عيونُ ماما
حنان الدرقاوي
ماما عادت نحيفة ومتصلبة الوجه فبرزت أسنانها البارزة أصلا أكثر فأكثر، لهذا فهي تقضي يومها نائمة، تتناول حبات البيرنابول، تنام وتشخر وحين تستيقظ تأكل كبقرة ثم تخرج إلى الرباط للبحث عن فتى الأحلام. ولأن القريب ماما تحمل على ظهرها مسؤولية تحسين النسل في العائلة فقد أقسمت أن تتزوج من فتى لا يعاني من قصر النظر حتى ولو كان متسولا. المهم أن يكون نظره عشرة على عشرة.
لم تكن العائلة تعير اهتماما لتصرفاتها، فالكل تعب من عنوستها. حان وقت تزويجها ولا أحد يتقدم لخطبتها لهذا يعول الجميع على جهودها الخاصة في البحث عن عريس الغفلة. يسمح لها بالخروج وبتناول حبات البيرنابول التي يشاع أنها تساعد على السمنة ويسمح لها بالنوم وحتى بعدم مساعدة أمي في أشغال البيت.
تعاني ماما من قصر نظر شديد لهذا تضع نظارات سميكة تجعل عينيها تبدوان صغيرتين جدا، بالإضافة إلى هذا فهي حولاء وأسنانها صفراء نتنة.
من أجل تدعيم جهودها في البحث عن العريس استدعى أبي مجلس العائلة للانعقاد والتداول في شأن عنوستها واتخاذ التدابير اللازمة من أجل حل هذه المعضلة.
كان مدعوا للمجلس العم الكريه بطبعه والعم الأخر وهو شخص مسالم وسلبي يعتذر دائما بلباقة عن أية مسؤولية عائلية.
انعقد مجلس العائلة ذات يوم من صيف 1998. تحدث أبي بحماسته المعهودة وأقنع الجميع بضرورة الاستثمار في عدسات لاصقة تغني القريبة ماما عن النظارات السميكة. وافق الجميع لكنهم عادوا واختلفوا حين تعلق الأمر بدفع مصاريف العدسات اللاصقة. العم ذو الطبع الكريه قال
ــ أنا لا يعنيني الأمر، لتتزوج أو لتبقى عانسا طوال الدهر
العم الأخر بلباقته السَّلبيَّة اعتذر قائلا
ــ أنا أتحمل مسؤولية أمي وأختي وأولادها ولا أستطيع الالتزام ماليا.
بدا واضحا أن أبي وحده سيدفع مصاريف العدسات اللاصقة. لم يرق الأمر لأخي الذي كان ينتظر منذ ثلاثة عشر عاما أوان تغيير نظاراته التي صار إطارها صغيرا على وجهه وصار يشعر بألم في قصبة أنفه بل كلما أزال نظاراته بدت حفر عميقة في أنفه.
أخي ابتلع مرارته وقال
ــ على الأقل العدسات اللاصقة قد تعطي ثمارها. قد تجد القريبة زوجا ونتخلص من عبئها.
انتهى مجلس العائلة كما العادة إلى مشاجرة ومغادرة العم الكريه بطبعه البيت صافقا الباب وراءه.
فتح أبي حافظة نقوده وعدها ليرى ان كان يستطيع دفع ثمن العدسات.
تقرر أن تذهب القريبة عند طبيب العيون يوم الاثنين الموالي. عند طبيب العيون، ارتبكت واختلطت الحروف على عينيها الصغيرتين. ارتبكت لدرجة أنها لم تستطع قراءة السطر الأول من الحروف التي على السبورة الزجاجية للطبيب، لهذا كان الطبيب يضيف في كل مرة درجة أعلى في النظارات السوداء التي يستعملها لقياس درجة قصر البصر.
عادت ماما بوصفة طبية من عند الطبيب السي القادري طبيب عيون العائلة فالكل في عائلتي يضع نظارات طبية وهذا يخلق مشكلات حقيقية خاصة حين نستيقظ صباحا ويعلو الزعيق لأن لا أحد يجد نظاراته. ذات يوم ذهبت إلى المدرسة وفي محفظتي نظارات أخي الصغير فقد وجدت صعوبة كبيرة في فك طلاسم السبورة. نهرني المعلم وهددني بالفلقة لكنني قلت بلساني السليط جدتي كانت دائما تعايرني بلساني السليط قلت للمعلم إنني سأشكوه إلى أبي الذي كان مفتشا. خاف المعلم ونصحني بحمل نظاراتي على الدوام وأن أضعها قرب سريري قبل النوم. المعلم لا يعرف أنني لا أتوفر على سرير بل أنام مع إخوتي في غرفة الجلوس وهي غرفة الأكل وغرفة التلفزيون في نفس الآن.
ارتدى أبي أحسن بذلاته، حلق ذقنه وتعطر وقال للقريبة ماما أن تتهيأ وأن تجمع شعرها الأسود الطويل. أبي يخاف من شعر النساء، لهذا أمر أمي بقص شعرها الطويل الذي كان يصل إلى ركبتيها حين تزوجته، كما كان يأخذنا عند الكوافيرة لنقص شعورنا كالذكور أختي وانا. أحتفظ الآن بشعري طويلا نكاية بأبي.
ذهب أبي بماما عند جانو اليهودي بائع النظارات في شارع محمد الخامس بالرباط. دفع الألفي وخمسمائة درهم ثمن العدسات اللاصقة.
قامت بأول تجريب للعدسات، تجريب دام نصف ساعة أحست خلالها العمة بالدوار وبدوخة شديدة كما تقيأتْ في الحافلة رقم 17 التي عادت بها من الرباط إلى تمارة حيث نقطن.
أبي لايملك سيارة رغم وظيفته المرموقة. الحقيقة أن أبي يبذر أمواله في المقاهي وشراء الكتب والجرائد وفي الشرب وفي استضافة أصدقائه العديدين حتى أن بيتنا يشبه الزاوية أو السوق بمعنى أصح. أبي يفضل اسم الزاوية.
في الزاوية الدرقاوية أقصد بيتنا يمكنك أن تلتقي رفاقا يساريين وأخوات مسلمات يزرن أمي أو قريبا مريضا جاء للاستشفاء أوأفراد عائلة بعيدين أتوا إلى العاصمة من أجل أوراق إدارية أو عمال بناء يقطنون معنا لحين إيجاد سكن في ورشات عملهم. كان علينا نحن الأطفال أن نجد وقتا لطفولتنا وسط هذا الحشد الهائل من الضيوف والزوار والمستقرين. بعض الزوار يجلبون السكرالذي على شكل هرم والملفوف بغلاف أزرق والبعض الآخر يأتي بأياد فارغة لكن لم يحدث أن احضر أحد الضيوف هدية للأطفال.. لكن حدث أن جاء بعض الضيوف وكانوا بالصدفة نصارى يقودهم خالي الذي لقب نفسه بـجو وانتهى سكيراً في مدينة بجنوب فرنسا، أحضروا دمية لي ولأختي وهي الدمية الوحيدة التي أذكرها في حياتي وهذا ترك لدي تعلقا بالدمى ولازلت أواظب على شرائها واللعب بها حتى الآن وهو شيئ محرج لأن غرفة نومي تعج بدمى من كل الأحجام.
أعود إلى القريبة ماما فقد واظبت على زيارة جانو لتجريب عدساتها الطبية وفي كل مرة كانت تشعر بالدوار وبالدوخة وتتقيء في الحافلة أو البيت بعد عودتها من رحلاتها المكوكية بين الرباط وتمارة.
مضى شهران وهي تجرب وكل يوم يسألها أبي
ــ أين عدساتك اللاصقة؟
ــ لا زلت أجربها لكنها لا تناسبني.
يغضب أبي ويهدد بكسر الصينية،
ــ كيف لا تناسبك؟ دفعت فيها ألفي درهم ولا تناسبك؟
ــ لا عليك يا أخي البائع قال إن هذا طبيعي في مرحلة التجريب.
ينصرف أبي وأفكر في شأن قريبتنا هذه، شخصية غريبة الأطوار، عاشت بيننا طويلا منذ أن كانت في الابتدائية. كانت أمي من أعادها للمدرسة بعد أن سحبها عمي الكبر وهو الزوج الثاني لجدتي. كان شيخا صوفيا ولم يكن يرى بدا للدراسة وللتلقيح وأشياء أخرى من الحياة المعاصرة. الحقيقة أنها عاشت معنا زمنا طويلا دون أن نعرفها وأن تعرفنا. كان لها عالمها الخاص وعالمنا الخاص.
في بيتنا كان لكل واحد عالمه الخاص. أبي مشغول بعمله وبرفاقه، أمي مشغولة بالمطبخ والضيوف وأوامر أبي التي لاتنتهي والأطفال أقصد أخوتي وأنا نكبر كما اتفق وسط الزعيق المتواصل.
مضت ثلاثة أشهر وماما لا زالت تدس عينيها خلف الزجاج السميك لنظارتها الطبية التي تزيلها بمجرد نزولها من درج البيت لتبدو أجمل. الحقيقة لا شيء سيجعلها تبدو جميلة. يجب تغيير وجهها تماما ونحت جسدها بشكل آخر. الوحيدة التي كانت تجدها جميلة هي جدتي التي كانت تشيد بشعرها الجميل، ببياضها وبحلاوة ساقيها الممتلئتين قبل أن يأتي عليهما ظهر المهراز. في زمن آخر رفضت الجدة تزويجها من مهندس أسمر. من أجل إغاظة جدتي كنت أقول لها أن الدرقاوة ليسوا من آيت مرغاد بل لا شجرة عائلة لدينا وبالكاد ينتهي نسبنا الى أمكون بقرية إملشيل وهم ليسوا عرقا رفيعا. تغضب جدتي وتزمجر وتلعنني بكل الأسماء. تعايرني بأسناني البارزة وبلساني المشحوذ كسكين.
الجدة لم تفهم ماتفعله العمة كل يوم في مدينة الرباط، لكنها أدركت أن ما تفعله سيغنيها من حمل نظاراتها الطبية.
الجدة دائماً تكرر
ــ لو لم تعدها أمك للدراسة لكانت متزوجة الآن وأما لـ دزينة من الأطفال ولكانوا يركضون خلفها الآن. ماذا جنينا من الدراسة؟ ست سنوات بفاس ولا عمل ولا زوج وأتت الدراسة على كل لحمها وشحمها. ابنتي كانت سمينة وبيضاء. عادت نحيفة وصفراء من تلك المدينة اللعينة.
تلتفت إلي وتستطرد
ــ هذا كله بسبب أمك التي أعادت تسجيلها في المدرسة. أربع سنوات من الدراسة كافية لبنت.
ــ لكن جدّتي التعليم شيء مهم.
ــ ما أهميتها. ماذا جنيت أنت من الدراسة غير حب مجرم.
أنصرف عنها حين تصل إلى هذه النقطة وألتفت للعمة ماما
ــ هل أنت متأكدة من وصفة الطبيب؟ غير معقول كل هذا الوقت في تجريب العدسات اللاصقة.
أجابت بصفاء نادر
ــ عند الطبيب ارتبكت. أعتقد أنه وصف لي عدسات لا تليق بي.
أجهشت بالبكاء
ــ اختلطت الحروف علي وأربكني بفرنسيته، لو كان قد تحدث بالعربية لكنت فهمت كل شيء. ولو كانت الحروف الأوتوماتيكية بالعربية لفهمت.
ــ توقفي عن البكاء وفكري في أمر مواجهة أبي بالحقيقة.
ضاعت الألف وخمسمائة درهم وأخي سينتظر ثلاثة عشر عاما أخرى قبل تغيير نظاراته. ستحمل القريبة ماما نظاراتها الطبية ذات الزجاج السميك إياه ولن يلتفت إليها أحد وقد تندم جدتي على عدم تزويجها من مهندس أسمر البشرة.
/8/2012 Issue 4272 – Date 8 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4272 التاريخ 8»8»2012
AZP09


















