
حميد سعيد شاعر الحداثة
تداخل الرسم والغناء بتجربة متفّردة
خالد العزاوي
يشكل الشعر العراقي الحديث ظاهرة تستلزم الوقوف عليها ورصد جوانب الوجه الفني في القصيدة باشكالها الجمالية اي دراسة كل توابعها الفنية سالكين تتبع اغلب شعرائها الذين تركوا بصمة في المشهد الشعري من جيلها الاول حتى الان وسيكون لزاملا علينا القاء نظرة سريعة على الرعيل الاول من جيل شعر الحداثة حتى لا يتشتت موضوع البحث الذي نريد وضعه بين يدي القاريء عن شاعر تواصل بنسق واقتدار عالي في صنع الظاهرة الفنية في القصيدة الحديثة على مدى زاد عن ستين عاما انه الشاعرالانسان حميد سعيد
وتناول حميد سعيد الانسان والشاعر ليس سهلا فقد عاش الشاعر بازمان كان من السهل ان يكون شاعرا تابعا لسيد او ممجدا لشخصنة حاضرة في محفل حياته وتابعا لرمز كما فعل عدد من الشعراء من جيله الا ان حميدا كان بارزا وحاضراوتابعا لمبدئية ايمانه بمعتقداته التي نشا عليها حيث كان المشهد العروبي سبيلا في ثقافته ..
ولادته وعشقه لمدينه بابل :
ولد الشاعر حميد سعيد بمدينة الحلة ( بابل ) تلك المدينة التي تحمل ارث حضارة مهمة انها حضارة بابل احدى اهم حضارات الامم وفي الجانب الصغير ( الصوب الصغير ) في محلة ( الوردية ) في الجانب الشرقي من مدينة الحلة وتحديدا في السابع والعشرين من عام 1941..
عودة للتاريخ
وللحديث عن مدينة الحلة هذه المدينة التي تنام مسترسلة بهدوء على ضفتي شط الحلة يستلزم بنا العودة للتاريخ قديمه وحديثه فهي مدينة بما تحتوي من اثار واطلال واضرحة تعتبر ( اقليم ) وهو من اقدم الاقاليم التي استوطنها الانسان ..لذالك سنجد لاحقا انعكاس هذا الارث ماء الفرات ونخيل المدن المرمية على شاطئيه في شعر حميد سعيد حيث اعتزازه ببابل الحضارة وملوكها فقد كانت حلما في اغلب
اسرتني حروف البداية .. هل انا وحدي
الذي اسرته حروف البداية
اسألوا جيلكم وانا اسأل القادمين
اسألوا كل ذي جنة وانا اسأل الواهبين
بغض النظر عن زمن كتابة هذه القصيدة ( عودة الى مرفأ البداية ) وفيها يطلق سهمه عن جمال النخل الذي علق في تكوينه وعن احاديث العشية في ( شرفات سطوح المازل ) ..
الاحاديث بعد العشية انثى تضاجع في كبر
لغة الاقوياء
حملتني الاحاديث طفلا
حملتني .. وللهلع المر طعم اسطوانة
في ليالي الجنوب .
واذا ما تجاززنا الحان قصائد حميد سعيد منذ بداياته حتى غربته القسرية العراق وعن مدينته واحلامه وانتقلنا الى نمط قصائده في الغربة التي امتدت حتى الان اكثر من خمسة عشر عاما سنقف من دون شك على فيض مشاعره وانين نبضات قلبه ففي قصيدة مهداة الى زوجنه نفيلة وابنيه بادية ومصعب ( ما يشبه الخراب .. بل هو الخراب ) يتسائل بمرارة ..
هل اعرف هذه الوجوه
هل مررت من هنا
وهل اقمت حيث تظهر الاشجار في نهاية الطريق ؟
اسئلة تغير الصورة
ثم يمضي نحو حتمية صورة رسمها كان الارض انقطعت عنه ولم يعد هناك امل في العودة ..
الموت في انتظار كل حي عند كل باب
لا فرق بين ميتة وميتة .. وبين مقتول ومقتول
الوقع القصصي السردي في قصائده :
خلق حميد سعيد متعته الشعرية بعد ان صنع مزاجها بمقدرته والمهارة التي يتمتع بها ولقد كان واضحا مدى تنقله عبر ترويضه لغة قصائده والموسيقى التي يعزف بها حيث تقوم لغته الشعرية بشكل منظم طبقا لابداعات قصائده خصوصا تلك التي ظهرت في قصائد السردية برغم اليتها والتي اشتهر بها قبله شعراء الحداثة امثال سعدي يوسف حيث قادته كتابة القصة النثرية الى المضي القصص الشعرية وشاركه بنفس الاهتمام الشاعر يوسف الصائغ وسامي مهدي وقد اطلق بعض النقاد على هذا النوع ( اللمحة القصصية ) على ان رموز الشاعر في مثل هذه القصائد غالبا ما تكون رموز ( عابري سبيل )
رجل في السبعين .. وسيدة في …. ؟
يلتقيان …
بمشفى في عمان
اتعرفني … ؟
يفترقان
في شارع فيصل فرحان الجربا … حيث يقيم
رآها
يتعقبها كلب جبلي حذر
اسرع
فابتسمت
وهي تقول … أحقا لايتذكرني ..؟
ثم يمضي في السرد الشعري
في دائرة الهجرة
فاجأه صوت امرأة ,, ياتي من زمن جد بعيد
أأنت ؟
بلى
كان لحميد سعيد وقع متواصل في الشعر القصصي في ديوانه الاخير ( ما تأخر من القول ) المطبوع في شباط من العام الحالي ..ولم تخلو دواوينه السابقة من الشعر القصصي ففي قصيدة ( المرور في شوارع سلفادور دالي الخلفية )
تبدا اللعبة
ياتي رجل .. يمسح عن ذاكرة الليل خطاياه
يكون الرجل الاتي على هيئة ثعبان
على هيئة بغل قادر
ان يمنح الصورة لون الوقت
هنا يمكن القول ان الوصف الذي اعطاه للرجل يكاد يكون تهيئة لرجل سيدخل المسرح وهذا الوصف يهييء للمخرج صورة رجل تلزم اضهارها للمتلقي ..
الصورة الشعرية لدى حميد سعيد ايضا لم تختلف عن غيره من شعراء الحداثة بل يحق القول ان نميزها في كثير من قصائده حيث النخل وماء الفرات والبساتين وقرى الطين تلك التي تطل عليها ( الوردية ) مسقط راس الشاعر في محافظة بابل وسط الحلة حيث تمتد على ثلاثة اطراف منها قرى وبساتين وفي الجهة الاخرى المقابلة نهر الفرات .. اي انها من موروث حياته ومجتمعه وقد ابدع حميد سعيد بوصف الصورة الشعرية.
قرأنا على رُقُمِ الطينِ..
إنَّ قُرىً عَلَّمتها البساتينُ.. فاتِحَةَ الماءِ
كانَ الفراتُ يمرُّ بها..
فيضيِّفهُ النخلُ والتينُ
جاءَ عن الأوَّلينْ..
إن أبهى النساءْ
تُخرِجُ الأخضرَ الذي اختطفتهُ ليالي الشتاءْ
يُدفِّئُ ليلتها..
وتُدَفِّئُ ليلته..
ويعودُ إلى رحِمِ الأرض.. ما كان من شَجَرٍ طيِّبٍ
الحنين والشوق في صوره الشعرية :
ويتسامق شكل الصورة الشعرية لدى حميد سعيد كلما اشتد به الشوق والحنين , كلما جلس وحيدا تحضره صورة بابل التاريخ والحضارة ووحدانيته كثرت بعد ان تقدم به العمر ويجب القول ان اغلب الشعراء لم يجرؤ ان يصل لوصف صور شعرية عن مدينة حضارية وهذا الاعتزاز النفسي لم يكن حاضرا في صوره الشعرية لولا اعتزاز الشاعر بالحضارة ..كما في هذا النص القصير
كُلَّما زارني الشجرُ البابليُ..
أدخلتُهُ سلالةَ العواصفِ.. ثمَّ انتسبتُ إليهْ
ومضيتُ لأبحث عنهُ..
في كتبٍ.. لم أعدْ أتذكَّرُ أين هي الآنَ..
مُذْ فارقتها عناوينُها
وسأسأل عنهُ بلاداً جفتهُ
وأسألهُ..
عن بلادٍ إذا ما رَحلْنا إليها معاً..
أتراها ستعرفنا؟
قصائده الوطنية والعربية :
كثيرة هي المواقف الوطنية قطريا وعربيا في قصائد الشاعر حميد ولقد زخرت قصائده الاولى بظاهرة الانتماء العروبي فهو ينتمي للجيل الذي بدا بالادب الثوري ( وهو التعبير عن الثورة والمشاركة في تغيير الاوضاع السياسية ) ومثل هذا الادب كان يحتاج لمناخ والى فترة يعايش فيها الاديب الاحداث .. لقد عاش حميد سعيد بداياته احداثا كثيرة من هذا النوع وتفاعل معها وخصوصا محلتي الصبا والشباب ففي قصيدته الفتى وصوت الارض المهداة الى شهيد فلسطيني مازن ابو غزالة يقول
اما الفتى العربي فقد اوقد
الشمس
والسيف
والنار
الغى المدى في طريق العبور
عتقت كل دالية فالرياح ..
ابنت عطرها
وللمدن العربية في قصائد الشاعر حميد سعيد صور للعشق والحب وخصوصا غرناطة حيث امضى هناك فترة للعمل طبعت فيها ملامح شاعرية تاريخية اقترنت بحب الحياة البسيطة التي تعمقت صور الاحياء الشعبية فيها
غرناطة
يسال عنها بائع المقانق الكوبي .. حارس العمارة
رسمت وجها في مصطبة البحر
وفي المطار لم يلاحظ الشرطي
ان حزنها معي
قرات في دفتره قائمة بالمنع :
- وجهها
- الحشيش
- الثورة والحزن ..
كتاب ونقاد يكتبون عن الشاعر:
ساهم نقاط كثيرون وكتاب مبدعون بالكتابة عن حياة ومسيرة وابداعات الشاعر حميد سعيد حيث كان حضوره زاخر لدي نماذج مختلف من النقادغ عراقيا وعربيا ففي كتاب دراسات في ادبيات عزيز السيد جاسم للاديب والناقد الكبير رزاق ابراهيم حسن حيث يسلط الضوء في فصل منه عن كتابات عزيز السيد جاسم الذي كان صديقا حميما للشاعر حميد سعيد ومن جيله الستيني وكانا معا ( حميد سعيد وعزيز السيد جاسم ) وهما القادمان من مدينين مختلفتين في العراق كانا يجوبان الشوارع التراثية والثقافية ( شارع الرشيد وشارع المتنبي المتفرع منه ) وقد خصص عزيز السيد جاسم دراسة مستفيضة عن الشاعر حميد سعيد وهو كتاب ( ايقاع بابلي : قراءة في شعر حميد سعيد ) حيث ذكر عزيز السيد جاسم عن قيام الشاعر حميد بزيارة بعض فصائل المقاومة الفلسطينية ( لمدة معينة قرب حزام الارض المحتلة ) وهذه المعلومة تؤكد انتماء الشاعر الصميمي مع قضية عربية مركزية شكلت المشهد الاول لعشق الشاعر حميد سعيد ..
ويسمي د. مصصفى الكيلااني في كتابه عن الشاعر حميد سعيد ( شاعر البدايات ) يلقي مقاربة تاويلية في الدلالات المرجعية ويسمي الشاعر ب ( شاعر البدايات ) ويقول الكيلااني ان حميدا شاعر طفولة الماء وهو فيض من ذكريات تستعيد ازمنة المدن متل ( الحلة ) حيث اعالي الشجر والمنازل وعن بيروت حيث تحمل ذكرة الشاعر ينقل عشق المدن وحلم الشاعر
في كل يوم كنت اضرب في شوارعك القصية
من يرافقني اليك الان ؟
الشمعة والدراويش
وفي كتابه ( الشمعة والدراويش ) يقول الكاتب هشام عودة في حوار شامل بدأ في مقهى بيت القمح ( ان الدخول الى عالم حميد سعيد ليس سهلا , فكل باب تلجه تهف من حولك روائح الياسمين والفرنفل والنارنج والبربين وتحنو عليك شجرة الصفصاف ) هذا القول يؤكد ان المحاور هاشم عودة قد نفذ الى مشهد حميد سعيد من ضوع حروفه الشعرية او النثرية حيث تقف بغداد بنارها ولهيبها وما خلفه الاحتلال من دمار وحزن كثير في ” غابة الرماد ” لقد كان الشاعر حميد سعيد ولد عصي ي نام في الحلم العصي وينتظر المصابيح تحمل في سرها ما يخبيء الطريق .
وتكثر الصور الابداعية عن حميد سعيد عند ( نضال القاسم ) في كتاب جدلية الشكل والمضمون .. حفريات نقدية في متن حميد سعيد الشعري فهو اي حميد ( صوت شعري متوهج صادق الحس رهيف التعبير عن خلجات نفسه وهو ناقد ومفكر متميز في الابداع وهو الانسان العراقي الاصيل المعطاء .. والشعر لدى حميد سعيد ظاهرة شعرية متميزة في الشعر العربي الحديث لما في كتاباته من احساس بالإنسان المقهور المعذب الذي يتطلع الى الخلاص مما هو فيه ويسعى ليحس بالامن والسلام . وفي دراسة في حداثة الشعرية يقدم لنا الكاتب ( عصام شرتح ) بكتابه الصادر في سوريا بعنوان ( مفاتيح الشعرية في قصائد حميد سعيد ) مفاتيح الاسلوبية الخاصة بالشاعر ومثيراتها الفنية المميزة الذي يمتاز بها هذا الشاعر عن سواه ويقف الناقد شرتح باحثا بدقة عن قصائد حميد من الناحية اللغوية والدلالية والاسلوبية والجمالية .
يكتب بتفصيل ايضا عن الاستاذ عصام شرتح عن شعرية الوحدة النصية ( شعرية الجملة ) وشعرية الجملة الفعلية وشعرية الوحدة النصية , ان الشاعر اي شاعر هو ربيب اللغة وهو الذي يخلق متعتها ويصنع مزاجها تبعا لمقدرته ومدى ما في داخل الشاعر من احساسات على اجنحة الكلمات المموسقة ويخلص الى القول ان الشاعر الكبير حميد سعيد كان بارعا في عموم قصائده في خلق هذه الصوروان الحرفنة النسقية لديه لا ترتقي بالانساق اللغوية فحسب وانما ترتقي بالفاعلية التاثيرية للصور من تنشيط الدلالات ببلاغتها واحداثياتها المنتجة للمعاني الجديدة على الدوام .. كما في ديوان من ورد الكتابة الى غابة الرماد ..
( وانتظرتك .. قبرة الصحو تنكرني .. وتطارد ضوئي
وتنقر ورد النهار) .
اما الفنان التشكيلي والناقد حمدي مخلف الحديثي فقد بحث عن القصيدة التشكيلية في شعر حميد سعيد وذلك في حواره معه عام 2013 وقد حاول الحديثي الى الوصول ان ببعض قصائد الشاعر حميد سعيد ملامح للوحات تشكيلية امتزجتها الالوان وكيف كان للشاعر مقدرة في الوقوف مع لوحات محددة لرسامين معروفين عرب واجانب كما هو الحال في توقف الشاعر مع ” ثور بيكاسو ” و ” غراب علاء بشير ” و” نساء غوغان التائهات ” اما فيما يتعلق بالتركيز على لون اخر فذلك لاني لا اصف تلك اللوحة بل اتمثلها .
يقف الرسام امام مربع لوحته
يدفع عنها الابيض .. بخطوط متشابكة
وبالوان متداخلة
ويشكل منها .. ما يتخيله فردوس طفولته ..
يقول الناقد حمدي ان القصيدة عند حميد سعيد تتوصل في تداخل بين الشعر والرسم والغناء وهي تجربة متفردة في الشعر العربي , قديمه وحديثه .
لو مضينا في الكتابة عن الشاعر حميد سعيد لتجاوزنا مساحة المحدود فيما يكتب في الصحف وهذا الموضوع النقدي عن الشاعر الذي اراه متواضعا ارجو ان اكون قد وفقت به على اني اقر انه كانت لي رغبة في مواصلة الكتابة عن شاعر استطاع الانتقال بجدارة الى مصاف الشعراء العرب كما كتب عنه نقاد كبار عرب وعراقيين ورغم ان هناك من حاول انكار الابداع الشعري لدى حميد سعيد في فترة انتقاله الى فجاج الغربة بعد احتلال العراق لكني اقول ان مثل هذا النوع قاصر في البحث والتقصي ومجاراة الحقيقة .. تحية للشاعر الفراتي البايلي حميد سعيد كما يحلو لي ان اسميه ..


















