فشل النموذج – محمد عبد الجبار الشبوط

فشل النموذج – محمد عبد الجبار الشبوط

لم تعد أزمة النظام السياسي في العراق قابلة للتفسير عبر الأشخاص أو الأحداث أو حتى عبر توازنات اللحظة، بل باتت أزمة نموذج كامل في إنتاج السلطة، نموذج قام منذ 2003 على فكرة التوافق والمحاصصة، وأثبت مع الزمن أنه عاجز عن إنتاج دولة مستقرة أو حكومة فاعلة أو مسار سياسي قابل للتطور.

لقد كشفت التجربة بوضوح أن الأحزاب الكبرى، رغم حضورها الانتخابي، لم تتحول إلى أحزاب حاكمة، بل بقيت أطرافاً في عملية تفاوض مستمرة، فيما أُسندت رئاسة الحكومة إلى شخصيات لا تمثل هذه الأحزاب تمثيلاً تنظيمياً مباشراً، مثل عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني واخبرا علي الزيدي، وهي ظاهرة لا يمكن فهمها إلا بوصفها نتيجة طبيعية لبنية النظام نفسه، لا لانحراف عابر فيه.

هذا النموذج يقوم على منع الحسم، لا على إنتاجه، وعلى توزيع السلطة، لا على تركيزها، وعلى إدارة التوازنات، لا على قيادة الدولة، ولذلك فإنه يفرز بالضرورة “مرشح التسوية”، أي الشخصية التي لا تملك من القوة ما يكفي لفرض برنامج، ولا من الاستقلال ما يسمح لها باتخاذ قرار حاسم، فتتحول رئاسة الحكومة إلى موقع لتدوير الخلافات، لا لحسمها.

في ظل هذا البناء، تفقد الانتخابات معناها الجوهري، لأنها لا تؤدي إلى تشكيل حكومة على أساس الفوز، بل تتحول إلى مجرد مرحلة أولى في عملية تفاوض طويلة، تُعاد فيها صياغة النتائج داخل الغرف السياسية، وهنا ينفصل جوهر الديمقراطية عن آليتها، فيبقى الشكل وتغيب الوظيفة.

نتائج بنيوية

إن أخطر ما في هذا النموذج أنه يفصل بين السلطة والمسؤولية، فالجميع يشارك في السلطة، لكن لا أحد يتحمل المسؤولية كاملة، وبهذا تنتفي إمكانية المحاسبة، لأن الناخب لا يعرف من يحاسب، ولا على أي أساس، فتضيع العلاقة بين القرار والنتيجة، وبين الحاكم والمحكوم.

وقد أدى ذلك إلى نتائج بنيوية واضحة: إضعاف العمل الحزبي، لأن الفوز لا يقود إلى الحكم، تشويه العملية الانتخابية، لأنها لا تنتج سلطة حقيقية؛ تعطيل التنمية السياسية، لأن البرامج لا تحكم؛ وهشاشة الاستقرار، لأن كل حكومة هي تسوية مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار.

غير أن الوقوف عند هذا التشخيص، مهما كان دقيقاً، يبقى ناقصاً إذا لم يُقترن بحل جذري يعالج أصل الخلل، لا أعراضه، وهذا الحل يتمثل في استبدال قاعدة “التوافق” بقاعدة الأغلبية المطلقة (50بالمئة + 1) بوصفها الأساس الوحيد لتشكيل الحكومة.

بموجب هذه القاعدة، تتولى الكتلة أو التحالف الذي يحصل على الأغلبية المطلقة في البرلمان تشكيل الحكومة، ويكون رئيس هذا التحالف هو رئيس مجلس الوزراء حكماً، مع الالتزام بأن يكون من داخل البرلمان المنتخب، لا من خارجه، وبذلك تُربط السلطة مباشرة بالإرادة الانتخابية، وتُلغى المسافة التي صنعتها التوافقات بين الناخب والقرار.

هذا التحول لا يغير فقط آلية تشكيل الحكومة، بل يعيد بناء النظام السياسي كله، لأنه ينقل العراق من “ديمقراطية التوازنات” إلى “ديمقراطية النتائج”، حيث يصبح الفوز الانتخابي طريقاً للحكم، والخسارة انتقالاً إلى المعارضة، لا إلى المشاركة القسرية في السلطة.

كما أنه يعيد الاعتبار للعمل الحزبي الحقيقي، لأن الأحزاب ستسعى إلى تحقيق أغلبية واضحة عبر برامج وتحالفات معلنة قبل الانتخابات، لا عبر صفقات لاحقة، ويؤسس في الوقت نفسه لمعارضة برلمانية حقيقية تراقب وتنتقد وتستعد لتقديم بديل.

إن حكومة الأغلبية المطلقة لا تعني إقصاء الآخرين، بل تعني وضوح المسؤولية، ولا تعني الاستبداد، بل تعني إمكانية المحاسبة، ولا تعني كسر التوازن، بل تعني إنهاء الفوضى التي تُدار باسم التوازن.

وبغير هذا التحول، سيبقى النظام السياسي يدور في الحلقة نفسها: انتخابات لا تُنتج حكماً، وسلطة لا تُنتج قراراً، ودولة لا تُنتج استقراراً، أي استمرار فشل النموذج، مهما تغيّرت الوجوه والأسماء.