معرض فوتوغرافي لحميد بوغابة
صورة متحركة وناطقة وباقية في الذاكرة
فيصل عبد الحسن
المعرض الفوتوغرافي للفنان حميد بوغابة الذي أحتضنته قاعة النادرة وسط مدينة الرباط مؤخراً، وشاهده جمع كبيرمن محبي فن الفوتوغراف أستطاع أن يوصل للزائرين مفهوم المدينة العريقة المعزولة، والأثرالمقدس، وأن يترك المعنيين طويلاً في أذهانهم. ضم المعرض أربعين صورة فوتغرافية للأوداية، وحمل عنوان ” الأوداية بين الحاضر والأمس القريب “، وقد كانت الصور الفوتغرافية سياحة فنية وعقلية وبصرية لهذه القصبة العريقة.
وما أثارته صور الفوتغراف من ذكريات لحوادث تاريخية وأشكال من التطور المعماري، لمختلف أذواق من سكنوها من مرابطين وموحدين ومورسيكيين حرناشيين قادمين من الأندلس بعد طرد المسلمين منها.
الصور التي تضمنت تفصيلات وأحياء قصبة الأوداية من ناحية المحيط الأطلسي، وحتى جهة نهر بي رقراق، في منطقة مصبه في المحيط، وقد حملت اللقطات الكثير من ومضات التأريخ، وومضات المعمار المديني، وأشكال الحياة التي ضمتها القصبة بين أنحائها. فيوضات الله تعالى، وأنعامه على هذه القصبة كثيرة، تراها في غبش الفجر وغسق المساء، مناخ لطيف، وزروع ونخيل وأشجار برتقال، وطيور نورس تتبارى في رحاب سواحلها، ووشيش أمواج البحر وموسيقاه وهي تهدهد ساكني القصبة، وتنعسهم في أول الليل بنسيم المحيط، وعذوبة رائحة أعشاب نهر أبي رقراق وقصبه النامي على الضفتين.
لقطات بانورامية
الكامرة بزومها وحرفيات وتقنيات تعلمها الفنان بوغابة نقل لنا سحر القمر، وهو يطل على القصبة ويطل بأستحياء من خلف مئذنة ” الجامع العتيق ” الذي يعود تأريخه إلى العهد الموحدي. فأعاد لنا تاريخ الموحدين الذين جعلوا من القصبة رباطاً على نهر أبي رقراق، وسموا القصبة بالمهدية، تيمناً باسم سيدي المهدي المنتظر عجل الله تعالى ظهوره، ليملأ الأٍض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً. وهناك روايات عديدة متناقلة منذ القديم عن كرامات لولي من الأولياء في هذه المدينة، وضريحه يوجد في مقبرة القصبة، ويُسمى بضريح ” سيدي اليبوري ” وقد التقطت عدسة الفنان بوغابة العديد من اللقطات للمقبرة، ولضريح الولي الطاهر، الذي يزوره أهل القصبة، والكثير من السائحين، وهم يتضرعون إلى الله في مقام ” سيدي اليبوري” أن يغفر لهم ويتولاهم برحمته. وقد تعددت اللقطات البانورامية الشائقة لمقبرة القصبة، وتطل على المقبرة الأسوار التي شيدها المرابطون لمحاربة قبائل براغواطية في عهد يوسف بن تاشفين بين عامي” 1006 ــ 1106 ” م وتاشفين هو بطل معركة الزلاقة التي أخرت أحتلال الفرنجة للإندلس أكثر من ثلاثة قرون ونصف فجاء سقوطها عام 1492م.
الثورة الرقمية
صور فوتغرافية اعادت للأذهان الكثير من تاريخ المدينة، ومنها ما عرفه المؤرخون ب “جمهورية بورقراق ” فقد كانت قصبة الوداية عاصمة لهذه الجمهورية، وكانت وقتها تعيش على واردات أسطول بحري كان يقوده موروسكيون ” قراصنة ” نزحوا من الإندلس، وقرروا الأنتقام ممن طردهم من بلادهم، فأُطلق عليهم الأفرنجة اسم ” القراصنة ” لأنهم كانوا يقطعون الطريق على السفن التجارية القادمة إلى إسبانيا، ويأتوا بغنائمهم البحرية إلى عاصمتهم ” قصبة الوداية”.
الصور التي تنوعت بين التأريخي والمعماري فبدا في بعضها ” برج السراط ” والذي ما تزال ظاهرة عليه آثار ترميمات المهندس المعماري أحمد الأنكليزي عام 1792 م وسورها الذي بناه الموحدون والجامع العتيق، والباب الكبير، والأسوار الرشيدية التي بناها العلويون، والقصر الأميري، وبرج صقالة الذي يعد قاعدة بحرية عسكرية مصغرة في القصبة. كتب الناقد الفني عبد اللطيف بوجملة في بوستر المعرض عن صور الفنان حميد بوغابة قائلاُ ” ما من قاعدة تحكم الفن أدوم وأصلب من أن يمسك الفنان بناصية فنه، أي أن يضبط مجموع التقنيات التي يستعملها ويتوسلها في عملياته الإبداعية. قد نرتاب من صلابة وصلاحية هذا التحديد، لا سيما مع النضال والمقاومة، اللذين تخوضها الفوتغرافيا في المغرب من أجل البقاء كفن بصري نبيل ضمن لائحة الفنون البصرية الأكثر رواجاً وتأثيراً في سوق الفن كالصباغة مثلاً. وبالفعل هذا هو الذي يحصل وكما قال الناقد بوجملة أن الفوتغراف يواجه تحديات مع الرسم التشكيلي وتحديات الثورة الرقمية، وفنون الفوتو شوب، وما إلى ذاك من تحديات القرن بما جاء فيه من تطورات سريعة في عالم الفنون البصرية.
فوتوغراف متحرك وناطق
وكل تلك الفورات المعصرنة لا تلغي جمال ما ينتج الفنان بإبداع وتمكن من أدوات العمل الفني على بساطة ما يمتلكه الفنان من وسائل بسيطة.
وبالرغم من أن الفنان حميد بوغابة قدم للجمهورمعرضه الأول إلا أن هذا المعرض الأول أظهر أمكانات غير محدودة له كفنان فوتوغرافي متمرس لديه خبرات عميقة في أظهار رؤية موحدة للقطاته جعلت الزائرين لمعرضه يتمتعون برؤى عذبة. وهم يراقبون وينصتون لنوارس صوره، وأسوار مدينته التراثية، المتشققة الجدران بفعل الزمن وأمواج المحيط وزوراق نهر أبي رقراق المتهادية وسط النهر بانتظار قراصنة جمهورية أبي رقراق القادمين من عمق المحيط بغنائم السفن المنهوبة.
والكثير من الصور حملت بصمات الفنان بوغابة، وهي لقطات أختص بها الفنان لنفسه، ولن يتمكن أي مصور فوتغرافي آخر ان ينقل بمثل شاعريتها وتوازنها، وتكامل وحدات الصورة فيها، مما أستطاع جمعه من مرئيات في لحظة ألتقاط الصورة، وما تمكن من أظهاره من خلال تركيز لكمية الظل والضوء في كل صورة وبتناغم بين فتحة العدسة وسرعة اللقطة. وهذا التناغم الفني بين فتحة العدسة وسرعة اللقطة تحتاج إلى فنان صبور يجرب ويجرب ويتمرن طويلاً ويخوض مئات المحاولات الفاشلة حتى يصل إلى لقطة ما ترضي ذائقته الفنية، التي ستجسدها صورة تمثل عراكاً لطيور النورس على فتات الطعام قريباً من الساحل أو لزائرين لأحد القبور في مقبرة القصبة التأريخية وسط طبيعة متحركة مدهشة مملوءة بالمرئيات.
صور حميد بو غابة في معرضه الأول متحركة بالرغم من سكونها وسمعية تدهشك بأصوات حيواتها بالرغم من صمتها، وهي بالمحصلة صور فوتغرافية متحركة وناطقة وباقية في ذاكرة من يراها مرة واحدة.



















