذين تجاوزوا الخط حالة خاصة وفريدة، فيها هذا الثراء والدسامة، فعندما ننظر للوحة روبنز أو إعمال الفنانين الفلمنكيين والايطاليين الواقعيين في عصر النهضة وعصر البروك، نحس هذه التوهج في اللون والكثافة، وهو ما يتضح لدينا في لوحات ضياء الخزاعي، هناك بصمة خاصة توضح نضج مدركاته اللونية وسيطرته في التعامل مع أهم عنصر في تكوين إظهار اللوحة، وعند المقارنة في معرفة كيفية التعامل مع اللون، هناك الكثير من الفنانين الذين يملكون هذه الميزة ولكنهم يفرطون بها بعدم الوصول الى لحظة الإحساس ببهاء اللون إن كان صافيا أو ممزوجا، فيتركون أثرا ما يشبه العتمة أو الظلال ما يدفع بالوهج الى الخفوت، بينما امتلك ضياء هذا السر في القيمة اللونية وفي كيفية اكتشاف إشعاعه الداخلي، فلكل لون بهاء وجمال يشع منه وخصائص لا يملكها اللون الآخر، والفنان المحترف هو الذي يدرك القيم اللونية ويتعامل معها بإحساسها لا بإحساسه في المؤثرات الرئيسية والجانبية، إي ما مدى تقبل مزاج اللون للون الأخرى الذي يجاوره أو يتوازى معه، وهذه هي من لب التقنية التي يتعامل الفنان معها في بناء اللوحة، وهو الدرس الذي يجب إن يبلغه لمعرفة متى تكون ألوانه صافية نقية، أو متى تمزج لتظهر لونا مشتقا، الذي سيكون لونا جديدا يحمل بهاء تفرده، هذه التقنية هي التي يتعامل معها ضياء الخزاعي، وهي المنطقة التي اختارها لفترة طويلة التعبيرية التجريدية ولأنه كان مدركا ما تعنيه التعبيرية اشتغل على إبراز النص ككائن له وجود ينبثق من خلال اللون، فاوجد المساحات الإيقاعية اللونية بشكل متناظرة محددة، وهو عندما يبدأ الرسم تكون لديه رؤية فكرية محددة لنص يشغله، لكنه إمام انبهاره ودهشته باللون، يفقد التسلسل المنطقي لاستمرار السلسلة، فتنقطع الخطوط ولا يكتمل التشخيص أو الإشكال والجمادات، فيلجا الى التجريد لتخليص نصه من التشابك بين ذاته وبين الرؤية العينية المدهشة التي تمنحه الألوان نشوتها، فعندما تحاصره الذكريات ومجموع الرؤى بأحلام الطفولة والشباب، تتشكل بدايات اللوحة لكنه عندما يباشر العمل تنقلب الحالة الى حلم مشوش وموسيقى ، فنرى الألوان الحارة تنطفئ بالألوان الباردة بشكل مدروس، لا تحدث نشازا أو تعارضا لأنه يضعها وهو في لحظة النشوة والتجلي فأمنا الطبيعة لا تعطينا إلا البهاء والجمال، انه يشتغل على ألوان الأحمر والأصفر والأزرق، لكننا لا نجد الأزرق كما نجد الأحمر والأصفر، فهو يحاصر اللونين بلون اخضر مصفر وبنفسجي باهت، فيشكل في اللوحة بين بهجة حرارة اللون التي يشعها وبين اللون البارد الذي يجاوره ككتلة لها خصوصيتها وهدوئها وروح التأمل التي تشكلها، ولا تتأثر بإشعاع الأخر، هذه القدرة التي يتعامل بها ضياء الخزاعي هي التي تبلور الإيحاء الكلي للحركة الموسيقية المنسجمة مع بعضها البعض والتي تحيط كل جوانب اللوحة، أن اشتغاله على الألوان الأحمر، البرتقالي ، الأصفر، الأخضر، النيلي، الأزرق، البنفسجي ، هذه هي الألوان الرئيسية التي تشكل العمود الفقري للوحاته والتي تتجانس مع الإطار العام الذي يضعه, لان لوحته خارج إطار التحديد لا تملك حدودا معينة فإنها مختزلة ومنطلقة نحو أفق تمتعها بتوازن الكتلة والفراغ المحسوب والمنطلق بأفق واسع بدون محددات واطر، وهذا ما نجده باستخدامه للون الأبيض بمساحات متكررة في لوحته، متجنب ومحاور للألوان الأخرى، مع الاقتصاد في اللون الأزرق.
التعبير الشكلي
والتجريديات اللونية
اللون مادة كيميائية، تدرس حالها حال إي مادة في علم الكيمياء تنطبق عليها المعايير العلمية، والفنان المبدع لابد إن تكون له دراية ومعرفة بكيميائية اللون وفيزيائية النظر إليه، وكل مختص بديهيا يعرف مقدار التجانس والتنافر بين المواد الكيميائية، فان لم يكن لديه سيطرة معرفية على خواصها قد تسبب له مشكلة حياتية، وهذا ينطبق على مبادئ الفن في تقنية اللون إن لم يكن قد أدرك خصائص اللون ومعرفة خواصه وانفعالاته الذاتية، فلا يمكن إن تدرك الإبداع مهما امتلكت من رؤى فكرية وقوة تخطيطية، ستبقى اللوحة ضمن إطارها المحدود، فاللون إحساس العين بالموجات الضوئية لألوان الطيف، ويتحدد بمدى المؤثرات التي يقع عليها الإحساس في امتصاصه للموجات اللونية للضوء ويعكس البعض الآخر فيؤثر في خلايا العين، وهذا ينطبق على كل الألوان إلا اللون الأبيض فانه يعكس كل الموجات اللونية للضوء وعكسه يحدث بالنسبة للون الأسود فهو يمتص كل الموجات اللونية للضوء. والإحساس الفيزيائي لعناصر التركيب الكيميائي للون يرتبط بثلاث عناصر تحدد لون الأجسام المعرضة للضوء، اللون الأصلي، لون المحيط، لون الضوء هذه الأسس هي إضافة لمعرفتها من خلال الدرس والتعلم، إلا أنها تخضع لعنصر مهم يتحكم فيها هو التذوق، ومن خصائص امتلاك التذوق إضافة للموهبة كثرة الاطلاع والتجريب بالنسبة للفنان، فتدريب العين على قراءة إعمال من سبقه، وهو مبدأ يعمم على كل الفنون والآداب والمعرفة عموما، هذا التدريب يوصل المبدع لاكتشافات بعيدة المدى في عمله، وهذا هو السر الذي امتلكه بعض الفنانين قديما وحديثا ومنهم ضياء الخزاعي من خلال الدربة والاطلاع واكتساب المعرفة، وبما نسميه نضوج اللون لديه، فأي مشاهدة للوحة ضياء الخزاعي ستمنح المتلقي هذه النشوة والإبهار والدهشة، فالمشاهد يرى الألوان ترقص وكأن هناك موسيقى تعزف، هي في حقيقة الأمر موسيقى الألوان حينما تدرك صنعتها ومواقع وجودها، في كيفية إيجاد المتكيفات لإظهارها كما تقدمها لنا الطبيعة، فالطبيعة أم الفنون والرائين هم الذين يكتشفون إسرار الجمال المخفي للطبيعة وينبهرون فيه ويتغنون بحسنه ويسرقونه ليضموه الى أيقونتهم، ولهذا فان لوحة ضياء هو هذا الاكتشاف لإسرار الطبيعة في كيفية احتفالها الربيعي عندما تصبح الأرض لوحة لأجمل الألوان والإشكال، يقول عالم البصريات ستيفن بالمر من جامعة كاليفورنيا بيركلي كيفية إن البشر يتشاركون لوحة عاطفية واحدة في ما يتعلق بالموسيقى واللون، يبدو أنها غريزية وتتجاوز العوائق الثقافية…..ما يشير الى الدور المهم الذي تلعبه الإيقاعات المتموجة للخطوط التي تسجل النماذج المصورة وإيماءاتها إن حركة الخطوط وتموج اللون لها اثر بالغ الأهمية في جر المشاهد للتعبير عن خلجات مطمورة في أعماق الذات، تحركها هذه اللحظة المموسقة التي يبثها اللون للرائي، وهو الموقع الذي اشتغل عليه ضياء ليبلغ هذا السمو والتجلي، إن إعمال ضياء الخزاعي تشير بكل وضوح الى إن الفنان عندما يبني ذاته معرفيا ولديه هما ثقافيا، يتخطى أبعاد وجوده المادية الى نوع من أنواع الارتقاء لسحب المتلقي الى منطقة النشوة التي يتمتع بها هو ذاتيا، إن اكتشاف الرسم باللون الأصفر بدرجاته، يفتح سطح اللوحة على إبعاد ذبذبات اللون الحارة والتي يسارع ضياء بإطفاء هذه الذبذبات أو تقليص مدى إشعاعها باللون البارد الذي يجاورها، ولكن يبقى اللون الأصفر منتشرا بالمساحة المتاحة، إننا إزاء إعمال فنان يتحرك ضمن قدرة الفهم والإدراك والرؤيا..
AZP09