
صراع الدولة واللادولة
من المؤسف أن يجد المواطن العراقي نفسه اليوم أمام موجة جديدة من المعاناة اليومية، لم تأتِ نتيجة الحروب أو الأزمات العابرة هذه المرة، بل بسبب السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة مؤخرًا، وعلى رأسها الضرائب التي أُقرت على شرائح واسعة من المجتمع. فبدلًا من أن يكون المواطن محور البرامج الإصلاحية وتحسين ظروفه المعيشية، أصبح يتحمل أثمان قرارات لم يكن جزءًا من صناعتها.
لقد أدت تلك الضرائب إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، فضلًا عن تزايد تكاليف الخدمات، مما ألقى بظلال ثقيلة على الأسر العراقية التي تعاني أصلًا من محدودية الدخل، وغياب فرص العمل، وتراجع القوة الشرائية، وتآكل الطبقة المتوسطة التي تمثل عادة العمود الفقري لأي مجتمع مستقر وقادر على النمو.
كان من الأولى — وفق قواعد العدالة والإنصاف — أن تبدأ الحكومة خطوات الإصلاح من داخل منظومة السلطة، عبر تخفيض الامتيازات المالية والمخصصات الضخمة التي تُمنح لأعضاء مجلس النواب والوزراء وأصحاب الدرجات الخاصة والرئاسات الثلاث، بما في ذلك الرواتب العالية، والحمايات، والعجلات، والسفرات، والمخصصات الأخرى التي تستنزف جزءًا مهمًا من الموازنة العامة، دون عائد ملموس للمواطن. لكن الذي حدث كان معاكسًا تمامًا لتلك المبادئ، إذ تم الحفاظ على امتيازات السلطة كما هي، بينما تم تحميل المواطن المسؤولية الأكبر تحت عنوان “الإصلاح الاقتصادي”.
إن استمرار هذا النهج يولد لدى المجتمع شعورًا عميقًا بالغبن وفقدان الثقة بالدولة، وقد شهد العراق خلال العقدين الماضيين أكثر من مثال على ما يمكن أن تفعله الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم من توترات واحتجاجات ومطالبات بالتغيير. فالمسألة هنا ليست مجرد أرقام وضرائب ومواد قانونية، بل مسألة عدالة اجتماعية، ومساواة في تقاسم الأعباء، ومحاولة لإقناع المواطن بأن الدولة تقف معه لا ضده.
وإذا ما تبنت الحكومات سياسات تزيد من الفوارق بين الطبقات، وتغيب معها رؤية واضحة لمعالجة البطالة وتعزيز الإنتاج المحلي وتفعيل القطاع الخاص، فإن ذلك قد يدفع المجتمع نحو ما يمكن تسميته بـ”انتفاضة المظالم”، لا من باب التهويل أو الدعوة، بل من باب قراءة المزاج العام الذي بدأ يتشكل نتيجة سنوات من تراكم الإخفاقات، وغياب الإصلاح الحقيقي، واستمرار الفساد دون معالجة جذرية.
وبالتالي، فإن إدراك خطورة المرحلة يتطلب من صناع القرار مراجعة السياسات الاقتصادية، وإعادة ترتيب الأولويات بما يضمن الحفاظ على السلم الاجتماعي وتعزيز الثقة بالدولة، وتوزيع الأعباء بطريقة عادلة لا تميز بين مواطن ومسؤول، لأن بناء وطن مستقر لا يتم بفرض مزيد من الأعباء على الأكثر ضعفًا، بل بخلق منظومة اقتصادية وسياسية يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء لا ضحايا.
مشتاق الربيعي


















