عملية جهادية

عملية جهادية

جلست ريهام ابنة التسع سنوات على الرصيف بالقرب من منزلها المتواضع في الحيِّ العتيق في بغداد العتيقة حيث تسكن كما في كل يوم تنتظر باص مدرستها لكي يقلَّها الى المدرسة . كانت تتكلم مع رفيقتها والنجوم تتراقص في عينيها وهي تضحك ما بين الكلمة وأختها ، لا تستطيع أن تحبس ضحكتها الطفولية مرةً ولا أن تُفهِمَ حتى مضمون حديثها المتقطِّع ما بين ضحكاتها وصرخاتها العالية .

وصل الباص متأخِّراً بضع دقائق عن موعده المعتاد في كلِّ يوم . صعدت الرفيقتان وهما تقهقهان عالياً .

هو الروتين اليومي ؛ لقد اعتادت عليه الفتاتان الصغيرتان فكانت هذه اللحظات في انتظار باص المدرسة هي اللحظات الفضلىات لديهما من كل ساعات النهار .

وكانت ما زالت ضحكاتهما تملآن الجو عندما دوّى صوتٌ رهيب عظيم ، خرجَ من أتون الصمت ، خطفَ اللحظة ، وخرق زغردات الفرح الطفولي ليبدأ البكاء والنحيب والصراخ والعويل من أطفالٍ لم يعرفوا ما الذي جرى تماماً في هذه اللحظة المهولة سوى أنَّهم رأوا الدماء والأشلاء تتناثر من رفاقٍ لهم صمتوا الصمت الأبدي وعيونهم ما زالت في صدمةٍ تشخص في المجهول .

وهرع الأطفال يتدافعون في رعبٍ الى باب الباص .. وماتت تلكَ القهقهات الجميلة ليحلَّ مكانها النحيب اليتيم والبكاء !..

كانت الطفلة ريهام التي كانت في أسعد أوقاتها منذ لحظاتٍ قليلة فقط تنظر غير مصدِّقةٍ عينيها الى نهرٍ من الدماء كان يجري من تحت قدميها الصغيرتين ، لم تكن تعرف مصدراً له ولكنها نظرت سريعاً الى رفيقتها في الانتظار الصباحي ، وتمتمت هامسةً :

” لمى حبيبتي ، قومي لنخرج ؛ هيا بسرعة تعالي .”

وفي لحظةٍ صًًُدِمَت من رأس صديقتها المنحني على بركةٍ من الدماء . لم تُرِد أن تُصدِّق عينيها .لم تعد تريد أن تنظر بعينيها .

” لمى حبيبتي ، ما الذي جرى ؟!!!”

كانت تصرخ بأعلى صوتها ولكن لم يكن يصدر منها أيّ صوت على الإطلاق .

كانت كمن كان يحلم بكابوسٍ وكأنّها في الحلم تصرخ من دون أي صوت كما كانت تحلم في أحيان كثيرة منذ صغرها .

كانت صديقتها الصغيرة صامتةً صمت الموت ، رأسُها متدلّي وهي تعانِق محفظتها التي ارتوت من دمائها الطاهرة الزكية .

ولم يجبها سوى أصوات الصراخ والبكاء والعويل فقط من حولها تمتزج بأنين الجرحى من التفجير المهول الذي أصاب باص مدرستها الذي كان أخضر بخضرة السلام وقلوب الأطفال الصغار فيه ، وقد أصبح اليوم أسود متفحِّماً ؛ وبدل أصوات الفرح والغناء وضحكات الأطفال صار يئنُّ بأصوات عذابات ودموع الاطفال الصغار ببراءتهم المستديمة حتى مع مشهد الدماء المُسالة هنا وهناك !.

كانت العيون جاحظةً من المُقَل لا تصدِّق ما ترى ، والحناجر تئنُّ من الوجع ، هذه تصرخ :

أريد ماما !.. وذاك ينوح : أبي ، أبي أين أنت ؟!! تعال خذني !.. وآخرٌ يحاول أن يفتح عيني صديقه الأعزّ بعدما أغمضتها جرائم سفّاحي هذا العصر !..

وريهام الصغيرة تنظر من حولها في حيرةٍ ، لم تكن تستطيع أن تتكلّم أو تُحرِّك قدميها من هول صدمةٍ قال الطبيب المعالج في اليوم التالي أنّها قد تطول عدّة أشهرٍ أو سنواتٍ إن طابت .

لم تكن تفهم ما يجري من حولها وماذا حصل .

ما سمعته في غرفتها في المستشفى في اليوم التالي كان أحاديث فردية من هنا وهناك ، من طاقم المستشفى ، ومن الناس من حولها يتحدّثون حول عمليّةٍ نفّذها أشخاصٌ يسمّون أنفسهم باسم عصبةٍ ( اسلاميةٍ ) جهادية ، ويكبّرون قبل تنفيذ العملية الإرهابية .

كانت تظنُّ أنَّ هذه الأشياء تحدث في فلسطين فقط وليس في العراق .

وكان المجرمون الذين قتلوا صديقتها لمى وبقية رفاقها الأطفال ، كما كانت تسمع من حولها ، يكبِّرون ، ويهلِّلون بالنصر

، وهم يتباهون على شاشات التلفزيونات بأشلاء ودماء الأطفال الأبرياء وبتـنفيذ العملية (الجهادية)!!..

أماني سعد ياسين – بغداد