حرية التفكير لا تعني حرية التيه – خالد محسن الروضان

حرية التفكير لا تعني حرية التيه – خالد محسن الروضان

ليست حرية التفكير دعوةً إلى الفوضى الذهنية، ولا رخصةً للتيه في متاهات الهذيان. فالفكر الحر لا يُقاس بقدرته على التمرد وحده، بل بقدرته على إنتاج معنى، وبناء وعي، وتقديم رؤية تتجاوز الانفعال إلى المسؤولية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع التوجهات السياسية والحزبية والثقافية في العراق أن تستنير بنتائج الدراسات والبحوث الجادة، وأن تستخلص من دروس الماضي القريب ما يجعل مصلحة الوطن عنوانًا أعلى من كل العناوين الأخرى؟

وهل بوسع الثقافة العراقية أن تنتج مثقفًا يمتلك من العلمية والشجاعة ما يرفعه فوق الانتماءات الضيقة؛ الحزبية والطائفية والقومية، أم سيظل أسير التصنيفات الجاهزة: يساري، إمبريالي، عميل للغرب، ليبرالي، رجعي، إسلامي، مجاهد؟

لقد قدّم الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي في دفاتر السجن تصنيفًا للمثقفين إلى نوعين:

الأول، المثقف التقليدي، الذي يعيد إنتاج الدور نفسه جيلاً بعد جيل، كالمعلمين والإداريين ورجال الدين.

والثاني، المثقف العضوي، الذي يرتبط مباشرةً بطبقات اجتماعية أو مؤسسات اقتصادية، وينظم مصالحها ويعزز قوتها ونفوذها.

غير أن الإشكال في العراق يتجاوز هذا التصنيف، إذ تحوّل كثير من المثقفين إلى أدوات تكرّس الانقسام بدل أن تعالجه، وأصبح النظر إلى التاريخ شبيهًا بالنظر إلى هرم متعدد الوجوه؛ كل فريق يحدّق في وجه واحد ويتجاهل بقية الوجوه.إن ما يمكن تسميته بـ»عقبة الأفكار» أو الأحكام المسبقة، لا يمكن تجاوزها إلا حين تصبح مهمة التفكير في الواقع مهمةً مشتركة، لا تلغي التعدد، ولا تُكلل أي فكرة بقداسة تمنع نقدها.

فالمشكلة ليست في الأفكار المثالية أو الأيديولوجية بحد ذاتها، بل في ادعاء كل منها امتلاك الحقيقة المطلقة. حين تقدم نفسها وكأنها المصدر الأوحد للفهم، فإنها تمنح ذاتها سلطة الإقصاء والنبذ، وهي سلطة لا تختلف كثيرًا عن سلطات الأيديولوجيات الأخرى.

إن الثقافة العراقية بحاجة إلى مثقف موسوعي، قادر على بناء أرضية وطنية مشتركة، تستوعب التشظي الذي يمر به العراق، وتنبّه المجتمع إلى مخاطر الطائفية والانقسام، وتؤسس لوعي ديمقراطي يستوعب التنوع في بانوراما الوطن العراقي.وهذا يقتضي تجاوز الخلافات التاريخية، وعدم استحضارها كوقود دائم للصراع المعاصر. فالخلافات التي نشأت في سياقات تاريخية بعيدة لا يجوز أن تُعاد إنتاجها في حاضرنا بوصفها معارك عقائدية مستمرة.

إن الأوان قد حان لإحداث انقلاب حقيقي في أسلوب تفكيرنا. وليس من الجدير بنا، ونحن نعيش في الألفية الثالثة، أن نستمر في التفكير بذهنية الخرافة والأسطورة، أو أن نُسقط على واقعنا الحديث أنماطًا من التفسير تعود إلى عصور لم تعد قادرة على تفسير عالمنا.حرية التفكير هي مسؤولية معرفية وأخلاقية، لا مجرد انفلات من القيود. وهي لا تكتمل إلا حين تتحول إلى مشروع وعي، يربط الحرية بالحقيقة، ويجعل العقل أداة للبناء لا للهدم.