
عبد الناصر والعلاقة بين الأصالة والتجديد – حسن عاتي الطائي
في خطابه التاريخي في الخامس والعشرين من نيسان عام 1968 تحدث القائد المعلم جمال عبد الناصر الى المثقفين في جامعة القاهرة حديثا صريحا اثار فيه العديد من القضايا الفكرية الجوهرية التي تخص الثقافة العــــــربية والمثقفين العرب والعلاقة بين السياسي والمثقف.
وما الذي ينبغي على المثقف العربي القيام به بوصفه القوة الاساسية والعنصر الاكثر وعيا بما يدور حوله والاكثر قدرة على الاضطلاع بالدور الاستثنائي الذي يتحتم عليه القيام به في ظل ظروف معقدة ومتشابكة كالظروف التي تمر بها امتنا العربية حاليا .في خطابه ذاك حدد القائد المعلم مسؤولية المثقف العربي بشكل واضح لا لبس فيه ولا غموض واعطى للثقافة بعدا ندر ان اعترف به قائد سياسي عربي في سدة الحكم .وكان ابرز ماحدده مايلي:
1- ان الامة العربية تمر في مرحلة تحول وان الطابع الوحيد الذي يمكن السمة العامة لهذا التحول هو الثورة والتغيير وان هذا التغيير ليس انعزالا ولا عزلا بل هو قوة اشراك ومشاركة وهذا يعني ان الاشراك يجب ان يكون شــــاملا وعاما وليس تغييرا جزئيا او سطحيا…
ومن اجل ذلك لابد ان يشارك فيه جميع المثقفين الذين يؤمنون به مهما اختلفت اتجاهاتهم وولاءاتهم
2- ان الفكر هو بحث واجتهاد يخطئ ويصيب كذلك الانسان من حيث هو مفكر وان العلاقة بين الفكر والعمل جدلية ولافكاك منها.
3- ان المثقفين هم الطليعة القيادية وان هناك ارتباطا حركيا وثيقا بين الثقافة والسياسة وليس هناك موقف سياسي فعال ومؤثر اذ لم يكن وارءه فكر حقيقي يعاون ويسند ذلك الموقف السياسي.وهنا يعتبر عبد الناصر العمل السياسي ابداعا ثقافيا باعتبار ان العمل السياسي وحده عـملية محدودة دون غطاء ثقافي مؤكدا ان المثقفين هم القوة الاساسية في المجتمع التي تستطيع ان تحيط بالمصلحة العامة وان تدافع عنها وان السياسي الذي يعزل المثقفين والمفكرين او يهملهم او يتجاهل دورهم انما يشل الطاقة الابداعية الاولى لوطنه.
4- يركز عبد الناصر على ان المفكر والمثقف العربي ليس لزاما (عليه ان يكون ملتزما بنظام سياسي معين وان مهمته الاولى هي الارتقاء بالمجتمع والارتقاء بالحياة.)
اي انه ملتزم بالدفاع عن الحرية والانسان والتغيير ولذلك فان السياسة لايمكن ان تكون صحيحة مالم تكن الثقافة صحيحة وهي اي السياسة بدون الثقافة مجرد سقف معلق بالهواء او مثل شجرة من دون جذور.وهذا يعني وفق المفهوم الناصري للثقافة ان السياسة والثقافة احداهما تكمل الاخرى.
وعلى الجانب الاخر اوضح عبد الناصر للمثقفين كيفية التجديد في الاصالة كانه يحدد كيفية التغيير قائلا:
(هناك نوع اخر من المثقفين قد يتصور العصرية مفهوما سطحيا.. العصرية لاتعني الانقطاع عن الماضي والحرص على التقاليد لايعني الانقطاع عن المستقبل .. المسالة ليست مسالة اشكال ومظاهر سطحية.. العصرية الحقيقية هي التجدد في الاصالة وكل واحد فينا عليه ان يؤدي دوره.. المجتمع يعطيه وهو يعطي المجتمع والالتزام ليس ولاء لفرد ولاينــــــبغي ان يكون وانما الالتزام هو الولاء للشعب).
ان عبد الناصر هنا يحذر المثقفين من الهجوم الذي تشنه القوى المضادة باسم العصرية ويدعوهم الى التحرر من الخضوع الاعمى للماضي وان الثقافة هي التي تدفع باتجاه المستقبل وتنمي القدرة على تجاوز الحاضر..
وهذا يعني حسب التصور الناصري للثقافة ان عملية التغيير لايمكن ان تنم الا بالوعي وتوفير مناخ الحرية حرية الراي والراي الاخر حرية التعبير والحوار الخلّاق..
يقول عبد الناصر:(ليس من حق احد ان يعترض المناقشة الحرة.. المجتمع الذي لايناقش مشاكله لايستطيع ان يعرف منجزاته والا اصبحت المناقشة مجرد اعلانات).
ويضيف القائد المعلم قائلا:(ليس هناك من ضمان للحرية الا استعداد قوى الشعب للتمسك بها وحمايتها).
ان عبد الناصر في كلامه هذا يعطي بعدا شعبيا للحرية ويؤكد حق العلم والبحث مثلما يؤكد حق العمل والامل..
















