طرائق مختلفة لإستجابة اللغة.. السباعي يكتب مدونات أرملة جندي مجهول

طرائق مختلفة لإستجابة اللغة..  السباعي يكتب مدونات أرملة جندي مجهول

عبد الهادي والي

المتتبع لما يكتبه القاص العراقي علي السباعي ، من قصص قصيرة ، وقصص قصيرة جداً يلحظ بوضوح هذا النمط الجديد من القص ، الذي ينحرف كثيراً ، عن طرائق مألوفة تقليدية ، في السرد القصصي ، ليعكس لنا مدى التطور والنضج ،  الذي بلغته القصة وهي تبحث عن مسارات جديدة ، تكسر من خلالها نمطية في السرد ، سادت فترات طويلة لينبثق هذا الظمأ ، الذي هو في الحقيقة ، استجابة حقيقية ، لحركة الواقع وتناقضاتها التحتية ، لذا دأب العديد من القصاصين إلى ابتكار لغة جديدة تتواءم مع حركة الواقع المتغير باستمرار ، للبحث عن سبل متطورة ، غير مطروقة تنأى عن تلك الأساليب القديمة ، التي تبدأ دوماً بمقدمات طويلة ، تسهب في الشرح والتحليل ، وحشر أوصاف زائدة ،  تستخدم غالباً كديكور فارغ لا يسهم في ترصين البناء المعماري للقصة .  في مجموعته الجديدة : ( مدونات أرملة جندي مجهول ) وهي مجموعة من القصص القصيرة جداً ،  المشذبة بطريقة فنية مبهرة ، تكتنز بكل مقومات القصة القصيرة جداً ، من إدهاش ومباغته ومفارقة شديدة ،  تعطي للحكاية المختزلة نكهة محببة ، تنبثق عن مأساوية واقع تحكمه قوانين البطش والتسلط . ففي قصة ( اشتباه ) : (( عرائس ببدلات الزفاف مثل حمائم بيض ، ينتظرن أمام مديرية الأمن ، لاستلام جثث عرسانهن ، الذين أعدموا ليلة زفافهم ، لأنهم يحملون الاسم نفسه لشخص أراد اغتيال الطاغية )) . وفي قصة ( جندي ) : (( بعد انتهاء المعركة ، جندي يخرج من كيس الموتى ، ويقول لزملائه : مهلاً ، مازلت حياً ! )) . وفي الظروف الخانقة تنبثق المعاناة والشكوى ، من أوضاع تحاصر الفرد ، وتحد من حريته ، وتمتهن كرامته ، ليصبح مجرد أداة بيد قوى ضاغطة ، تدفعه نحو التمرد والثورة . في قصة ( رزمة أسئلة ) يرتفع ذلك الصوت الرافض للعبودية : (( جارنا الهارب من الخدمة العسكرية ، كان يسكر كل ليلة ، من ليالي حرب الثمانينات حد الثمل ، يبدأ بعتاب أمه : لم ولدتني في قارة آسيا ، ولم ولدتني في العراق ، ولم ولدتني في الناصرية ، ولم ولدتني في شارع عشرين ، ولم أنا هارب ! )) . ومن أتون الواقع الملتهب ، تتكرر تلك المشاهد ، التي تصبغ القصة بطابعها ، وتكاد طقوس الموت والقتل ، أن تصبح احتفالا ، له أدواته وإشاراته الكاشفة ، عن تلك التفاصيل الصغيرة ، المتعلقة بدوائر وحلقات ، الموت / الميلاد ، العربدة والهرب خارج أسوار الواقع نحو فضاءات يعشش فيها الوهم والخراب . في قصة : ( محارب ) تبرز تلك الدلالة : (( جندي بزي القتال . كان جالساً بكامل عدته الحربية ، وسط جثث زملائه القتلى ، واضعاً بسطاله الأسود الثقيل ، المدمى على صدر جثة مشوهة مدماة ، وهو يكرع من قنينة ، شراباً ما ، كإشارة على ما يشعر به من أمان ! )) . ومن مدونة الحرب ننتقل إلى مدونة الحصار ، وهي مدونة تنبثق من الأولى وتلقي بظلالها الخانقة ، على واقع بائس ، يختنق تحت الحصار : ((  كنت أنظر إلى الحمار ، وأحسده ! )) . وفي قصة : ( حمار ضائع ) تبرز خطوط تلك المأساة بوضوح صارخ : (( رجل رث الثياب يبحث عن شيء ما في سوق المدينة ، وبيده حبل متسخ ، اعترضته قائلاً : عم تبحث ؟ بادرني قائلاً بترقب : عن حماري . قلت له : وما هذا بيدك ؟ قال بثقة : حبل حماري . قلت جاداً ، بعد أخذت منه الحبل ووضعته في عنقي : أسحب فأنا حمارك ؟! )) . وفي قصة ( جنوبية ) : ((أتسكع تسكعاً معرفياً في أحد شوارع المدينة ، مدينة الناصرية التي هي أشد خراباً ، من واسط القديمة ، واجهتني شابة متعبة ، تستجدي المارة بكفين مقطوعتين )) . وفي  إبداع جميل لا يتقنه إلا علي السباعي ، وهو يعزف على لحن جميل ، لتصوير رتابة حياتنا المملة كحياة فرس في عربة ، يبرز ذلك من خلال قصته : ( حياة فرس ) : (( جلس بقربي ( عربنجي ) صاحب فرس كميت جميل ، رشيق جداً . سألته ونح نحتسي الشاي في المقهى :- كيف تقضي يومك ؟ أجاب : أستيقظ فجراً ، أطعم فرسي ، أسقيها الماء ، أضع عليها ( جلالها ) أربطها إلى العربة ، وأذهب إلى العمل ، ظهراً ، آخذها إلى نهر الفرات ، أفتح عنها العربة ، وأبدأ بغسلها ، آخذها إلى المنزل لأعلفها ، أتركها تستريح ، عصراً ، أربط عليها العربة ، وأذهب للعمل ، مساءً ، أؤوب بها إلى المنزل ، أفتح عنها العربة ، أدلكها ، أعلفها ، أسقيها الماء ، أنتظرها حتى تنام ، ساعتها أذهب إلى أهلي . قلت له : هذه حياة الفرس ، أين هي حياتك ؟! )) . وفي قصة ” طرفة ” أخرى تظهر لنا الكثير من المفارقات والطقوس الأجتماعية السائدة ، تسرد لنا ذلك قصة : ( حياء ) : (( كانت جدتي رحمها الله ، عندما يظهر المذيع في التلفاز تتحجب بعباءتها )) . وفي قصة ” طرفة ” تبرز فيها روح الدعابة بجمال أخاذ ، تحكي لنا قصة : ( قصة ) : (( كاتب قصة قصيرة يدعى علي السباعي ، تعب من الناس ، ومن الحياة ، آثر الجلوس في مقهى يؤمها الصم والبكم ، وسط مدينة الناصرية ، وذلك كما يدعي السباعي : حتى يكون فيها عقلي صافياً ومرتاحاً ! )) . ومن المدونة الثالثة في المجموعة ، وهي ( مدونة الحب ) : تتألف القصة : ( خرساء ) : (( شابة حلوة خرساء ، تقدم لخطبتها شاب أخرس ، رفضت الاقتران به ، مخافة أن يبكي طفلهما ، وهما نائمان )) . وفي قصة ( غزل ) تتحدد تلك الرغبات البريئة ، التي نمارسها حين كنا صغاراً لنعبر من خلالها عن علاقات حب مبكرة جداً . ففي قصة ( غزل ) : (( كانت لعبة طفولتنا في العراق ، إبان حرب الثمانينات ، أن نصنع صواريخ من ورق دفاتر دراستنا ، ونطلقها على بنات جيراننا . )) . ومن كم آخر من القصص القصيرة جداً نكتفي بهذا القدر الذي يعبر بصميمية ، عن قدرة القاص العراقي علي السباعي ، في ابتكار أشكال ومضامين إنسانية ، تتفرد في تنوعها الفني وقدرتها في إرساء معمار بنائي ، راسخ يزخر بالإبداع والفن ، والتجليات المبتكرة والمنتزعة من صميم واقع عراقي ، يحفل بالغرائب ، وبطاقات مستمرة لا تنفذ تتخلق من قاع ذلك العالم الغريب ، الذي يزخر بالمتناقضات ، المليء بالصمت والحيوية والسكون ،  ليثبت لنا كل ذلك ،  من خلال قدرة متوثبة للتطور والإبداع المستمر ، أجاد رسمها القاص المبدع : علي السباعي ، بأسلوبه المبتكر الجديد .