دومييه يتحول من الفن الرومانتيكي إلى سخرية الواقع

من أجل حب الحرية ورسم الفقراء

دومييه يتحول من الفن الرومانتيكي إلى سخرية الواقع

علي إبراهـيم الدليمي

بغداد

يعد الفنان (هونوريه دومييه، Honore Daumier، 1808-1879م) من أعظم فناني فرنسا في القرن التاسع عشر، حيث ينتمي إلى المدرسة الفنية الكلاسيكية، لكنه لجأ فيما بعد إلى ممارسة الفن الواقعي الانتقادي من خلال الرسم الكاريكاتيري. لقد برهن دومييه في حياته على انه في الوقت الذي تنتهك فيه الدوائر الديمقراطية الحاكمة، ينشأ فن عظيم يقف موقف المعارضة في تلك الدوائر. ورغم ان لدى دومييه الموهبة العميقة والطاقة الفنية العالية، إلا انه لم تكن عنده تلك الروابط مع المجتمع البرجوازي الرسمي، كما لم تكن له روابط بنظرية (الفن للفن) الذي أثبتها في أعماله اللاحقة. لقد أرتبط دومييه بالطبقة العاملة التي لم تكن لديها أوهام فيما يتعلق بـ (تحررية) لويس فيليب، ومنحته قاعدة يستطيع منها ان يتحدث بجرأة وانتقاد عن الحياة الفرنسية. لقد رسم وصوّر التعساء في عصره، وأولئك الذين ساهموا بنصيب في تعاستهم.. وهتك ستر المتوقرين، وفضح المنافقين واللصوص والأوغاد والفاسقين، واننا لنرى في لوحاته ورسومه الفقراء المحرومين، والأغنياء الجدد المنتفخي البطون والأوداج، والمشعوذين، والممثلين المهولين، والقضاء المرتشين، والمحامين المتكالبين على المال، ولشد ما يبدو لنا هؤلاء جميعاً، وكأنهم من عصرنا هذا… بل لا يتكرر التأريخ بصوره.

وكانت لوحاته تستند إلى لذته الشخصية في الرسم الانتقادي وترتكز على مصاعب الحياة ومآسيها، وهكذا أبتعد (دومييه) عن الرومانتيكية، وأتجه نحو الواقعية التي كانت متنفسه الحقيقي، فقد كانت رسوماته، سياسية تسخر من (البرجوازية)، إذ كان العهد يومذاك عهد ثورات ومشاكل سياسية واجتماعية تعج في فرنسا، خاصة مابين الأعوام (1830-1848)، وفي عام 1870 أثناء الغزو البروسي اشترك دومييه في الدفاع عن باريس أثناء حصارها. ولم يستطع دومييه أن يكون بمنأى عن السياسة، فقد أطاحت عام 1849 بالملكية الفاسدة من الوجود، غير ان البرجوازية الخائفة وقفت ضد الشعب العامل الذي كان أفراد في جبهة الثورة التي منحتهم أعمالاً تخف عنهم عبء الحياة… ثم قامت البرجوازية بطردهم من العمل ولفظت بهم إلى الشوارع، وطالبت بان تحقق الجمهورية وعودها وتستبعدهم. ونتيجة لهذا وقعت الجمهورية نفسها فريسة لويس نابليون الذي جعل من نفسه أول رئيس ثم الأمبراطور نابليون الثالث، ودفع البلاد إلى ست حروب خلال عقدين من السنين.

وقد وقع بعض المثقفين الفرنسيين مثل (بودلير) في يأس كامل، غير ان دومييه تحرك بشجاعة لمهاجمة نابليون الثالث نفسه، فأحياناً يظهره على انه طاغية وقاتل متوحش، وأحياناً يظهره على انه (شهم) محتال تافه، كما في تمثاله (راتابويل).

وقد شن دومييه في المدة من سنوات 1850 إلى سنوات 1860، هجوماً على الجنون الذي يدعو إلى الحرب، كما هجأ الدبلوماسيين المراوغين الفاسدين، ومنتجي الأسلحة والذخيرة الشرهين.

وقد طلب الشعب الإيطالي الذي يكافح من أجل الديمقراطية والاستقلال في 1848-1849، المعونة من الجمهورية الفرنسية، وفي إيطاليا طلب السياسي المستهتر (تبير) ان يقوم جيش فرنسي بضرب مدينة روما بالمدافع، لإخماد حركة الشعب الإيطالي… غير ان (دومييه) تبنى قضية الحرية الإيطالية، كما في الرسم الهزلي الرائع (العملاق يستيقظ) الذي أبدعه، فأظهر فلاحاً ينهض من على الأرض وهو يزيح الأقزام من حوله.

وكان حب الحرية من أجل الشعب الفرنسي يعني عند دومييه، احترام حرية واستقلال جميع الشعوب الأخرى. لم يكن دومييه اشتراكياً، لقد حارب طوال حياته مع الاشتراكيين من أجل الجمهورية، ومن أجل حياة ديمقراطية حقاً، محاولين ان يستخرجوا أشكال الديمقراطية والبرلمانات والمحاكم من جيوب رجال الصناعة والمال والسياسيين المؤجرين الذين أستولوا على هذه الأشياء بأعتبارها سلعاً تشترى وتباع في الأسواق العامة.

ولقد ظل دومييه طوال حياته يحتفظ بهذا الوعي الطبقي الاساسي، ومحبة الشعب العامل والفخار باستقلاله ومحبة الطبقة التي لا تعيش على عمل الآخرين، والتي لاتريد ان تستقل أحداً والتي تتعاطف مع الصراعات الديمقراطية في العالم كله.

ونجد في رسومات دومييه ابتعاداً كاملاً عن التمجيد القديم للأباطرة والملوك والارستقراطيين، فالملك يصور الآن باحتقار شديد من زاوية أخلاق سامية، وهناك طبقة جديدة تجلس في مقعد الحكم بالنسبة لمجتمعها والمجتمع الطبقي السابق كله، ولم تعد هذه الطبقة تعبر عن أحلامها فيما يختص بعالم الاستغلال فيه خيالات طوبوته، فأخلاقية هذه الطبقة قائمة على المكانية الواقعية للمجتمع القادر على ان يعيش بدون حرب، وبدون استغلال طبقة لطبقة أخرى.

والشئ الذي جعل دومييه أعظم فنان فرنسي في زمنه هو انه جسد في فنه، أكثر مما فعل أي فنان آخر، الحياة القومية في فرنسا، إذ نجد فيها ابرازاً للصور الحية للشعب لإعطاء الأمة الفرنسية، وعياً بذاتها كما يشكلها التأريخ، وكما يساعدها هذا الوعي الخالص على تشكيل التأريخ. وفي عام 1832، سجن دومييه، وسرعان ما منع من تناول الموضوعات السياسية، غير ان نظرة الطبقة العاملة غير مقصورة على السياسة المباشرة فهي تفحص، لاجئة إلى الآراء الجديدة والنقدية، كل جانب من جوانب الحياة والثقافة.

وقد عاد دومييه لرسم قوانين المحاكم والمسرح والمتنزهات والاسواق وحياة الفقراء وأولاد الشوارع والمنازعات البسيطة القائمة في الحياة الزوجية البرجوازية وعجرفة الموظفين العمومين وخيلاءهم.

لقد أعلن دومييه عن وجوده بسلسلة من الرسوم الهزلية في الصحف بين الأعوام 1831و1834، وكان عملاء لويس فيليب قد قاموا بمذبحة بالنسبة للشعب العامل في ليون، الذي حاول أن يثور من أجل فرنسا ديقراطية، وقد ذبح سكان منطقة كاملة عن بكرة أبيهم، ويظهر لنا رسم إسمه (شارع) ترانسنونان، أبريل1834، أسرة من الطبقة العاملة وقد قتلت في غرفتها.. وهناك رسم آخر إسمه (لقد مات لافاييت) حظ تعس أيها الرفيق القديم، يظهر لويس فيليب علة شكل إنسان سمين يرتدي قبعة عالية متأكلة وسروال متفتح، وهو يطبق يديه في حالة إبتهال بينما يتفرس بمكر في جثة لافاييت.

إن الرسوم الكاريكاتيرية، والرموز السياسية، عند دومييه، ليست واقعية في منهجها، إلأ انها تمتد بجذورها في الواقعية من حيث انها قائمة على الملاحظة الثاقبة للحياة، وطريقة الكاريكاتير، ليست في تأكيد أكثر الأشياء عمومية وشمولاً في الموضوع، بل في أشد النواحي الفردية في الطبع وأكثرها دقة في وصف المظهر أو السلوك، والمبالغة، أي ابراز بعض الصفات بشكل ساخر، تثير في عقل المشاهد صورة مناقضة لشخص سوي، ومن هنا تحدث النقطة الإنتقادية.

وكان لدى دومييه تنوع في المزاج، تعنيف مر لمحاولات لاجهاض العدالة والطبيعة الرجعية المتزامنة في المحاكم، والتعاطف الانفعالي مع الذين يعانون، ورقة تجاه الطيبين من الناس، والسخرية المتقلبة من الأغبياء، وكان أكثر شئ يكرهه هو ذلك القناع الذي يلبسه أولئك الذين يحاولون أن يفرضوا أنفسهم على رفاقهم. ويكشف أحد الرسوم الهزلية الشهيرة لدومييه، عن ثلاثة أنصبة تذكارية، قد أقيمت لمخترعي ـ المدفع والبندقية والقنبلة ـ ويظهرهم وهم يحتضنون اختراعاتهم بشدة، ومشاهد الرسم الذي يصدمه هذا الوضع، انه يتساءل: لماذا يجب ان يمنح هؤلاء الناس أنصبة تذكارية؟!.

وأسلوب دومييه له إتساع كبير متنوع، فيمكن ان يكون رسمه حاداً وصارماً، عندما يصف اللا إنسانية، ويكون ناعماً ورقيقاً عندما يبتعث الإنسانية، وهو اسلوب يكشف في الناس الشئ الأكثر عمومية فيهم والذي يربطهم بالآخرين، وربما يستحيل جعل الفن أكثر بساطة من هذا، ومع هذا فهو يحتفظ بالفخامة والإحساس بالواقع الناطق بالصور الإنسانية، وهذا جانب خاص في فنه، هو الاسلوب الفكه.

فنحن نجد في دومييه مرة أخرى مثالاً على الحقيقة التي ترى أن الأساتذة الكبار القادرين على الاسلوب الرمزي، هم الواقعيون العظام، وهم يستخدمون الرمز كأداة مساعدة ضرورية.

كما ان دومييه لم يكن مجرد رسام كاريكاتيري، وانما كان فناناً عظيماً يمكن مقارنة الكثير من رسومه برسوم، رافائيل، ورمبرانت، وروبنز، أولئك الذين كان قد درس أثارهم أيام شبابه، في متحف اللوفر، ولكن لان رسوم دومييه، كانت تعالج على الأغلب موضوعات أقرب إلى النقد الإجتماعي أو السياسي، فان أبناء عصره ـ بل هو نفسه ـ لم ينظروا إلى هذه الرسوم على أنها من الفن أو ما يقرب منه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر (بتصرف):

ـ الواقعية في الفن / تأليف: سيدني فنكلشتين، ترجمة: مجاهد عبد المنعم، القاهرة1971.

ـ قصة الفن الحديث / تأليف: سارة نيوماير، ترجمة: رمسيس يونان.

[email protected]