قصة قصيرة
رماد الموقد
إلى أطلال بيت جدي الطيني القديم توجهت سيراً على الأقدام بعد أن وصلت وأطلاله التي لا تبعد عن داري كثيراً وجدت انه لم يتبق من الدار التي كانت يوماً ما عامرة سوى بقايا جدران طينية دارسة بلا سقف وبلا ملامح شباك يتيم قد تبقى من بين الأبواب والشبابيك الكثيرة التي كانت تحتوي عليها الدار الكبيرة لشيخ القبيلة وعائلته في القرية النائية .
لي فيها ذكريات مخملية تداعب لحظاتها ذاكرتي بين الحين والحين لا أعرف هل لأنني كنت وقتها طفلاً وللطفولة ذكريات تلتصق في الذاكرة طويلاً ولا تنسى ؟ أم إن الأيام وقتها كانت أجمل من أيامنا هذه ؟ لا أعرف ؟
جلست متكئاًعلى بقايا جدار من جدران المنزل على ما أذكر انه كان بجانبه شجر ( تكي ) كبيرة شاهقة تكاد تعانق أغصانها السماء ماتت اليوم واقتلعت من مكانها ولم يبق أثر لها كان الموقد الذي تستعمله جدتي لطهي الطعام على ما أذكر تحتها قرب الجدار الذي استند إليه فقفزت من مكاني وأخذت مجرفة صدئة ملقاة بالقرب مني ورحت انبش الأرض بحثاُ عن أثر ذلك الموقد حفرت و حفرت حتى ظهر تراب اسود ممزوج برماد الموقد القديم رميت المجرفة من يدي ورحت احمل بقبضة يدي من ذلك التراب الممزوج برماد الموقد القديم وقربته من انفي وأخذت أشم عبقه الذي أعادني بالزمن إلى الوراء ثلاثين عاماً الرماد كأنه لا يزال حاراً كما الأيام الخوالي فرحت أتخيل أحداثاً وتفاصيل الحياة اليومية في بيت جدي أيام زمان فكأن الأواني النحاسية التي كانت تستعمل آنذاك فوقه ومن تحتها جمره المتقد وقت الغروب ورائحة الرز بالسمن الحر أكاد أشمها ألان رغم أنها مجرد ذكريات ليس إلا .
راحت مخيلتي بعيداً وصرت أرى إن الجدران قد عادت سيرتها الأولى وعادت عامرة بأهلها من جديد جدتي رحمها الله كأني أراها تحمل دلو الحليب متجهة نحو الموقد بعد أن حلبت الأبقار وصوت ثغائها يدوي في أرجاء المكان وجدي رحمه الله يفترش البساط المخرم قرب الموقد متكأ على وسادته الدائرية المصنوعة له خصيصاً من الريش يدخن السيجار بسكون كما كان قبيل العشاء وأخوالي تجمعوا هم كذلك قرب الموقد ينتظرون طعام العشاء كأني أرى الدار عامرة بأهلها من جديد و كأني أشم رائحة دخان الموقد وأحس بلهب جمره ألان رغم انه خيال من ذكرياتي عن حياة عشتها في بيت جدي .
أنه لم يكن مجرد موقد انه وطن تجتمع حوله العائلة عند الصباح وعند المساء فقد كانت الحياة بسيطة بلا تعقيد وعلى الرغم من خشونتها إلا إنها كانت جميلة ولها طعم يميزها وعبق خاص لها .
الطعام هو نفسه كل يوم ورغم انه شحيح لكنه شهي. الماء يجلب من النهر غير مصفى إلا انه عذب زلال لم تكن وقتها وسائل راحة من تدفئة وتبريد إلا إني لم أشعر حينها لا بحر ولا برد على مر فصول العام الحياة بسيطة بلا تعقيد حينها فيها الهدوء والسكينة والأمان .
بعد ساعة من تلك الذكريات الجميلة أفقت من حلم وردي عشته في دار جدي وكانت قبضة التراب الأسود الممزوجة برماد الموقد القديم لا تزال بيدي نهضت من مكاني ورحت أتمشى عائداً إلى منزلي وقبضة التراب تأبى قبضتي أن ترميها أشمها تارة وتارة أخرى الثمها بلساني كي أتذوق طعمه وشريط الذكريات الجميلة يداعب مخيلتي عن أيام جميلة مرت عشتها في بيت جدي ولن تعود ولم يتبق منها سوى بعض الأطلال وحفنة من رماد الموقد……..
حسام خوام ال يحيى – ديالى



















