شاعر يجمع السحر واللغة.. إستنشاق الجذب الروحي
عدنان أبو أندلس
إن الذات عالم راسخ في مجهوليته ابداً ,لم يستطع أياً منا الغور بأعماقه وسبر أغواره مهما أوتينا من قوى عقلية باذخة , تكشف لنا خباياه المستورة عياناً والوصول الى كنهته وما هيته المتأصلة في لامرئيته التي لا تدركها نفسية الإنسان وحواسهِ المشّدودة بلهفة الترقب للحدث الآتي ,لا تزحزحها إستفزازات وإغراءات عينية يراد منها الكشف الدلالي آخر مطاف التطلع لهذا الكائن المخبوء في جسدنا ومنذ شهقتنا الأُولى.إن التمعن بتلك الخاصية للروح العجائبية المضمرة التي ارهقتنا تفسيراً -تأويلاً – تحليلاً ، لما لنا من فضول مُلِحٌ ، بإكتشافها المستحيل لحظة التمني المادي ,إلا غاية في نفسيتنا التواقة لمثل هذه المغامرات اللحظوية ساعتها,لكن ذاك يتطلب منا الصفاء الروحي والذهني معاً لإدراك الجوهرة الفرد- المطلقة- وهذا ماتمنته الصوفية شعراً بالتقرب النفسي والوجودي معاً .إنها ارتدادات إلى الذات بمحاورة أو همس أو رياضة روحية وما إلى ذلك من أساليب ربما باطنية, فعنوان مجموعتهِ قصائد ملعونة تحمل دلالات عميقة وغرائبية حادّة في ذهنية المتلقي حال تقليب صفحاتها .بعد هذه المقدمة الموجزة , أود الدخول إلى روحية الشاعر ” جابر ” وما ذخره لنا من مخبوء في قصيدته -آتيك وتأتيني- المحاورة ثنائية لا تقبل طرفٍ آخر، ” الساحر والمسحور ” صورة بصورة ، الحر الاتصالي – الإيحائي – تقابل بمحورية وفق سؤال موجهٍ بذات اللحظة .
بين وجهك والمرأة
ترتسم لي الشفاه
واحة من دخان
وحدود قارّة مدينة
عبر هذا الحوار المهموس والمرموز الثنائي والذّي قلنا لا يقبل الولوج بينهما كطرف ثالث-المرآة قد تكون بينهما إذ صح القول ,لأنها تنطق ملامح الحوار المتأصل وتفصح عن الكشف اللحظوي وإنعكاس إحتمالات الصيرورة التي تنبي عن مكونات مستحيلة -واحة من دخان/مدينة ليس لها وجود إلا في خارطة الحياة، ربما يكون الحد الفاصل بينهما هي النظرة ،سواءً كانت المعنية -المرأة أو المرآة -لايغير من المعنى بشيء ، كونهما حداً فاصلاً مايتوق إليهِ من النظرة . فقد يتحسس المتلقي من هاتين المفردتين من أنهما تصلح للمناورة ، ويحسب للشاعر تفاعلاً في تحريك ما هو ساكن في نفسية المتلقي ، من عملية باهرة في إستحسان تقنيتهِ بمهارة .
تنتظرني
آتيك وتاتيني
إخلع أظفار السنابل
وأتحدث عن إمرأة
شوهتها الحقيقة
كما قلنا سلفاً غن القصيدة حوارية وللشاعر أراء مطلقة في التشبيه الذي اجاده بخبرة ودقة موفقتين في الإستدلال الذي ينوب عن التفسير والتاويل-الذي اضحى إنعكاساً للذات الراسخة فينا . ومن العرض بأنهُ يحاور ، يناقش -الجمال بصنوفهِ ،فهو يبتكر كما يطيب لهُ ، من أن يظفر بالشيء لذا يخلقُ لهُ عوالماً باذخة في جمالية يودُ تصديرها للذائقة كحقيقة مرئية . لذا نحسُ بأنهُ يطاردُ الجمال انعكاسيا بقصائدهِ الملعونة ، يبحثُ عن رقة توائم خلجاتهِ لمجابهة رصعة جمالية يسبرُ أغوارها منتشياً .
آتيك سفناً
تبحث عن بحار
تاتيني
حلماً يطارد ذاكرتي
عبر الموانىء
هذه الاحلام المستقرة في النفس الإنسانية نجدها لحظة التمني -سفينة وبحار وموانئ-كلها مفردات أُفقية للسفر الروحي نحو عباب المجهول, وكما أسلفنا بأن الشاعر لهُ عوالمهُ الخاصة بالتنقية وكما يشاء ، يفصلها على قدّ حُلمهِ وطول ذائقتنا التواقة للحُلم .
وتتحدث لي عن مدينة
سرق اللصوص بكارتها
فأصبحت عارية
كوجه الإنسان
هذه ذخائر الشاعر العجائبية بلعبة المعنى والتي أمتهنها عن عقلية رائعة ولرؤى بديعة مكنته من مزاحمة شعراء قصيدة النثر الحديثة إبداعاً وتألقاً- قصائد ملعونة -وحدها تفي بغرض التأويل لما بثته روحه من هيامات تتطابق مع ذاتنا أبدا.

























