فلسفة الضرائب على التركات

عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي

اقدم كتاب في مكتبتي الشخصية مهدى لي من مؤلفه بتاريخ 29/5/1963 هو كتاب (الضرائب على التركات) ، تاليف الدكتور عبد العال الصكبان مطبوع في دار مطابع الشعب بالقاهرة سنة 1963 ، وهذا الكتاب نال به مؤلفه اجازة الدكتوراه بمرتبة الشرف في العلوم المالية والادارية من كلية الحقوق بجامعة القاهرة . بالنسبة ذاتها تم تعيينه – رحمه الله واسكنه فسيح جناته – مدرساً في كلية الحقوق بجامعة بغداد ، حيث كنت حينذاك طالباً في الصف الرابع وتخرجت في منتصف تلك السنة ونلت شهادة الليسانس بالحقوق .

وفي مقدمة الكتاب شكر المؤلف ثلاثة ممن كان لهم اثر بارز في توجيه البحث ودفعه في الطريق الصحيح ، وهم اساتذة المؤلف كل من الدكتور حسين خلاف والاستاذ الدكتور محمد لبيب شقير والاستاذ الدكتور محمد حلمي مراد ، وهم من اعلام اساتذة علم المالية العامة والقوانين الاقتصادية في جمهورية مصر العربية .

وتقلد المرحوم الصكبان مواقع متقدمة في العهد الجمهوري في العراق اهمها وكيل وزارة المالية وعضو مجلس التخطيط وعضو مجلس ادارات البنك المركزي والبنك الصناعي والخطوط الجوية العراقية …. كما اصبح الامين العام لاتحاد الاقتصاديين العرب والامين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية.  وفي بداية ثمانينيات القرن الماضي كان مستشاراً بمكتب الشؤون الاقتصادية بديوان الرئاسة وعضو لجـنـة العلاقات الاقتصادية الخارجية وعضو المجمع العلمي العراقي وعضو مجلس امناء منتدى الفكر العربي في عمان . كما كشف المؤلف المرحوم الدكتور عبد العال الصكبان عن جوهر عقيدته التي دفعته لاختيار (الضرائب على التركات) موضوعاً لرسالته لنيل شهادة الدكتوراه بقوله (يكتسب البحث أي بحث ، اهميته من مدى ارتباطه بواقع الحياة التي يحياها المجتمع ، ولو نظرنا الى مجتمعنا العربي لوجدنا ان هذا المجتمع يعاني من الامرين من التخلف الاقتصادي ومن سوء توزيع الثروات والدخول . ولذا فان الدراسات التي تهتم بنواحي التنمية الاقتصادية وبعدالة التوزيع تمثل قمة الارتباط بين العلم وبين الواقع ) .

وهذه العقيدة تنسجم مع رسالة العلم بتطوير الواقع من اجل خدمة الانسان وتامين سعادته وحماية كرامته ، ومع رسالة العلماء باعمار الارض واشاعة العدالة والامن والسلام للبشرية جمعاء بدون تمييز ….

وتشير الدراسات التاريخية للعصور القديمة في حضارة العراق الى ان اقدم الدول التي وجدت فيه اعتمدت الضرائب والرسوم كمصدر رئيسي لوارداتها … ففي (مملكة لكش) كانت هناك ضرائب على القطعان والقوارب ومصائد السمك ورسوم الدفن والطلاق .  ومن موظفي الدولة البابلية في عهد (حمورابي) كل من جابي الضرائب ومسؤول الشرطة ومدير الرسوم ومسؤول التجار . ((للمزيد من التفاصيل راجع دراسة د. سامي سعيد الاحمد – الادارة ونظام الحكم في العصور القديمة – الفصل الاول من الجزء الثاني من كتاب حضارة العراق – دار الحرية للطباعة – بغداد 1985 – صفحة 7 وما بعدها)) .

واستمرت جميع الحكومات العراقية على نهج فرض الضرائب والرسوم المتنوعة بقوانين متعددة وصدرت عشرات التشريعات المنظمة لانواع الضرائب ومقدارها والفئات المشمولة بدفعها ، كما تاسست دوائر رسمية متفرغة لتحصيل تلك الضرائب مثل دوائر ضريبة الدخل والعقار والاملاك والكمارك .

والمدقق في تشريعات المملكة العراقية يجد انواع غير مالوفة من الضرائب فرضت في ظروف معينة ثم الغيت ومنها :-

–           ضريبة المواشي (الكودة) رقم 14 لسنة 1930

–           ضريبة المذياع (الراديو) رقم 59 لسنة 1938

–           ضريبة الطوارئ رقم 7 لسنة 1940

–           ضريبة الارباح المفرطة رقم 14 لسنة 1940

–           ضريبة الاسماك المصدرة رقم 29 لسنة 1941

وفي العهود الجمهورية استمر العمل وحتى الان بضرائب محدودة اهمها :-

–           ضريبة الدخل

–           ضريبة العقار

–           ضريبة العرصات

كما استمر العمل برسوم متنوعة منها :-

–           الرسوم الكمركية

–           الرسوم العدلية

–           رسوم تسجيل المركبات واجازات السوق

–           رسوم منح اجازات السلاح وتجديدها

ومع ان الضرائب على التركات من اقدم انواع الضرائب المعروفة عند قدماء المصريين وفي الدولة الرومانية ، وعرف العراق ضريبة المواريث كضريبة مهمة اثناء الخلافة العباسية وفي العهد العثماني لكن المشرع العراقي في العهد الملكي تردد كثيراً في تاييد محاولات متعددة لفرض هذه الضريبة ، ولم يكن نصيب تلك المحاولات الا الفشل .

وقد استعرض المرحوم الدكتور عبد العال الصكبان تفاصيل تلك المحاولات الفاشلة برسالته (الضرائب على التركات) في الصفحات من ( 89 الى 105) .

ومن الجدير بالذكر ان اغلب احزاب المعارضة الوطنية في العهد الملكي كانت تطالب باصلاح النظام الضريبي في العراق وفرض ضريبة على التركات .

فعلى سبيل المثال تضمن برنامج حزب الاستقلال في (السياسة المالية) انه يرى ان الضرائب ليست واسطة لتغطية مصروفات الدولة فحسب ، بل هي ضرورة حتمية يحفظ كيان الدولة الاجتماعي ، ومن مقترحاته : (ان تفرض ضريبة تصاعدية على الدخل والتركات الكبيرة) ، ((الدكتور عبد الامير هادي العكام – تاريخ حزب الاستقلال العراقي – منشورات وزارة الثقافة والاعلام – الجمهورية العراقية – بغداد – 1980 صفحة 44 – 45)) .

كما تضمن منهج الحزب الوطني الديمقراطي في (الناحية الاقتصادية) تقليل الفوارق الاقتصادية وبفرض الضرائب المتصاعدة المباشرة على اصناف الدخل كافة وعلى الارث . ((الدكتور فاضل حسين – تاريخ الحزب الوطني الديمقراطي – مطبعة الشعب – بغداد – 1963 – صفحة 35 .

وكان من ثمار ثورة 14 تموز 1958 صدور قانون ضريبة التركات والمواريث رقم 157 لسنة 1959 .

وواضح عندنا للفلسفة الاقتصادية التي تنتهجها الدولة تاثير جوهري في سياستها الضريبية والمالية . فالعهد الملكي كان يراعي مصالح الاغنياء اولاً وقبل مصالح الفئات الاخرى من الشعب على عكس العهد الجمهوري الذي وضع مصالح الفقراء اولاً ثم مصالح الطبقات الاخرى . وقد اوضح المشرع العراقي ان الغرض الاساس من فرض ضرائب التركات والمواريث هو تقليل الفوارق في الثروات مابين افراد الشعب تدريجياً .اما الغرض المالي . أي الحصول على موارد للدولة فانه ياتي بالدرجة الثانية ، بمعنى ان المشرع رجح الهدف الاجتماعي من ضريبة التركات على الهــــدف المالي .

ويبدو ان الادارة المالية العراقية واجهت مشاكل متعددة اثناء تطبيق هذا القانون ، ومن تلك المشاكل الادعاء بان ضريبة التركات تعرقل تشجيع الاستثمارات في التنمية الاقتصادية ، مما دفع المشرع العرقي الى تعديل قانون ضريبة التركات والمواريث بالقانون رقم 17 لسنة 1961 ، واهم مسوغات التعديل هي الرغبة في ازالة العقبات امام تشجيع استثمار رؤوس الاموال في المجالات التي تخدم الاقتصاد القومي ، ولاسيما في حقلي الصناعة والاعمار .(الاسباب الموجبة للقانون رقم 17 لسنة 1961) . وفي سنة 1966 الغى قانون ضريبة التركات والمواريث رقم 157 لسنة 1959 المعدل وحل محله القانون رقم 7 لسنة 1966 .. ثم الغى هذا القانون كذلك بموجب القانون رقم 64 لسنة 1985 … وهذا القانون الغى كذلك بالقانون رقم 22 لسنة 1994 … ولم تعد ضريبة التركات قائمة في العراق منذ عام 1994 . …

وجاء في الاسباب الموجبة لصدور قانون الغاء ضريبة التركات رقم 22 لسنة 1994 هي التخفيف عن كاهل المكلفين بما ينسجم والظروف الاقتصادية الراهنة ، وتمكين الورثة من الافادة من تركة مورثهم . ((راجع الوقائع العراقية رقم 3532 في 17/10/1994)).

  والان يحق للقارئ الكريم ان يسال عن اهمية اثارة موضوع (ضريبة التركات) في العراق بعد ما يقارب العشرين سنة عن الغاء هذه الضريبة فيه ؟

الجواب هو قناعتنا بان موضوع الضرائب ودورها في اقامة العدل الاجتماعي وتحقيق التنمية المستدامة سيبقى مهماً ، وسيتصاعد بمرور الزمن لعدة اسباب عالمية وقومية ووطنيـــــة هي :-

اولاً :- تنامي دورمنظمة التجارة العالمية في العلاقات الاقتصادية الدولية وهذه  المنظمة تفرض على الدول التي انضمت او التي ترغب بالانضمام اليها سياسة مالية وضريبية جديدة تخالف السياسة الضريبية التقليدية التي تعتمدها الدول النامية ، ولاسيما ما تدعو اليه منظمة التجارة العالمية من مبدأ الالتزام بالمعاملة الوطنية . أي معاملة رعايا الدول الاخرى معاملة لا تقل افضلية عن المعاملة التي يتلقاها مواطنوها ، ومنها المعاملة الضريبية .

ثانياً :- عناية مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بموضوعات الضرائب والرسوم بين الدول العربية وبخاصة بموجب :-

–           اتفاقية التعاون في تحصيل الضرائب والرسوم الموقعة بين دول مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في 6/12/1998 .

–           اتفاقية الازدواج الضريبي ومنع التهرب من الضرائب المفروضة على الدخل وراس المال بين دول مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الموقعة في 3/12/1997 .

–           قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية في 17/شباط/1997 بشان البرنامج التنفيذي لاتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية الذي وضع سقفاً زمنياً (عشر سنوات) لالغاء الرسوم الكمركية والحواجز غير الضريبية.

ثالثاً :- اعتبارات وطنية عراقية اهمها :-

1-         توصيات خبراء اقتصاديين عراقيين بضرورة معالجة الاختلال المالي عن طريق استبعاد الاستثناءات والاعفاءات الضريبية بما يؤمن ايرادات ضريبية حقيقية للميزانية واعادة النظر في الاعفاءات الضريبية . (وثائق المؤتمر العلمي العاشر لجمعية الاقتصاديين العراقيين – منتصف اذار 1997 – بغداد) .

2-         الارتباك الذي تعاني منه السياسة الضريبية في العراق في الوقت الحاضر الناتج عن :- أ-)   الحصار الجائر الذي فرض على العراق منذ عام 1991 ودفع السلطات التشريعية الى تعديلات متلاحقة للضرائب والرسوم .

ب-)       قرارات السفير بول برايمر بعد عام 2003 التي زادت الارتباك الضريبي واعفت من الضرائب جهات اجنبية تعمل في العراق بدون مبررات وجيهة، وبخاصة بموجب اوامره المرقمة 12 و 37 و 38 لسنة 2003 و 49 و 70 و 84 لسنة 2004 .

3-         اوجب دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة (28) منه :-

أ-)         لا تفرض الضرائب والرسوم ، ولا تعدل ولا تجبى ، ولا يعفى منها ، الا بقانون .

ب-)       يعفى اصحاب الدخول المنخفضة من الضرائب بما يكفل عدم المساس بالحد الادنى اللازم للمعيشة ، وينظم ذلك بقانون . ومن المؤسف ان هذا القانون لم يصدر حتى الان ……….

4-         استمرار العجز في الميزانية العراقية السنوية ، وبمبالغ كبيرة ، على الرغم من الزيادات الهائلة في الواردات النفطية ، وذلك بسبب التوسع في النفقات العسكرية والامنية والاستهلاكية والزيادات في الرواتب والاجور والمخصصات الى جانب الديون الناجمة عن التعويضات المفروضة بقرارات دولية .

 مما يوجب التفكير والعمل جدياً باعتماد سياسة ضريبية جديدة تدعم واردات الدولة وتحقق عدالة في توزيع الدخول بما يحسن احوال اصحاب الدخول الواطئة ويلزم اصحاب الدخول العالية بالاسهام الوطني في توطيد العدل الاجتماعي والسلم الاهلي …… وهنا يظهر الدور المهم لضريبة التركات بتحقيق الاهداف الاجتــــــــــماعية للسياسة الضريبية .

 ((للمزيد من التفاصيل راجع دراسات عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي – الضرائب والعدل في العراق – جريدة الزمان – 5/4/2009 صفحة(15) + التهرب الضريبي .. تحليله ومعالجاته – وزارة المالية – الهيئة العامة للضرائب – وثائق المؤتمر العلمي الضريبي الاول – تشــــــرين الاول / 2001 – بغداد)) .