زمان جديد العنف درامياً

زمان جديد العنف درامياً
عبدالرزاق الربيعي
كلما أشاهد مسلسلا تركيا أضع يدي على الريمونت كنترول لكي أمارس سطوتي في الرقابة فأقص المشاهد العنيفة وغير اللائقة التي تتضمنها تلك المسلسلات حين تكون دجلة تختلس النظر لما يعرض على الشاشة الصغيرة، ويكون عليّ أن أكون حذرا فأعبث بالأزرار حتى تمر تلك المشاهد، وغالبا ما تكون طويلة، وصاخبة، ودموية، فتتململ الزوجة حتى أعبث ثانية بالأزرار لأعيد المشاهد سيرتها الأولى وهكذا تمر الدقائق حتى تنتهي حلقة من مسلسل لا ينتهي الا بعد شهور من بدء عرضه
والدراما التركية التي كانت في بداية تعرفنا عليها تتسم بالرومانسية حيث قدمت لنا نفسها على انها دراما مجتمع مثالي، يعيش منسجما مع نفسه، جميلا مثل الطبيعة الخلابة التي تحيط به، عاداته قريبة من عاداتنا، وساهمت الأصوات اللبنانية والسورية التي تحل محل الأصوات التركية في الدبلجة العربية في تقريبها من المشاهد العربي، لكنها سرعان ما انقلبت رأسا على عقب، وصارت تتحدث عن الجريمة والسرقة وتجارة المخدرات والحشيش وتعرض مشاهد عنيفة، وهذا ما جعل جمهورية طاجيكستان تمنع عرضها كما نقل موقع hurriyet .
حيث رأت انها ستؤثر سلبا على شعبها بسبب احتواء بعضها على مشاهد عنف وهو من الظواهر الخطيرة التي تستخدم للتأثير على عقل المشاهد فتترك آثارا سلبية على حالته النفسية، لذا تعتبر من الأمور التي تحظى باهتمام القانون لمنع تفشيها .
واذا كانت الدراما التركية قد دخلت الى بيوتنا من باب الرومانسية فصارت الطعم الذي جعلنا نستذوقها لتحل محل الدراما المكسيكية التي سيطرت على التلفزيونات العربية على مدى ثلاثة عقود، وفجأة وجدنا أنفسنا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فبين كل عشرة مشاهد من هذه المسلسلات يطل علينا مشهد ضرب أو قتل أو جريمة وتكرار هذه المشاهد يخلف آثارا نفسية سيئة على الأطفال والمراهقين فضلا عن المشاهد الساخنة غير المناسبة للعوائل العربية
ويبدو أن طاجس كستان وهي من الجمهوريات التي استقلت عن منظومة الاتحاد السوفييتي سابقا ويتحدث سكانها اللغة التركية لا تزال محتفظة بالارث الاشتراكي فهي من المجتمعات التي نشأت على عدم وجود الجريمة المنظمة وظلت محافظة على ذلك على مدى عقود، لكن المجتمع التركي باعتباره منفتحا ومتأثرا بالمجتمع الأمريكي اذ انتشرت في محيطه المافيات، و الدراما تعكس الواقع وكلنا نعرف أن العنف في الدراما صناعة رأسمالية بدأت مع السينما حيث توجه أنظار المنتجين الى شباك التذاكر بغض النظر عن الآثار السلبية التي تتركها مشاهد العنف من آثار سلبية على المشاهد، وهذا ما رفضته السينما التي نشأت في ظل المجتمع الاشتراكي حيث كانت أمثال هذه المشاهد ممنوعة منعا باتا، والمشكلة أن المسلسلات التركية تجد اقبالا كبيرا من قبل الجمهور، لذا تقوم القنوات التجارية العربية ببثها، وللأسف الشديد فإن الاعلام في الدول العربية غير منضبط فصار العنف سلعة رائجة في سوق الفضائيات العربية حتى في القنوات الخاصة بالأطفال فهي لا تخلو من مشاهد ضرب وسفك دماء
بينما في العالم المتقدم وأمريكا، التي دأبت على تصدير مشاهد العنف لنا عبر أفلام هوليوود، تقوم لجنة تسمى الاتصالات الفيدرالية بمراقبة البث الاذاعي والتلفزيوني ، مثلما الحال في كندا حيث تقوم الهيئة الكندية للاذاعة والتلفزيون والاتصالات بمراقبة البث لابعاد تلك الأعمال، أو وضع عبارة أن الفيلم يتضمن مشاهد عنيفة لذا ينصح بعدم مشاهدة الأطفال والمراهقين لها، في سن معينة، لذا يجب أن تنتبه وسائل الاعلام العربية الى خطورة نشر ثقافة العنف، اذ لا نبغي للوسيلة الاعلامية الحاق الضرر بالمجتمع، والأمر لا يخص الأعمال الدرامية فقط بل يتعدى ذلك الى أية مادة خبرية أو فيلمية تجد طريقها للعرض، فلا تسمح بعرض ما هب ودب والا تضع الربحية في مقدمة أهدافها بل مصلحة المجتمع أولا مثلما فعلت طاجيكستان بمنعها عرض المسلسلات التركية.

/5/2012 Issue 4208 – Date 24 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4208 التاريخ 24»5»2012
AZP20
RZRB