طريق الكلام ــ محمد الشايب

طريق الكلام ــ محمد الشايب
المدينة التي تموت شتاء وتحيا صيفا، لم تكن لا في البال ولا في الحسبان، لكنها جمعت بينهما في مساء من مساءاتها العصية، فأوقفت ليل الصمت. وهيأت لهما طريقا مفروشا بالكلام، وأخذا يسيران..
قالت البارحة فقط، احتفلت بمرور سنة على طلاقي من رجل أراد أن تكون له ذرية، بينما أردت أن أظل بلا امتداد..
قال أنا الآن في مفترق طرق شتى، لا أنا طليق، ولا أنا مقيد، لا أنا مالك، ولا أنا مملوك، لا أنا منطفئ ولا أنا مشتغل، لا أنا نار، ولا أنا ماء..
قالت أسكن الآن وحيدة مشتتة بين العمل والقراءة والتيه في الشوارع..
قال كل يوم أذهب إلى عملي منهكا، وأعود منهكا، أشاهد أفلاما شتى، وأستمع إلى الأغاني، وأشرب الكؤوس، ولا أنام حتى يصيح الديك..
قالت الأبواب ماتا، وكل الإخوة هاجروا، والزوج راح يبحث عن الذرية، وبقيت أنا شجرة بلا ظل..
قال أمس شاهدت فيلما بلا مقدمة ولا نهاية ولا بطولة، ظللت أتبعه حتى نمت، ولها استفقت وجدت مذيعة الأخبار تتحدث عن الاحتباس الحراري..
قالت قبل أن يموت أبي بساعات قليلة، شد على معصمي، وأوصاني وصية لبستها وقتا وجيزا، ثم خلعتها..
قال حين تستيقظ المدن يثقل النوم أجفاني، وحين تنام أصاب بالأرق..
قالت تأتيني تلك المدينة بسحابها وشمسها، بصمتها وكلامها، بليلها ونهارها..، آه منها تلك المدينة، نحبها، ولا تستطيع العيش فيها..
قال منذ مدة لم يصلني سلام أتراها نسيت؟
زوجها مدير البنك الكبير، وأولادها الثلاثة، وعملها المحترم.. ألا ينسيها كل هذا في متشرد لا يعرف ليلة من نهاره..؟
قالت تلك الطريق، ذاك النهر، تلك الأمطار التي بللت ثيابها، تلك الدروب التي عانقت حماقاتنا، تلك الهمسات، ذاك الصمت، كم هي جميلة تلك المدينة..
قال كم من دجنبر مر الآن؟ قلتها، ومضيت متحصنا بصمتي، حاضنا خيبتي، ثم قصدت صدر أمي..
قالت صديقتي، الآن، غير التي كانت، ألتقي بها كل يوم، فأراها سحابة من الأسئلة، تحمل محفظة، وبخطى وئيدة تقصد المدرسة..
قال جبال شاهقة تحجب ذلك الشهر العاق المسمى دجنبر، فيه قلتها، كانت السماء ملبدة بالسحب، والطريق مبللة بأمطار الصباح، وكانت الأشجار ترقص على نغمات رياح الشتاء، وكنا اثنين لا ثالث لنا، والغابة والنهر والشارع شهود..
قالت سألتني يوما عن وجه تلك المدينة، هل ما زال كصباح الربيع؟
قال كلهم كانوا شهودا.. لكن الدواء تحالف مع الداء، فظل الجرح ينزف دما، منذ ذلك المساء البعيد من دجنبر البعيد وهو ينزف..
لماذا ألبستني يا دجنبر هذا اللون؟
ونفخت في رأسي كل هذا الجنون؟
وأرغمتني على التيه..
وركوب أهوال الأسفار..؟
لماذا يا دجنبر القاسي..؟
أهذا جزائي كسائر المتيمين..؟
قالت احتميت بالصمت، لكنها عاودت السؤال، فأجبت بصوت خافت، وأنا أنظر إلى الأرض
المدينة مازالت كما كانت لكن أهلها هاجروا..
قال افترقنا في نهاية الشارع، هي عرجت على اليسار قاصدة منزل أبيها، وأنا على اليمين قاصدا بيت أبي..
قالت حين هممت بالانصراف، طلبت مني أن أقرئك السلام..
قال وقبل أن نفترق رجت مني أن يظل كل شيء طي الكتمان..
قالت لماذا لا نخلع كل الهموم، ونخرج عراة كما ولدتنا الأمهات..
قال لم لا..؟ والقلب ما زال فيه متسع، وأمطار الأغاني لا تتوقف عن الهطول..
اشتعلت الأضواء، نزل الليل، غطى المدينة، امتلأ الشارع، هاجت الأجساد، تحركت المقاهي والمطاعم والحانات والساحات، بدت المدينة فاتنة اكثر، لكنهما لم يتوقفا، لم يأبها بشيء، وظلا يشقان طريق الكلام.
AZP09