زمان جديد To Hell
سالم صالح سلطان
تبدو السياسة العربية مثل كهل أصابه الخرف لكنها ما زالت تفرض هلوستها على شعوبها ويا مرحى لنا ونحن نرى رؤساءها وقوادها وهم يتوكئون باكورة عجزها ممنتجون بأصباغ وعطور وخدم وحشم. متغولون بأمراض ونرجسيات وأضغاث. ومترعون في رخاء وترف لا تضاهيه إمبراطوريات كونية زائلة. متناسون الفرد العربي كم نزف من دماء وكم بدلوا له من جلد لينعموا هم ويلعن جده بالفقر رغم عز الدولار واليورو والين بين سراديبهم السرية وأماراتهم الطافحة بالحسناوات والريحان والسعادة وبين ذهب بنوكهم ودرر هارونهم وقارونهم والعربي يبلل رغيف الخبز اليابس ليفطر أو يستدين عشاء أطفاله. وتتفشى قصص التداعي الحر بين أزقته وزنقاته وأحياءه في واقع مأزوم لا يستطيع أحد الفكاك من همومه وعقده ومشاكله التي تلاحقه وتتفاقم معه. بل هو كل يوم يعيشه مرا وقاسيا ويتحسر على نسمة هواء باردة تنبعث على الأقل في أحلامه تضاف لواقع حاله منغصات بيته ورصيفه المفخخ، ومصائب جديدة نازلة صاعدة ومشرقة ومغربة تنهمر كالصواعق عليه.
أنها كاريزما من نوع خاص تصاب بها المجتمعات المعدومة القاصرة ثقافيا وفكريا ومعاشيا وأخلاقيا، والتي تنمو بها وبفعل الزمن تفككات وتقاطعات طبقية خاصة، مما تضع الجوانب المادية المترجرجة منطلقا لبناء واقعها من دون أن تترك للوعي الروحي والاجتماعي والإنساني مساحة تضئ الألوان الحقيقية التي تنتشر حواليها.
إن أكثر ما خرب حياة المجتمعات العربية هم سياسيوها وأحزابهم، لأن الحزب في الأقطار العربية مفهوم مخيف. كارثي رمادي مادي. تنشئه عصبة تعومها مبادئ مبرقعة وشعارات مغناطيسية وأهداف ينشرونها على الملأ، ويتأثر بها الحالمون والمجازفون والوطنيون الخضر، وينضم إليهم بعض ممن يطمحون لنيل بركات أصحاب البواكير السحرية، وبعض ممن يبغون الفائدة أو المكافأة عبر ركوب المترو الصاروخي في بلدان أوربا، لتجّيش الشعوب بفرية وتقاتل بعضها وما يجاورها. فهذا لك وتلك إليك وليس لذاك له.
أن أكثر ما دمر الفرد العربي هو الواقع السياسي الذي ينخر بأي مستقبل منظور للشعوب، فالواقعية السياسية لكل حزب سياسي عربي يجنح تحت شعارات براقة مبطنة بمصالح مادية ومعلولة بمعطيات عنصرية ومادية وشوفينية بل وتستنسخ تجارب بلدان لا تنسجم وواقعنا العربي مما تتحول هذه الأحزاب إلى نقمة وعسرة ومصيبة ترزح تحتها وتتحمل وزرها الشعوب لعقود مديدة تأكل من عجلة تطورهم وشبابهم، وتسحق بناهم التحتية بكل قسوة واحتقار، وتحت شعارات تخدر الغالبية العظمى من المتخلفين والحالمين بفتات المناسف والمشوي والكسكسي والمحشي، والذين يتزايدون في مناطقنا العربية كما الفيروسات الفتاكة.
البلدان العربية لا تصلح فيها أنشاء أحزاب أو حركات، لأن نظرة الحزب فيها متشنجة ومتهسترة ومنفصمة ومقلدة، لا ترتقي إلى مستوى الوعي الناضج الذي وصلت إليه أحزاب بلدان أوربا التي تدفع بكل جديد يفيد مواطنها وسياستها العامة، ولذلك تحولت العديد من البلدان العربية إلى منظمات حيوانية تعلفها التبعية وأوامر سيد الغابة من الدول العظمى.
المواطن العربي ومنذ قرون يعيش الأحكام العرفية ابتداء من عائلته وحتى نظام دولته.
المرأة العربية محكومة بمنفى الأحكام العرفية منذ ولادتها وحتى موتها.
الطفل العربي مهجن بالخوف واليتم والحرمان والعوز منذ ولادته والى أجل مجهول.
كل ذلك راجع بسبب الأنظمة السياسية التي تحكمها.
البلدان العربية بحاجة لعقول علمائها وجامعاتها لتبني الحياة وبكل جوانبها، وليست بحاجة لمقر حزب واحد يديم التخلف والاستبداد والأمية والقتل والموت على أراضيها.
البلدان العربية بحاجة إلى العمل وترتيب وتنظيم وتأثيث خدماتها وإنضاج الواقع التعليمي والصحي والأقتصادي والقضائي وبناء المسارح والحدائق والمكتبات والمنتديات الاجتماعية، وليس شراء السلاح والعتاد واستيراد الجريمة المنظمة والمخدرات وفنون القتل والرعب العشوائي.
لنراقب بلدان الخليج، لأنها لم تنشئ أحزابا حاكمة استطاعت أن تطور أوطانها، استوردت العلماء والأطباء والمفكرين ومن كل الجنسيات وسخرتهم لخدمتها وعمرانها. ولأننا لن نستطيع التخلص من التركة الثقيلة التي نتوارثها في بلداننا المتحزبة، فأننا نمضي إلى مستقبل مجهول يهتف لنا شعاره. to hell.
/6/2012 Issue 4238 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4238 التاريخ 30»6»2012
AZP20