
عدنان علي في قصائده
حرارة المشاعر وخزين الأفكار
حمدي العطار
لم يكن يسعى الى الشهرة ولا يحب المال ابدا، لذلك عاش مغمورا ، فهل في هذا شيئ من النقاء او نقص في الذكاء حينما لا نستغل الامكانيات والمواهب التي نملكها ،ونجعل الفرص تذهب الى من لا يستحقها ، هذه بداية حكاية الشاعر المغمور (عدنان علي)
“الشاعر أعزل / إلا من عينين واسعتين/ وفكر ثاقب/ أنه يحتمي بقصائده الثرة/ وقميص أبدي/ وباقة أزهار النرجس/وحمامات تعلو في ساحة الطيران (بعيدا عن السماء الأولى) سماؤه التي أحبها بجنون / وكراس شعري/ يعنون أبديته/ الشيوعي الأخير”
الصوفية تبحث عن الشاعر
“سقطت تفاحة ظني” ديوان (عدنان علي) الصادر سنة 2017 من دار ومكتبة الحنش ،يقع الكتاب في 104 صفحة ويضم 40 قصيدة،في كلام لا يشبه الاهداء وبعيدا عن الافصاح التام عن مضمون ديوانه ،يقتبس شاعرنا المقولة للصوفي (أبو يزيد البسطامي) “نظرت اليه بعين الحق/ فقلت: من هذا؟ / قال: هذا لا انا ولا غيري” يبدو لي الشاعر قادر على تقديم قصائده معتمدا على التشبيهات والاستعارات الصريحة ،فتحس بالكثير من المعاني والايحاءات وتتمنى ان لا تنتهي القصيدة بهذا الاختزال فلا تملك الا اعادة قراءتها، ففي المقطع الاول من قصيدة (صباح الفراشة) نجد على الرغم من القصيدة القصيرة جدا الا ان فيها الكثير من التشبيهات والايحاءات والاشارات التي تكشف لنا جمالية البناء المعماري لشكل القصيدة:-
الان …/ في هذا الصباح المعتم / وأنا قريب من الصحو/ قريب من رفيف الفراشة / ترى …. /اية اجوبة سينساها المعتمدون / غير الهة واطئة الالق / ومفاتيح صدئة / وابواب تخشى البرد؟
أهمية النفي
عدنان علي كشاعر وأنسان تتلمس فيه الضعف البشري،فلا ضير أن يجد ضالته في الانتماء الى اليسار الثوري الرومانسي، ويتخد من السرديات العالمية منفذا للتخلص من هذا الضعف ولأكتساب قوة المعرفة ،وتبرز ملامح هذا الانتماء في قصائده، لكن الالم والمرارة تلاحقه وهو منفردا وحتى في وسط (جماعته) فماذا يفعل غير الرفض وأستخدام بلاغة السلب وأدوات النفي، التي تراها كثيرة منتشرة بين أشعاره !
وفي ديوان (سقطت تفاحة ظني) قمنا بمسح لهذا النفي الرافض للاستسلام والذي يشكل أدانة للاخطاء التي وقع فيها الشاعر ومن ينتمي اليهم!
“أنت …/لم ترم شباك وجهك خلسة / لم توقظ الانين / ولم تستر مئذنة / ومعابد أيلة للمباهج/ أنت … /لم تر غير حلمي معفرا”ص8 “لن تمسح تاجا / أو توقظ سرير الرمل” ص10 “لن تنجو فراشات الظلال/ ولن توقد نار الشهية أو راحة الزوال ص11 “لا تثق بالأماسي/ الحمائم اوقدت ضفائرها، والرغبات/ لا تثق بالنصال / فموائد النسيان عاجزة في الظهيرة”ص13 “لم يثقل العشب غابته/ أو غاية الانين” ص21
“لا تسكن مفتاحك في المجهول / الابواب مقفلة والنوافذ”ص22 “لم يسرقني الامناء الاخوة/ سوى كلي”ص29 “لا ماء في البئر ولا يوسف/آه لمواجن روحي” ص32 “لم تعرف المدية الزرقاء ورد براءتي /…. ما زال يومي عاريا بين السلاسل والطيور/ ما زالت الناس حشودا من ظلال” ص33
“ويداي تغرق في مياهك/ولا مياه/ ويداي عاصفة احتجاج” ص35 ?”يغادرني بعضي/ غير عابئ بوصولات الطفولة/او حقوق الطبع/او دين المسرات/غير عابئ بهلاكي في الحضور”ص 36
“لا تختم اراءك بالنصل/ ورائحة الورد” ص 40 “لا ترم احزانك للسهرة/ لا تشرب غير لقائك”ص41
“لم تزهر اغانيها الميتة في التمهل/ لماذا قبلت بروعنة ضفاف الشاطئ/وارتمت في السكون؟” ص42
“العصفور يراقب../ العصفور يطير/ لم يشرب قطرة ماء/لم يدخل قفصا مملوء مكائد/لم يجتر مداه/ طار بعيدا/ لم ينظر خلفه/ بفضاء واسع، وجناح حديد” ص 45 “لا تنظر الى يديك/ ولا تجفف رؤيتي بغيابك”ص46 “انا ../ نور الوصل وسدرة اليقين/ فلا تنظر الي بمرآة/ ولا تشيح/فتعنف وصاياك”ص67
“لا تستظل برؤيتي /وهديل مسبحتي../ انت عينان مفتوحتان/ فلا تكتف برحيقي/ وكرامات معجزة هرمه”ص68 “أنت لم تنحاز عورتك القديمة/ ولم تزهر حنين/انت من أعلا الفخاخ/ وحنط القنص سرابه/ ولا تزيد.. من شجني غيابك/ والا تزيد../تقلب وسعك في الانداد/ وتلم وجهك في الضياع”ص69 ” لا اعرف من صحبي/ غير صديق لا اعرفه”ص70″الرسام القابع في لوحته/ لم يزن الالوان/ فتهدل كتف الفكرة/وسأل وسام العشب على خضرته /انه لم ير غير طفولته مهشمة/كشعيرات الفرشاة”ص74?” لم تغير من الوانها،وازيزها القزحي/ لم تخطئ مرعى،او حقل زهور/انها كأي حصان أعمى/ ونهايات لسحب واشرعة موهومة/لم تفزع طفلا/ او تهرس عذراء” ص75″لا تنزف صمتك وتضيء يدي / في حصاة”ص78 “لن تفقد حيازتها خجل الشرائع/ او تسلخ هدير اغانيها عفونة المساءلات…/ لن تحرق يوما فراسة القرون/أو تمحو رائحة العنفوان”ص79″ لفاتنة كنزيف الابوة أو اكليل عناق مرتبك/ لم يرسمها الحلم ساقية/ولم تدعها المباهج راضية”ص82 ” ان لا أسامر هدأتي بالغيب/ أو الغي تجليها/((لا سرير جاهز للوقت،)) فالعشب ذاب بضوئه، لا الشمس نافعة ولا الجذر استفاق”ص83″ الوقت ليس صباحا/ وليس ضروريا أن يشع ثمارا”ص84 ” لا تمسك طين مسراتك رخوا،فإنك تصنع نهايات مفزعة/وتلم بماض متعثر/واصنام يملؤها التيه”ص87 ” لن يلوذن برائحتي ونزهة صقيعي/ولن يقبلن مسائي”ص89 ” لن تجدي غير ليال شاحبة/ وانتظار غادر حينه/انت شتاء الرغبة، اكسير التوجس/ طافحة بالعويل”ص 90
“لن تأتي فاضحة غسقي/ ولن تذوق جدائل ودي وصلاتي/انها مملكة رافضة وصولي الغامض/وعناوين ضفاف التوت/ ربما تمتلك وصية صدق/ووفرة من نوافذ الهشيم/ ربما هي راية مسلوبة/ وامجاد كاذبة اليقين”ص100
ملحمة الشاعر
أختار الشاعر عدنان علي عنوان لديوانه وهو عنوان لقصيدة ملحمية تتكون من خمس مقاطع اطلق عليها عنوان فرعي (مكتمل بخرابي) اي ما حدث يبدو في رؤية الشاعر ناقصا إذا لم يضاف اليه خاصته من (الخراب)
أوراق الكشف
في المقطع الاول (اوراق الكشف) يقدم الشاعر أوراق اعتماده للمتلقي هل من اجل التعريف بسيرته الذاتية او من اجل الاعتراف بالذنوب او لكسب عطف المتلقي بما اصاب الشاعر من الم وعذاب واحزان ” من قتل الرجل/ من طعن المعنى/ ولاذ سواحل مبهمة وطواطم/ الملائكة والقطط السود/ ورائحة التبتل/ طريق لمحار الظلال/ كان الرجل في الستين من القاع/ رأيناه لأخر مرة في طوس/ ونسيج الصوم على كتفيه / شعلة ترتيل وشكوك خامدة / كان الطير يرحل بين يديه/ ويغذو الخطو نهارا/ المعصم ساقية/ وفيض من بلور/ كان حزينا/ كمسافات فائقة الود/ وكان الليل طويلا كحبال مفزعة”
أغصان الفيض
في هذا المقطع يحاول الشاعر ان يحلق في فضاء ليقدم الكثير من الرؤى ويفصح عن حجم المعاناة واتساع العذاب، وهو من الشعراء الذين يتناسبون طرديا مع شدة الحزن فيكون الشعر عندهم من نسيج الالم،في هذا المقطع يبدأ في استهلال عنوان الديوان (سقطت تفاحة ظني) وهنا تنسحب الكلمات مثقلة بأحزان الشاعر ((أعداء يكيلون المدح)) “سأقايض الوردة / عوسجها / والامل المخبوء/ الامل المسجى في اصداف الحيرة/ فانا وجع لون اللذة/ والبهجة/ ماثل في لوحة الغبار”
شجر الالهام
يتميز عدنان علي بقدرته على تنويع الايقاعات الشعرية مع المحافظة على وحدة الموضوع ، ففي المقطع الثالث ينحو نحو طرح الاسئلة الفلسفية عن الوجود ومبررات الاستمرار في ظل التلاعب بترتيب الغرائبية بالكلمات “العقيدة بلهاء رثة/ والاشكال تأخذ أمراضها/ في العيون/ كنت وحيدا وكان النهد/ يدق تعددي/ يرسم في الصدغين دوائر/ومثلث اقنى/ انثى في زاوية النص/ حافية في غرفة الحرف الكسول/ فوق اسلاك جنائني/ الشائكات نعومة/ وفي الصلاة اصابع/ ومسرة/ ولى اللهاث/ كنت وحيدا/ هل نبقى معا؟/جوع في سافلة البئر الحصين/ ووحشة انتظار/ والصبر قصير مقطوع/ وكان الوزن على بحر افل/ احن لسيف البهجة/ واقعي تحت النهدين/ يدين/ سأشيع هطول أباطرة/ والمس ضجة القناع/ ونثار سرائري/ وطيش الكلمات”
خلوة الوجد
الشاعر يصيغ صوره الشعرية بشكل مجهري حتى يكشف للمتلقي اعمق المشاعر،وحينما نسجل في قصائده الاسئلة هي ليس لغرض المعرفة وهي ايضا من الاسئلة التي لا تحتاج الى اجابات محددة بل هي اسئلة تستفز الراكد من المشاعر ” من اوقد صحراء النار الكبرى؟/ وحرائق قلبي/ يا لخساراتي العشر/ وغربة روحي”
ومن الواضح ان هذه الملحمة قد كتبها الشاعر وهو في جنوب ليبيا حيث كان يعمل سنة 1996 في مدينة اوباري،وعلى الرغم من ان هذه المدينة تنتمي الى صحراء ليبيا الواسعة الا انها من المدن التي تشتهر بالسياحة الطبيعية والتاريخية،وهناك تجد التنوع التضاريسي والاجتماعي (العرب والطوارق) وتسمى واحة اوباري وفيها تجد بحيرات قبرعون وام الماء ،كما فيها الجبال والمرتفعات وتتميز اوباري بطيبة اهلها.
“منذ قرون مات الصبح على ندمي/ وافسد تاريخ النوم قطاتي/ تثاقلت سكون الاقطم/ وسور محبته/ حتى اخضر لهاثي/ قلت امض/ يا ممنوع الارض/ فالورد الزعترفي جعفره/ والضوء رويدا يغرق/ واللوحة لن تكتمل ابدا/ نمو غارقة في الخلق/وحب التكـــــــــــــــــوين الآيل/هل اعجم وصلي ام ادنو مبتعدا عني ام ادخل بيتي مفزوعا برطل الاقفال/ وشارات السيو/ وكف ابني علي؟”
وبعد ان تنهي قراءة ديوان “عدنان علي ” – سقطت تفاحة ظني- هل تلوم نفسك لأنك لم تسمع من قبل بهذا الشاعر الذي يبدو هو قابع في زوايا الزمن الجميل بينما القطار يلتهم محطات الرفاهية والبذخ في عوالم التواصل الاجتماعي وثقافة الاستهلاك في الموالات والمطاعم! قلت لأحد إصدقائي هل تعرف (عدنان علي) اخرج الموبايل ليرني بإنه قد حجز اسمه بهذا العنوان (عدنان الشاعر)!!
























