حرب الثقافات أين نمضي؟    (15-16) – منقذ داغر

حرب الثقافات أين نمضي؟    (15-16) – منقذ داغر

علاقة التكنولوجيا بالميمية

حينما تطورت الصناعة وانتشرت كانت بحاجة لسلوكيات وثقافة أجتماعية مختلفة عما تعوده المزارعون وسكان القرى،فقد حلت الآلة محل الفلاح والمصنع محل الأرض والقانون الوظيفي والتجاري والأقتصادي محل العرف والعادات الأجتماعية،والنقابات محا العشيرة والقبيلة. وصار الولاء الوظيفي أهم من الولاء القبلي. ونقلت وظيفة التعليم من الأسرة والقبيلة الى المدرسة والدولة. أنها تغييرات أجتماعيةجذرية قد ضايقت الكثيرين في حينها وجعلتهم يشيطنون الآلة وما فعلته بالأنسان والمجتمع،ويحنون لتلك الأيام البسيطة الواضحة المعالم حيث الوضوح والحميمية الأسرية والرضا بالقليل والأيمان بالغيب.وأذا كان ذلك هو ما فعلته الآلة،فما بالك بالرقمنة التي تريد أستبدال الأنسان بالروبوت،والواقع الحقيقي بالواقع الأفتراضي وقوانين المجتمع بقوانين الفيزياء والذرة والألكترون؟!

ادارة المعلومات

مرت الثورة الرقمية بثلاث مراحل أساسية تداخلت،ولا زالت،تأثيرانها وأزمانها.لكن هذا التقسيم يراد منه التوضيح فقط وهو ليس توقيت زمانيأو تأثيراتي حاد وفاصل:

1.المرحلة الاولى (1950-1975)  وبدأت معالمها وآثارها الأجتماعية والأقتصادية بالظهور في تسعينات القرن الماضي.رتبطت  تلك المرحلة بنظم ادارة المعلومات وتحليل البيانات وثورة الأتصالات.

  1. المرحلة الثانية(1970-1990) وبدأت تأثيراتها الأجتماعية والأقتصادية بالظهور بعد الألفية الثانية بقليل وتميزت بأنفجار الأنترنيت ومحركات البحث والتسوق الألكتروني.
  2. المرحلة الثالثة،بدأت في التسعينات ولازالت مستمرة لكن تأثيراتها بدأت تظهر بعد 2020 وتميزت بالذكاء الأصطناعي والواقع الأفتراضي والواقع المعزز.

يلاحظ أن كل موجة تبدأ بأفكار وأختراعات تأخذ حوالي العقدين من الزمن لكن تأثيراتها لا تبدأ الا بعد عقد أو أثنين من الزمن. هذا يعني أن أي أختراعات جديدة ستحتاج لمدة زمنية كي يتم التعرف على تأثيراتها.تصوروا مثلاَ أختراع الأنترنيت في تسعينات القرن الماضي.يعرف من أستخدم الأنترنيت مثلي آنذاك كم كان بطيئاَ وأستخداماته محدودة جداَ. لاحظوا الرحلة الطويلة التي أستغرقها ذلك الأختراع كي يصبح على ما هوعليه الآن. لم يكن أحد حينها يتصور ما سيفعله الأنترنيت فيمجال الأتصالات والاعلام مثلا. وبالمصادفة،فقد قرأت أمس عن ثورة تكنولوجيةجديدة في مجال الحواسيب تسمى تكنولوجيا الكم Quantum technology والتي ستجعل أفضل وأسرع الحواسيب التي نعرفها اليوم بدائية كتلك الحواسيب التي عرفناها قبل ستين سنة.

هنا لا بد من توضيح سبب أستطرادي في شرح التغيرات التكنولوجية. أعود وأذكر بنظريتي في هذا الخصوص وهي أن الأجتماع الأنساني يتأثر بشدة بالتغيرات التكنولوجية التي تفرض عليه أنساق وسلوكيات أجتماعية جديدة،وهذه ليست نظرية أخترعتها أنا بل كثير من علماء الأجتماع والمختصين به.لكن ما علاقة ذلك بالميمية؟ العلاقة تبدو أكثر وضوحاَ حين ندرك أن السلوكيات التي تتطلبها التكنولوجيا الجديدة تساعد على أنتشار الميمية وتعززها،تماماَ مثلما عززت كثير من سلوكياتنا الأجتماعية السابقة أنتشار وباء كورونا وفاقمت من أثره. ومثلما لم  يكن بالأمكان دحر الكورونا من خلال الأدوية واللقاحات فقط،فلا يمكن لمجتمعاتنا التصدي لهذا الوباء السلوكي بدون معرفة الواقع الأجتماعي الذي تفرضه التكنولوجيا الرقمية. أن أهم خاصية يتميز بها التطور التكنولوجي هي أنه سريع وغير ثابت.لذا فهو يحتاج الى مجتمعات سيالة،أو كما أسميتها في كتابي(ثقافة التصلب في العراق) مجتمعات ذات ثقافة أجتماعية رخوة Loose Cultures.

مجتمعات لا ترفض ثقافتها ما هو جديد وتسمح لأعضائها بأن يمارسوا سلوكيات تختلف عن المعايير والعادات والتقاليد الأجتماعية دون أن يتعرضوا لعقوبة أجتماعية شديدة (كالعزل، والشيطنة).

 هكذا نفهم مثلاَ أنتشار المنظمات والحركات الداعمة للمثلية في دول أكثرمن غيرها. هذا يعني أن المجتمعات ذات الثقافة الصلبة Tight Culture كالعراق ومعظم دول الشرقين الأدنى والأقصى ستقاوم بشدة هذه السلوكيات الميمية،وهو ما حاصل فعلاَ. هنا ياتي دور التخادم مع التكنولوجيا الرقمية.فهذه التكنولوجيا تمتاز بالشمول وتخطيها الحواجو الثقافية والمكانية بحيث تعلمن  Globalize ثقافة العالم لتصبح ثقافة واحدة ليس فيها جُزُر ثقافية معزولة. فالتكنولوجيا تريد أعتماد أكبر عليها بحيث تصبح هي،لا الثقافة من يتحكم بالمجتمع.لقد أظهرت أحدى الدراسات مثلاً أنه من حوالي 100 موقع هي الأكثرمشاهدة وتتبع في العالم فأن 27 منها فقط  تبث محتوى باللغات المحلية،ونحن نعرف أن اللغة هي وعاء الثقافة وأداتها. لقد باتت عولمة الثقافة واقعاً معاشاً ويكفي النظر للأقبال الواسع على تعليم الأطفال في مدارس أجنبية. أن هذه ليست مؤامرة ولكنه تطورطبيعي يفرضه من يمتلك التكنولوجيا ويتحكم بها،تماماً مثلما كان العرب والمسلمون في مرحلة تاريخية معينة يتحكمون بالتكنولوجيا والأختراع. هذا يعني أستخدام أكبر وبالتالي دعم أكبر للتكنولوجيا الرقمية للأستفادة منها في أحداث هذا التغيير الثقافي وفي نفس الوقت فلرص أكبر وآفاق أوسع لكي تطور شركات التقنية من أمكاناتها وتعزز أرباحها.

ما المطلوب لمواجهة الميمية؟

في الحلقة السابقة تمأيضاح الربط بين التغير التكنولوجي والميمية. هنا أود الأشارة الى حجم تأثير شركات النكنولوجيا والتي تبلغ قيمة منتجاتها السنوية 2 تريليون دولار(فقط في أمريكا) وتشكل 35 بالمئة  من حجم الصناعة العالمية.

وهناك اليوم 585 الف شركة تكنولوجيا في أمريكا فقط تشغل حوالي 12.2 مليون عامل. هذه الأرقام توضح حجم التأثير الممكن لشركات التكنولوجيا في حياتنا وواقعنا الأجتماعي. خذوا مثلا موضوع الذكاء الأصطناعي وصناعة الروبوتات. سوف لن يطول الزمن حتى نرى هذه الروبوتات تغزوكل مناحي حياتنا ونتعامل معها بصورة شبيهة لما نتعامل بها مع هواتفنا النقالة. أننا نتعامل مع هواتفنا ونتفاعل معها بطريق أكثر مما نتعامل يها مع الآخرين من البشر في محيطنا.والمطلوب زيادة هذا الأعتماد المتبادل على الآلة والتفاعل معها.

السؤال هنا،أذا كنا سنتعامل بهذه الطريقة مع الروبوتات فما حاجتنا للبشر الآدميين؟ هنا سيتم توجيه ضربة كبرى لأبرزحججنا كمعارضين للميمية والتي تقوم على الحاجة للتكاثر الطبيعي لعمارة الأرض وأستثمار ثرواتها ؟ من جانب آخر فأن التكنولوجيا الطبية الحديثة باتت ومنذ زمن، قادرة على أنجاب طفل من تلقيح أصطناعي ولا ندري متى يأتي اليوم الذي سيستنسخون فيه البشر مع كل ما يحمل ذلك من تحدي أخلاقي وأجتماعي! هذا يعني أن النقاش مع مناصري الميمية على أساس القانون الطبيعي لم يعد قوي الحجة كما كان عليه قبل هذا العصر.

أن الميمية كما أعتقد حركة لها أبعاد أجتماعيةخطيرة ويجب التصدي لها،لكن ليس بالطرق التقليدية التي طالما دار النقاش حولها منذ فجر التاريخ أذ أنها ظاهرة ليست جديدة مطلقاً. وعلى الرغم من أهمية أستخدام الدينومنطلقاته الأخلاقية والأيمانية لمواجهة هذه الظاهرة لكنه غيركاف بأعتقادي لمواجهتها. لقد زادت مثلاً نسبة غير المنتمين دينياً والملحدين بنسبة أكثر من 23 بالمئة خلال المدة من 2010 الى 2015 حسب أحصاءات مؤسسة بيو ابحثية بحيث باتت هذه الفئة هي ثالث فئة (دينية) بعد المسيحيين والمسلمين وبنسبة 16 بالمئة من سكان العالم (أي حوالي مليار ومائة مليون نسمة)! وتحول الكثيرون من أديانهم القديمة الى هذا الدين.

ورغم أن الأسلام كدين ما زال هو الأكثرنمواً في العالم بحيث يتوقع أن يصبح أكبر دين خلال عشرين سنة بحسب نفس الدراسة،لكن حتى ضمن المسلمين فهناك نسبة ممن باتوا يتحولون الى لا دينيين. هذا يعني أن المقاربة الدينية لا تكفي لمعالجة هذه الظاهرة. أن الحل الأنجع في رأيي هو أختطاط مقاربة أجتماعية-دينية لا تقوم على الغيب لوحده ولا تكون المعادلة الصفرية Zero sum أساسها بحيث نعتقد أن ربح المثليين لمعركتهم تعني خسارتنا.

 يجب أن نبتعد عن منطق أما نحن أو هم لأنه سيؤدي الى خسائر أكبر بكثير من أرباحه. أن كل ما يجري اليوم في العالم يميل لصالح هؤلاء (المثليين)لأسباب شرحتها تفصيلاً في الحلقات السابقة.لكن ذلك لا يعني أفتقادنا للأدوات التي تمكننا من الحد من آثار الظاهرة هذه على مجتمعنا. وعلى الرغم من أن المقاربة التي أقترحها تحتاج الكثير لتحويلها لخطة ويصعب عرض ذلك هنا لكنها تعتمد في أساسها على الآتي:

1- الكف عن موجة الفزع التي تجتاح المجتمعات حالياً والتعامل مع الموضوع كأفرازسلوكي لتغيرات أجتماعية كبرى تتعرض لها مجتمعاتنا كلها.

2- التعامل مع المثلية كسلوك أجتماعي منحرف لكنه يبقى سلوك بشري يجب أنكاره وليس شيطنته.

3- التشديد على الخصوصية المحلية للثقافات ورفض عولمتها.

4- تفكيك جماعة الميميين الى مكونات يتم التعامل مع كل منهم بطريقة مناسبة. فلا يمكن مثلاً التعامل مع الشاذين جنسياً بنفس طريقة التعامل مع المتحولين جنسياً.

5- عدم التعامل مع المثلية كآيدلوجيا لأن تحويلها الى آيدلوجيا أو عقيدة سيغري الكثيرين بأتباعها. يجب التعامل معها كسلوك أجتماعي.

6- مثلما لكم حق الأختيار فأن لنا حق الرفض.

7- أصدار مزيد من التشريعات لن يؤدي الا الى مزيد من التعقيد. فالتشريعات تفرض حينما تعجز الممارسات ولا تعود العادات والتقاليد كافية للردع.

8- صنع الأنموذج البديل. الأنسان الطبيعي الذي يتمتع بكل مزايا التكنولوجيا ويتعامل معها بواقعية وفي نفس الوقت له ثقافته الأجتماعية الجاذبة والتي تقوم على روح العصروليس التمسك بالماضي فقط.

أن هذه ما هي الا عناوين عريضة لمتطلبات كثيرة يجب توفيرها للتعامل مع الظاهرة. بقي أن أقول أن ما تمطرحه عبر 16 حلقة هنا ما هي الا أفكار وتصورات قابلة للنقاش وهي محاولة لرفض التعامل مع أي ظاهلرة أجتماعيةمن خلال شيطنتها فقط. أن علاج أيظاهرة أجتماعية ينبغي أن يستند لتفكيكها علمياً ومعرفة جذورها ودوافعها كي يمكن أقتراح أنسب الحلول لها.

(انتهى)