فيصل الثاني.. ملك لم يُتقن الدفاع عن نفسه
عكاب سالم الطاهر
بغداد
أعترف أن عواطفي وقناعاتي ليستْ إيجابية ازاء الحقبة الملكية في العراق (1921 – 1958). ومع ذلك علينا التفريق بين (العائلة الملكية) من جهة، والنظام الملكي العراقي من جهة ثانية. (العائلة الملكية)، باستثناء الامير عبد الاله، مجرد واجهة أو (ديكور)، لمنظومة حاكمة. أبرز مكونات هذه (المنظومة): السفارة البريطانية، وبعض الرموز االسياسية (نوري السعيد) خاصة، وبعض الاحزاب الموالية، وبعض كبار الضباط الموالين، وكذلك الامتداد الاقطاعي.
وفي رقبة النظام الملكي تتدلى قائمة من الأخطاء الكبيرة. ولكن الذي خفَّف من سلبيات النظام الملكي، الاخطاءُ الخطرة للعهود الجمهورية المتعاقبة، وان كانت الاخطاء متفاوتة في سعتها وتأثيرها من عهد جمهوري لآخر. لكن (أخطاء الجمهوريين) لاتمنح شهادة براءة للملكيين.
نعود الى العائلة المالكة في جريدة الزمان الصادرة يوم (8/10/2013)، كتبتُ تحت عنوان: رفقاً بالمليك) ومما جاء فيه: (باعادة تمثال الملك فيصل الى مكانه، وباعادة الاعتناء بالمقبرة الملكية في الاعظمية، وباعادة تسمية الملك غازي بدلاً من تسمة (شارع الكفاح)، أُعيد الاعتبار، الى حَدٍّما، للعائلة الملكية التي حكمتْ العراق، وفي المقدمة منها: الملك فيصل الاول).
وعبر بريدي الالكتروني، جائتني رسالة بتاريخ (9/10/2013)، من صديق عراقي مغترب، تحوي ملاحظات قيمة حول: التماثيل والساحات واسمائها. ولكني توقفتُ عند جملة، وردتْ في الرسالة، وهذا نصها:
(.. وبتذكرك لفيصل الاول وغازي، عساك أن تتذكر مليكنا المسكين فيصل الثاني..).
واتماماً للمعلومات، اكتب الآن عن آخر ملك هاشمي في العراق. وجاء في المصادر ذات الصلة:
تربية ارستقراطية
هو الملك فيصل الثاني ابن الملك غازي بن الملك فيصل الاول بن الشريف حسين (ملك الحجاز)، بن الشريف محمد بن عبد المعين بن عون….، هكذا وَرَدَ في شجرة نسبه الذي يتصل بالحسن المثنى بن الامام الحسن بن الامام علي بن ابي طالب.
ولد في بغداد عام 1935، وحصل على تربية أرستقراطية. وأخذ مبادئ الحياة العامة عن أساتذة كبار. ونودي به ملكاً على العراق في السادس من نيسان عام 1939، تحت وصاية خاله الامير عبد الاله. وفي سنة 1947، درس في مدرسة (ساندويد) بانكلترا، ودخل كلية (هارو) في سنة 1949، وتخرج فيها سنة 1952. ثم عاد ليتولى سلطاته الدستورية يوم (2/ مايس (أيار) / 1953)، حتى يوم (14/تموز/1958).
وأتذكر: قام الملك، عام 1954، بجولة على محافظات (ألوية) العراق. وكانت إحدى محطات جولته محافظة واسط (لواء الكوت)، ومنها سك موكبُه الطريقَ البري، ماراً بمدن: الحي وقلعة سكر، والرفاعي والنصر والشطرة، فالناصرية. وفي لقاء أجريتُه في ثمانينات القرن الماضي مع الاذاعي (محمد علي كريم)، وهو ضمن البعثة الاعلامية المرافقة للملك، ذكر ان الملك والامير عبد الاله وحاشيتهم، باتوا ليلتهم في مدينة الناصرية، وانعقد ليلتها مهرجان أدبي تبارى فيه الشعراء بالترحيب بالملك.
ويضيف الاذاعي محمد علي: صباحاً توجه الوفد الى مدينة سوق الشيوخ، سالكاً الطريق النهري (نهر الفرات)، وعلى جانبي الطريق تجمعت عشائر عديدة، مرحبة بالملك عن طريق الهوسات (العَراضة).
وأتذكرُ أيضاً: أن موكب الملك فيصل الثاني وصل مدينة سوق الشيوخ. ومع أن عمري، آنذاك، لا يزيد عن (12) سنة، فقد كنتُ ضمن جماهير غفيرة على ضفة النهر، عند مدخل المدينة، مقابل محلة (الصابئة المندائيين)، نرحب بالملك، بالهتاف والتصفيق. وقد اقترب منا كثيراً الزورقُ الذي يقل الملك وحاشيته، وشاهدتُه والى جانبه خاله الامير عبد الاله. كانت (هُوْستُنا) هي: إِلشايِفْ وَجْهَكْ شايِفْ كِلِّ الخير.
ويذكر التربوي الراحل يعقوب كاظم الحمداني، في كتابه الذي حمل عنوان: (أمالي الحياة، وفاءً لسوق الشيوخ)،: (لقد احتفت سوق الشيوخ بهذه الزيارة الكريمة. وقد إزدانت الشوارع ومركز القائمقامية في الثكنة، وتم السلام عليه في قاعة أُثثتْ في مركز الثكنة، وأُقيمتْ وليمة كبيرة أقامتها بلدية سوق الشيوخ باسم أهالي القضاء، ونحرتْ الذبائح).
ومن شرفة القائمقامية ألقى الملك فيصل الثاني خطاباً، وأقدر أن لا أحد سمعَهُ، لصوته الهادئ، وبعده عن الجماهير المحتشدة، ولأنها مشغولة بالهوسات..
لماذا التعاطف؟
الكثير من عامة الناس تعاطف مع فيصل الثاني: طفلاً وملكاً ونهاية مأساوية، حين قتل يوم (14/تموز/1958). وكان ذلك موقفاً عاطفياً إنسانياً، وأن الملك لا صله مؤثرةِ بالحوادث التي عاشها العراق، بل كان مغلوباً على أمره، تحت سطوة نفوذ السفارة، و(وصاية) عبد الاله القاسية عليه، حتى بعد أن أصبح فيصل الثاني ملكاً.
وفي مذكراته التي حملت عنوان (مهنتي كملك)، يذكر الملك حسين المعلومةَ التالية: (كنتُ في لندن، أنا (الملك حسين) والملك فيصل الثاني، والامير عبد الاله. وفي السيارة التي تقلنا ويقودها عبد الاله، دار حديث تضمن تعنيفاً شديداً للملك فيصل الثاني من عبد الاله. ولم أتحمل هذا التعنيف والقسوة، فغادرتُ السيارة وصفقتُ الباب خلفي بقوة). وهذا مثل مؤلم واحد…
ولفيصل الثاني كتاب واحد، طبع في القاهرة سنة 1951، عنوانه: (أساليب الدفاع عن النفس). ولكن يبدو أن هذا الملك الشاب لم يطبق أساليب الدفاع عن نفسه، فسقط مضرجاً بدمائه.























