حديث الروح للروح

حديث الروح للروح

نجاة معلة

تتمنى أن تبدأ أي شيء برغبة ..فماتزال الأشياء حولها حزينه ..الخوف يكتنف كل شيء والبرد يتغلغل حتى العظم .. وضعه الصحي المتردي يفسد نشوة أي لحظة فرح تَحصلُ عليها . فلم تعد تلك اليانعة كالربيع والعاشقة حد النخاع ..لم يعد قلبها يدق في الثانية ألف مرة ..بل أصبح يبطء للتخلص من طوفان يمتلئ به. جلست قربه فوق السرير المتوشح بالبياض والذي يحتويه بجسدة الهزيل البارد ..أمسكت بيده الباردة أخذتها براحتيها تمدها بدفء لتزيح الصقيع المتراكم على أنامله .

حدقت بعينيه الغائرتين وبوجهه المكتظ بالصبر والأيمان وبالكثير من الضجر والألم . بعد أن خنقت عبراتها وصكت على دمعاتها التي تروم التسلل ..قالت بزهو وبأبتسامة باهتة لأنها عجزت أن تصنع أبتسامة تليق به .

” لطفاً .. فلست بارعة بالأيمان مثلك لكني أتقن الحديث عن الأمل  و بارعة بالرد على هذا الملل المستوطن هنا وأشارت الى قلبه , أكره هذا الضجر الذي يتلبسك “. لقد حاولت أن تمزح معه لترسم بسمة صغيرة على ملامحه .

أردفت تقول ” ألم أقل لك لاتصعب الأمور فأنت تعلم بأنني أثق بقدرة الله وقربه من الأرواح النقية البيض كروحك , فمابالك وهو يعيش تفاصيلك ومفردات يومك ..يعيش أحساسك .وسفرك مع الألم .يرى هذا الصمت المتسمر منذ أمد ليس ببعيد في عيونك .

أجابها بشفاه ترتجف ” لقد سئمت الأستلقاء على سرير المرض والحديث عن الشفاء , سئمت سمفونيات الصبر , سئمت الكلام والأحلام التي تبدو كسحائب متمردة لاتمطر ” .

قاطعته قائلة ” رويدك ياعزيزي أنت تعلم أن المؤمن مبتلى والمرض هو كفارة وهو أجر وثواب وليس ذلاً أو عاراً ..أنه أبتلاء من الله..فأرجوك الأسترخاء , ودع عنك الأستياء وكل الأفكار التي لأتاتي الا بالتعب .كن هادئاً مطمئناً ..فأنا معك دائماً ألا يكفيك هذا ..ألا يكفيك أن يكون معك الربيع ” .. أومأ لها برأسه وبأبتسامته الرقيقة .

لتكمل حديثها وهي لاتزال تحتضن يده ” أذن ياحبيبي لاتخشى خريف الأيام , كن على يقين بأن الله سيمنحنا زمناً أضافياً ويمنحك مقدرة للنهوض وأزاحة شبح المرض عن جسدك” .

ضغط على يديها بقوة وأنفرجت شفتاه بأبتسامه حانية ولمعت عيناه التي ترقرقت فيهما دمعتان ..مرت دقائق وهو صامت تكاد الكلمات تجف على لسانه ..

قال لها بكلمات خرجت هادئة كأنها بدون صدى ” المرض جعلني أقل قوة وجعلك أكثر صبراً , لقد صفعتك الحياة بأتونها ياحبيبتي ..دموعك كانت سخية..كروحك التي ترفرف حولي بمحبة تداوي بعطرها جراحي ..عيناك الذابلتين تبوحان بحزنهما”

أستمر يقول :

” حبيبتي لقد عرفت أن السعادة أكتشاف متأخر ..لأننا حين نكون سعداء لانعي ذلك , فقط ندرك تعاستنا بسرعه ..كما تقول أحلام مستغانمي الكاتبة الجزائرية ..أوجعتها كلماته أرادت أن تغدق عليه من فيض روحها حباً وحناناً وسكينة مالت أكثر فوق صدره لتهوي فتطبع على جبينه قبلة قالت من خلالها الكثير.