سكونية الراوية في الحلم العظيم
اسماعيل ابراهيم عبد
بغداد
للبعض من الرواة سكونية مرتبطة بالعالم الذي تنقل عنه الوقائع المادية والمعنوية، وحين يكون المكان والزمان سكونا ثريا، وتكون الأشياء متحركة على وفق نوع من الخفاء ينزوي الحاكي والمحكي في زاوية صغيرة للغاية لاتتعدى كلمات، أو علامات، أوأدوات، لكل من، الحركية والحكائية وللأشياء بما يصيرها مشهد حدوثات غير مباشرة للغياب العمدي لكل ما هو فعل بشري، مادي، تجريدي، معنوي. إذا كانت الأشياء لا تمثل كلمات فهي تمثُل بعلاقات إرجاعية غير مباشرة عن الواقع خارج اللغة. ــ العلاماتية وعلم النص ــ إعداد وترجمة د.منذر عياش ــ المركز الثقافي العربي ــ المغرب ــ 2004 ــ ص94 (152).
أي هي معبّر عن مظهري الراوي السكوني الذي يمثلها سرديا. وهي (الأشياء) بموجب ذلك مادية ذاتية لعلاقات المشهد المحتمل رويه حكائيا.يتميز هذا النمط من الرواة إذاً بعلاقات الروي لأجل /
ـ سكون الزمان والمكان
ـ خفاء الأشياء
ـ إنزواء الحاكي والمحكي والمؤلف.
ـ الغياب العمدي للمحسوس البشري المادي وتوابعه.
ـ لمقولاته إرجاع قولي خارج اللغة.
ـ للأشياء في مدونته مظهر إحتمالي لروايتها.
ترى أي المشاهد الروائية تتمتع بمثل هذا التركيب الممول لصفات راويها ؟
لنجرب النص من رواية الحلم العظيم لأحمد خلف الآتي /
ذات ليلة باردة إكتشف الولد، أن همس المتزوجين في غرف النوم يسمع بعد الحادية عشرة، ولان نوافذ البيوت تكاد حافاتها تلامس أرض الزقاق فإن الكلمات تعبر إليه واضحة، كان همسا ناعما ودافئا مليئا بالتوسلات الرقيقة اللينة التي يغص بها الضحك الماجن، حيث تخفيه الحركة الدائمة على سرير الجسد. أصاخ السمع في الهواء، والزقاق خال والقلب يرتجف. بات حتما عليه الإقتراب من السلك الدقيق ليستمع أكثر، كان الفتى يحثُّ سمعه على إلتقاط الكلمات المغمسة بالإرتخاء والشد وميوعة الساعة. إستوقفه الحوار الغامض والنداء المتعثر لنبرة الصوت الرجولي المتشبث بالعروة الوثقى، يحق له أن يخترق سلك النافذة لو إستطاع إليه سبيلا، والتوتر الساخن شيمته، كان على موعد مع القدر، إذاً، لتتسمر قدماه، بل تشبث بالنافذة، وكاد يلتصق بها، أدرك بفطرة ذكية إنهما متزوجان حديثا وهي التي تطلب منه الولد، بينما كان الزوج يريد منها بنتا جميلة كأمها، ولها رقتها وصوتها الحنون. في تلك اللحظة، أيضا، عرف أن المرأة شابة ولابد أنها جميلة ورقيقة وصوتها دافيء وحنون. ولما تواردت الى سمعه خطوات قادمة من أقصى الزقاق المظلم، إندفع لكي يبعد الشبهة عن نفسه، تعثّر…. تبللت أذيال ثيابه من الأسفل…. أراد العودة الى النافذة المسحورة، غير أنه أضاعها بسبب التردد والخوف…. منذ ذلك اليوم والولع بالنوافذ المضيئة يتلبسه
ـ سكون الزمان : بلحظة واحدة هي لحظة إلتصاق الفتى الذي يسترق السمع عبر النافذة لغرفة متزوجين.
سكون المكان يتوضح بسكون الأشياء، الظلام، النافذة، الغرفة، الفتى، الزوجين.
لكنه سكون ثري بما تضمر سلوكيات وأهواء وإحتمالات، ما يفكر به مؤلفي الحدث الإحتمالي من أفعال غير مرئية، كالفعل الجنسي للزوجين وإحتمالات استمناء الفتى.
ـ خفاء الأشياء المضللة تحت زمن الليل : حيث لا شكل للنافذة سوى كونها ملاصقة للأرض.
لا شكل للفتى سوى أُذن لصيقة بالنافذة.
لا شكل للزوجين سوى صوتهما والمتغازل، وآهات السرير.
بل أن البيت نفسه مخفيا في مكان بلا علامات، الفتى حين أراد العودة إليه أضاعه.
يبدو أن الضياع المكاني هذا كذلك مخفيا لأنه تأتى من التردد والخوف.
لكن الخفاء حالة مفعمة بالترقب والتصور وإحتمالات حدثية مفتوحة، وبالتالي فالأحداث إحتمالات لرواة سكونيين يعبرون عن سكونيتهم بالمقولات المناسبة.
ـ الإنزواء :
إنزواء الحاكي الراوي وراء ضمير (هو).
إنزواء المحكي وراء لحظة الترقب.
إنزواء المؤلف وراء (هو) ذي الأداء بالإنابة..
جُعل الإنزواء فعلا سرديا للتخلي عن الهيمنة والمظهرية المفرطة للفواعل العاملة الثلاثة الأُول، مثل هذا التوظيف يناسب لعبة الراوي في اللعبة السكنية التي يمور تحتها عمل نفسي وفني عميق.
ـ الغياب العمدي : يخص المحسوس البشري، يتمثل في عدم تعيين أية هيئة بشرية كمظهر ملموس له أبعاد، وأُكتُفيَ بالحركة كنائب عن تلك المظاهر. كما أن الموجودات المادية, بدءا بالزقاق والشارع والبيت والنافذة, هي الأخرى غائبة،قصدا,تحت سواد الليل, ربما سواد نفس الفتى هو ما يحيل الى التعتيم القصدي للموجودات ليقول الراوي (حدودثته) بسكونية متحركة ضمرا عبر الذوات المجردة إلّا من الهمس والإيماء.
ـ الإرجاع القولي لخارج اللغة : هذا الإرجاع يتخذ القول ذا دلالة خارج لغة، أي خارج لغة الكتابة فيعمد الى التراكم الإشاري، والتشفير النفسي، والسلوك الحركي، ليقوم بدور إرجاع المعنى الى سياق الحدث كـ (قول، سرد زمان، مكان) وهناك قدر كبير من التعبير الذي اللاكتابي ليؤدي دلالات روائية بمؤشرات ألفاظ في المظهر الكتابي مثالها /
إكتشف الولد، أن همس المتزوجين يسمع بعد الحادية عشرة.
كان همسا ناعما ودافئا مليئا بالتوسلات الرقيقة اللينة.
آهات يغص بها الضحك، تخفيه الحركة على السرير.
القلب يرتجف. الكلمات مغمسة بالإرتخاء.مغمسة بالشد وميوعة الساعة.
بفطرة ذكية عرف أنهما متزوجان.
عرف أن المرأة شابة. إنها جميلة ورقيقة وصوتها حنون.
منذ ذلك اليوم والولع بالنوافذ المضيئة يتلبسه.
لننظر الى جدول تلك المأثورة :
الشكلية أعلاه، جميع الأفعال فيها نحوية، قلبية،الى حد ما، وهي في إنتظامها اللالغوي تؤدي للإيماء والصمت والحوار الذاتي بين المؤلف الغائب والراوي الغائب والفاعل غيرالواضح والقاريء الغائب المخمّن. هذه رباعية أسماء تتعدد أفعالها لكنها جميعا تعمل جوا من الإخبار المبهم عبر البوح الفعائلي المضمر. وهي بذلك تراكم أفعالا نفسية وحركات جسدية لتجعل التعبير أقرب الى خارج (لغة) الكتابة..
في نتيجة التشكل الروائي هذا، أن هذه الإيماءات والهمسات وإختلاجات النفس تغطي قدرا من أحداث، يمكن تصورها عبرالسمع والحركة، فتزيد في متعة التخيل والتوهم والإستبصار والإحتمال، ويمكن متابعتها على وفق أي تصور جسدي، لسوف يكون سياقها، كحدث وزمن وسرد، المقولات الحدثية المخمّنة لما بعد القراءة، القراءة التي هي الأخرى ستبحث عما وراء الإنشاء القرائي.
ـ المظهر الإيهامي للأشياء : يعيدنا هذا التصور الى أن ننظر الى أشياء المشهد بكونها متشكلة عبر ذاكرة راو فطري إيمائي ينقل لنا حدس المؤلف الفاعل، وحدس الفاعل الخاص بالحدث، وحدس الدلالة الضالة بين الإرجاع السياقي والتقديم المعروض بالمدونة..
تلك تنفي عن الأشياء وجودها الإحتمالي لتتبدى وحودا موهما بأشياء دلالات متجهة من مجسات الى بغى معان،مثلما هي الأشياء المموهة الآتية / (الفتى، الزوجين، النافذة، السرير ).
يحدس المؤلف بأن الفتى مقبل على ممارسة لطقس إستمناء.
يحدس الفتى فعل الجنس للزوجين.
يحدس الزوجان عبر جسديهما مجيء أطفال.
الحدوسات هذه دلالات ضائعة بين المظهر والمضمر الحسي والكتابي ولكنها تميل الى تأكيد طور إحضار الغيب الى الوجود للاشياء البشرية الجامدة مستخدمة إياها كمجسات إيهامية لا مناص من وجودها مستقبلا مما يوفي قولا يضبط الإيهام الشيئي بجعله واقعة روائية.
ـ حركية العتمة البيئية : البيئة بمظهرها، الزقاق والشارع وظرف الأوحال، تعطي تجريدا حيويا عن التراتب الحركي المرفق للوصف الروائي فتشحن الأرجاس بالتوثب ليس فيها أية بادرة تدفع الى مستقبل أفضل وإنسان أرقى، على الرغم من ذلك نشأ والحركة لإستهداف أو أستكشاف أو توقع فعل مغامر كالإطلاع على سرائر المتزوجين فتحيل الطبيعة دون ذلك، وحين يعلق الزمن كفضاء بيئي عن التطور العمري والمكاني فأن الوعي يحول دون تحقق الحلم بحياة حرة إجتماعيا وجنسيا ومن ثم يدرك الفتى (الولد) أن الوعي هو بعد عن الفطرة الى الخبرة لتصير الخبرة شيئا مكملا للبيئية، ولتتحول البيئة، في تطورات روائية لاحقة، الى مختزن قوى الجمال الخلقي والقيمي فيبرر البطل (الصبي الذي كان) توقه لحياة مضيئة وإمرأة بيضاء بتعلقه بتربية بيئية مطلقة العنان.
يغيب البيئي قليلا في تحضيرات (الفعل العظيم) للهدف العظيم (في التنظيم العظيم)..
لكن الحلم لا يعوض عن الحقيقة والأهداب التي تحمي الطفولة من الشمس والظلام لا تحمي بيئة الزقاق ولا مداخل الشارع ولا أبواب البيوت ولا مجاسس الصغار، رجل الأمن وعصا (الحكومات).
الوعي سيشكل ثنائيات متضاعفة مثل /
المراهقة = القراءة
القراءة = الإنتماء الحزبي
الإنتماء الحزبي = الدفاع عن كل زقاق وشارع وبيت وزوج وزوجة وبنت وولد.
ستكون البيئة حاضن لكل من/
الحلم، الأمل، الكرامة، العيش الرغيد، الحياة السعيدة.
لكن ما الذي يحدث حقا في بيئة الفقراء تلك ؟
ستظل بيئة فقيرة، بالكاد يتعلم أهلها القراءة والكتابة، وبالكاد يعيشون.
الولد البطل، ومهما تكون الظروف، عليه ألّا يخون المستقبل فهل سيحدث هذا؟
في التطورات الحدثية اللاحقة ، بصفة خاصة، في تجرب الإضطهاد المتلاحقة، يتبين أن الإنكسارات جزأت الحلم والجسم الى أحلام وأجسام لا إستقرار لها ينسحب السواد إليها مثل الليل.
بالعودة الى مظلة البيئة يتجسد السلوك اليومي للأبطال الرواة، كيف يكون هذا ؟
لو ظلت عناصر البيئة مثلما حُلم الطفولة لأسهم هذا ببناء ذوات متحررة من قيود الزمن وسلطة الساسة وإذعان العبيد، ولسوف يرشح عنها شاب قوي مُلهَم، فنان، مخترع، لكن ـ ضمن ظرف خاص ـ قد ينشأ فرد يجمع هذه الصفات كلها، على الرغم من فقر البيئة من جميع الوجوه، فالظرف السياسي والإجتماعي والمناخي الفرد بمثل هذه الصفات ولايزال المجتمع ينجب مثله يوميا، ولو على بطء، هذا ما سيجعل الحلم العظيم قريبا، حين تجتمع الذوات الخيرة المبدعة لتقود الحياة الى خلق بيئة متكاملة كحلم الروائيين والفلاسفة والعقائديين.. هكذا يراد للإنسان في رواية (الحلم العظيم) لأحمد خلف.
























