الذكرى الخامسة عشرة لرحيل فخري الزبيدي
فنان فطري متعدد المواهب يؤسس فرقة الزبانية
صباح المندلاوي
بغداد
في مطلع الستينيات من القرن الماضي ويوم كنا صغارا كنت اتابع وبشغف البرنامج الاسبوعي التلفزيوني الترفيهي الناجح الذي يعده ويقدمه الفنان القدير الظريف والطريف فخري الزبيدي وتحت عنوان – صندوق السعادة – فهو تارة يستضيف الحلاقين، وتارة الطلبة النابغين الموهبين، وقد برز من بينهم الطالب عادل شعلان في زمن عبد الكريم قاسم والذي عرف بذكائه المتوقد وعبقريته المتميزة ما ان تسأله في ارقام الضرب حتى يجيبك فورا وعلى جناح السرعة بالاجابات الصحيحة ومن دون تلكؤ او اضطراب وكان فعلا فلتة زمانه.
تارة يضيف من له صلعة في احدى المرات ضيف العشرات ممن تزيد اوزانهم على المئة والخمسين كيلوغراما وممن يعرفون بالبدانة والسمنة. بل انه وفي هذه الحلقة وبعد استعراض الكثير من الاسماء ممن تجاوزت اوزانهم الحد المألوف والمعروف من السمنة، نوه بأن احدهم ويدعى فلان ابو الشحم تعذر عليه الدخول من الاستوديو لان وزنه اكثر من 350 كيلوغراما، وهنا وبخفة ظله واريحيته ودعاباته المعروفة راح يتلو على المشاهدين قائمة باسماء المأكولات المبالغ فيها والتي يتناولها ابو الشحم سواء في وجبات الفطور ام الغداء ام العشاء والتي تثير الضحك والتندر، تصوروا انه يتناول صباحا ثلاثة صحون قيمر مع عشرين رغيف خبر، او في وجبة الظهر عشر سمكات مع عشرة نفرات كباب. و هكذا على هذه الشاكلة. كانت الاسئلة التي تقرأ على مسامع المشاركين لا تخلو من الفائدة والمتعة والمعرفة والمعلومات التاريخية الهادفة.. حقا بدا برنامجا كوميديا ونافذة للحصول على المزيد من المعلومات والمعارف التي تساعد الطالب اثناء مراحل دراسته.
ولعل طريقة مقدم البرنامج ومهارته وحيويته وبشاشة وجهه وسرعة بديهته من العناصر التي جعلت للبرنامج صداه وشعبيته وذيوع صيته، فلا غرابة ان ينتظر المشاهد كل اسبوع هذا البرنامج وبفارغ الصبر، لكي يمضي الساعات مع الاثارة والتشويق وهو يجلسمشددا امام هذا البرنامج.
بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963 يتوقف هذا البرنامج التلفزيوني. بيد ان السؤال عن سر ونجومية وشعبية مقدم البرنامج لا يتوقف؟ فمن هو الفنان فخري الزبيدي؟
هل هو فنان فطري محبوب افلح في مد افضل الجسور مع المشاهد ام انه قد اخذ نصيبه من الدراسة الفنية مشفوعا بثقافة من شأنها تطوير مداركه ومؤهلاته؟!
عند البحث والتحري عن سيرة هذا الفنان وما نشر عنه نجد انه من مواليد بغداد – الحيدر خانة عام 1925. وقد تخرج من معهد الفنون الجميلة قسم المسرح عام 1947 – 1948 وقد شارك في عام 1946 في اول فلم عراقي – مصري مشترك بعنوان (القاهرة – بغداد) وهو من تمثيل حقي الشبلي وابراهيم جلال وكذلك بشارة واكيم ومديحة يسري ويعود له الفضل في تأسيس فرقة مسرح الزبانية والى جانب زملائه من خريجي المعهد ايضا ونذكر منهم ناجي الرواي، حميد المحل، حامد الاطرقجي، محمود قطان وناظم الغزالي.
أعمال واقعية
قدمت هذه الفرقة اعمالا واقعية وكوميدية لا تخلو من الارتجال والنمطية. ومن اعمالها التلفزيونية التي اشتهرت بها تمثيلية – شلتاغ – وكذلك – الفتاح فال – يذكر انها قدمت مسرحيات في معسكرات الجيش العراقي اثناء مشاركته في حرب فلسطين عام 1948. وفي مضمار الاذاعة كانت له مشاركاته ومساهماته منذ عام 1947.
شارك في فيلم – من المسؤول – عام 1956 والى جانب الفنان سامي عبد الحميد والفنانة ناهدة الرماح والفنان كاظم مبارك والفيلم من اخراج عبد الجبار ولي. يشارك في فيلم مشروع زواج وشايف خير. تربطه علاقة حميمية بالفنان ناظم الغزالي الذي ايضا درس المسرح في معهد الفنون الجميلة، ولعله هو من شجعه ودفعه لاحتراف الغناء بعد اكتشاف مواهبه الغنائية. ونشر ذات يوم شيئا عن ذكرياته مع ناظم الغزالي وذلك حينما كانا في محلة البارودية ببغداد عام 1936 والتي كانت مدرستها من اقدم المدارس الابتدائية في هذه المحلة.
يشير الزبيدي الى ان ناظم الغزالي كان يخترق هذه المحلة وهو يرتدي السترة والبنطلون وعلى رأسه سدارة تدل ملابسه على حسن ذوقه وان كانت مستعملة وقديمة، يحمل (بقجة) من الملابس باتجاه محلة السور وغالبا ما يتعرض لمعاكسات الاولاد وضربهم واذاهم ويخرج من المعركة والدماء تلوث وجهه والدموع تنهمر من عينيه.
ومرة اخرى واذ يتلقى الضرب والاذى من شباب المحلة اذ انهم يعيبون عليه طريقة في المشي وحمله (البقجة) يرد عليهم بأنه يتيم وبأن جدته هي التي تعيلهم ومن خلال خياطة الاقمشة الذي يقوم بدوره بتوزيعها على البيوت والنساء عندها يتعاطف معه الشباب ويكفون عن ملاحقته وتبدأ صفحات جديدة من العلاقة الطيبة واياه، حتى انه وكان وفي دار ناجي توكه يفترش الارض والحصير ويستمع مع الشباب الى اسطوانات غنائية للقبانجي وسليمة مراد. بعض الخبثاء من الشباب يسألونه من اين لك ثمن القوان؟!
فيخبرهم بأنه استعارها من صاحب المقهى اسطة ابراهيم عرب.
يبادر احد الشباب متسائلا: ولماذا لا تسمعها في المقهى فيجيب ناظم الغزالي: في المقهى ضجيج وضوضاء.. اما هنا او في البيت فهدوء وسكينة.. والاصغاء اكثر فائدة وهنا يتطوع احدهم ليرمي كرة القدم التي بين قدمي ناظم الغزالي.. في الوقت الذي يظل ناظم متشبثا بالاسطوانات خوفا من تهشيمها وفقدانها.
انها لقطات من ايام الصبا وبقلم الفنان فخري الزبيدي وتمضي عجلة الزمن والاعوام – يتم اختياره ممثلا في فيلم (شايف خير) من اخراج الفنان محمد شكري جميل.
اذن هو فنان متعدد الاهتمامات والمواهب درس المسرح في معهد الفنون الجميلة واختلط بكبار الرواد والمبدعين، تعلم منهم .. تأثر بهم، واغترف من المعارف والمعلومات الكثير ومن الثقافة ما يذلل الصعوبات التي تواجهه.. ممثل كوميدي بارع.
وعليه فليس غريبا ان يبرز ويتألق كمقدم برنامج ناجح ومتمكن ومن هنا نرى ايضا وفي عام 1970 ومرة اخرى تفاتحه المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون لتقديم برنامج ترفيهي ثقافي منوع على غرار برنامج – صندوق السعادة – ولكن تحت اسم اخر، فيختار لها عنوان – شايف خير – وهي تتوجه الى العموم ولكل المشاهدين وليس في اطار التخصص الاسئلة شاملة ومنوعة ومفتوحة والجوائز معقولة ومقبولة.
ومع هذا فالبرنامج التالي لم يحظ بشعبية وجاذبية البرنامج الاول – صندوق السعادة – ربما لانه تخلى عن توجيه الدعوات الى المجاميع الخاصة او الشرائح او اصحاب المهن او العاهات وفي ذلك ما يثير فضول المشاهد والمتلقي. برغم محاولات الزبيدي ربما عرف عنه من نكته وتعليق لاذع واريحيه ليمنح برنامجه هذا نصيبا من النجاح والتحدي ونحن نسترجع شيئا من سيرته الذاتية ومشواره الفني والابداعي وقد مرت يوم الثالث عشر من نيسان عام 2014 الذكرى الخامسة عشرة لرحيله لابد من القول: ان عمله في امانة العاصمة قد اخذ حيزا ليس بالقليل من اهتمامه، فقد تم تعينه بوظيفة ضابط اطفاء في اول مركز اطفاء في مدينة الكاظمية ببغداد عام 1956 وتقديرا لما عرف عنه من حرص واخلاص وشعور عال بالمسؤولية تم اعتماده معاونا لامين العاصمة. ومع تراكم الخبرة منح صفة خبير.
خلال سنوات عمله في الامانة قدم الكثير من الملاحظات والمقترحات والتصورات لتطوير الكثير من الجانب الخدمي.. اقترح اقامة النصب والتماثيل للشعراء وتحقق ذلك للرصافي ولعبد المحسن الكاظمي.. في حين بقيت تماثيل اخر ومن دون ان ترى النور. كان وراء تأسيس المتحف البغدادي وعلى مقربة من جسر الشهداء.. ويضم هذا المتحف – الكثير من الاعمال والمهن اليدوية والفولكلورية التي تعج بها حياتنا البغدادية فضلا عن لقطات من الحياة اليومية المألوفة.. هذا فضلاً عن قاعة لقراءة المقام والجالغي البغدادية.
مع افتتاح هذا المتحف صارت المدارس تتقاطر للدخول اليه ولاكتشاف ما فيه من اعمال فنية تبعث على الدهشة والاعجاب.
خلال حياته انجز كتابا بعنوان – الخلفية هارون الرشيد – وهو موجز لما قرأه وسمعه عن هذا الخليفة ولياليه الملاح في بغداد الجميلة. كما اصدر الجزء الاول من كتابه المعنون بغداد من عام 1900 حتى سنة 1934
الجامع من المفيد والظريف
اعداد وتحقيق فخري الزبيدي
وقد اهداني الفنان علاء الشبلي – المشرف العام على المتحف البغدادي – نسخة منه وحدثني كثيرا عن معاناته قبيل صدور هذا الكتاب. ومما جاء بقلم الزبيدي حول هذا الكتاب نقرأ على غلاف الصفحة الأخيرة:
(هذا الكتاب صورة مدينة بغداد من سنة 1900 حتى سنة 1934 كما صورها عدد من الناس باساليب وثقافات وجنسيات مختلفة موثقين تاريخها واهم حوادث تلك الحقبة للوصول الى صور مكتوبة واضحة تحوي تفاصيل الحياة اليومية الاجتماعية والاقتصادية والفولكلورية والسياسية حتى يرى القارئ الكريم وجه مدينته وشكلها ويشتم رائحة اجداده البغدادية تدب بين سطور الكتاب في احيائها وخاناتها واسواقها وشوارعها وقصص المتداول والمتوارث من الفولكلور مخصص لها ملحق مع الكتاب تطل منه على اساليب الرواية والكتابة بالمحلية والفصيح غنية بالعبر والفكاهة ولكثرة وتفرق مصادر الكتاب وجدتني مسؤولا في انصاف من اعتمدتهم في كتابة تاريخ بغداد، امل اني وفقت في سعي ومسعاي لرسم ملامح مدينتي العظيمة بغداد واضعها بين يدكم والله ولي التوفيق).
والكتاب الذي يتجاوز الخمسمئة صفحة حقا يسافر بنا من خلال الاخبار والتقارير والمعلومات عن الخانات والشوارع والمحلات والمساجد الى ايام زمان ولاسيما العقود الثلاثة من القرن الحادي والعشرين. وبأسلوب سلس وممتع وشيق وجذاب.
ولعله من المفيد ان نقتبس بعض الاخبار الطريفة والظريفة الهادفة والتي تدلل على مستوى وعي الناس انذاك.
(هذه الليلة.. هذه الليلة)
ستحيا ليلة ساهرة هذه الليلة في سينما رويال من اجواق العاصمة في الرقص الشرقي ومن الراقصة الشهيرة (مدام ليف) في الرقص الافرنجي وستعزف موسيقتان. افرنجية وشرقية وسيكون ريع هذه الليلة الساهرة الزاهرة لمنفعة اخواننا العراقيين المنقطعين في الاستانة الذين لا يمكنهم الاياب الى وطنهم العراق على حسابهم. ويتجلى الانس والطرب والوطنية معا.
اعلان من قهوة عزاوي
ستقام ليلة ساهرة في قهوة عزاوي القديمة الواقعة في سوق الميدان لمنفعة الجمعية الخيرية ليلة الجمعة الموافق 25 كانون الاول 1924. فعلى ابناء وطننا الكرام عشاق الطرب ان يبادروا لمشاهدة الانس والطرب.
اعلان من مدير شرطة بغداد
عثرت الشرطة على حمارة فعلى فاقديها ان يراجعوا هذه المديرية.
انها باقة اخبار نشرت عام 1924
الجدير بالذكر ان هذا الكتاب قد صدر عام 1990 وثمة اجزاء اخرى تنتظر دورها للنشر او الظهور.. ولعلها كانت فرصة طيبة لو بادرت الجهات المعنية وفي اطار بغداد عاصمة للثقافة العربية عام2013 لنشر المتبقي من الاجزاء وهي بذلك تسعف المكتبة العراقية بما هو يوثق لبغداد ولتاريخها واسرارها وخفاياها وللكثير من صدرها وحكاياتها. واخيرا متى ينال التكريم الذي يستحق؟!
لقد حسنا فعلت نقابة الفنانين حينما شملته بالمنحة السنوية المخصصة من رئاسة الوزراء. ولكن ذلك في تقديري ايضا لا يكفي.. بل لابد لرموزنا واعلامنا ممن قدموا الكثير لهذا البلد.. ان يكرموا باطلاق اسمائهم على الشوارع والساحات او القاعات او يتم تخصيص راتب تقاعدي يليق بما قدموه من عطاءات وانجازات وابداعات. وعسى الا يطول الانتظار.























