جعفر عاقيل فنان الخطوة والقدم يري الناظرين عريهم
عدسة تمارس الصمت بلغة اللون
فيصل عبد الحسن
تنقلك صور الخطوات إلى أسئلة الحياة والموت، الوجود والتلاشي، وتدهش حين تعلم أن معظم المعارض التي عرض فيها الفنان جعفر عاقيل صوره الفوتغرافية كانت عن القدم وخطوة القدم، وقد أثارت الكثير من الأسئلة حول هذا العناد الفني من قبل الفنان لنقل القدم والخطوة عبر لقطات عديدة ومتنوعة إلى المشاهد، والتخصص بهذا النوع من الصور، مما أستدعى تأويلات لمختلف النقاد من الذين كتبوا ملاحظاتهم عن صوره، وما نشروه من مقالات في الصحف المغربية والعربية، ولا أقول أنهم نشروا دراسات فنية حول هذه الظاهرة الفنية، فللأسف لم يصل نقدنا الفني في صحفنا اليومية إلى مرتبة الدراسات العميقة للظواهر الفنية، بل ما يسجل عادة أنطباعات سريعة، عما رآه الناقد أو شعره عند زيارته لمعرض ما لفنان من الفنانين، مهما قدم هذا الفنان من أعمال مهمة وجريئة ومبتكرة.
وبالرغم من أن الفن يزخر بحالات غير عادية لطرح الرؤى الفنية، وفي مرات كثيرة يطغى التصرف الشخصي الغريب للفنان على ما يقدمه للناس من فن، كما عرفنا على سبيل المثال، مما كان يفعله سلفادور دالي فنان الأدهاش، والأب الروحي للسريالية العالمية بالدرجة الأولى حين قصد يوم أفتتاح أحد معارضه نافذة مبنى المعرض، ليدخل منها بدلا من قطع الشريط، كما هو مألوف في هكذا مناسبات، ليدخل ويتبعه الزوار من الباب الرئيسي، وتبعه الناس بدلا من ذلك ودخلوا من النافذة وأمام صور الفنان جعفرعاقيل نجد أنفسنا أمام مصور فوتغرافي غير أعتيادي يريد عبر لقطاته الفوتغرافية التي نظنها ناقصة وغير كاملة أن ينقل رسائل لنا، ولكن ما فحوى الشيفرة التي ينقل لنا من خلالها رسائله؟ أنها شيفرة بسيطة كما يظن البعض، ولكن يراها قسم آخر أنها أعقد بكثير مما نظن.
توقيف الزمن والحركة
فنانو الفوتغراف المغاربة كثيرون، وقد أعتمدوا وسيلة اللقطة الفوتغرافية، ليعبروا من خلالهاعن مكنونات الحياة وجمالها، وربما أبرزوا فيها نقدهم لظواهر الحياة ومسببات حزنها، ومعارض كثيرة أقاموها، وأدهشت زائريها لتطور فهم الفنان المغربي الفوتغرافي لأصول التصوير الفني، وجعله من الفنون البصرية الراقية، التي تمتع رائيها، وتنقل له رسائل الفن الخالدة الجمال، الحب، الخير، الحق، العدل ونذكر من هؤلاء الفنانين الفوتغرافيين حمادي عنانو، محمد مرشدي، عزيز الفهري، محمد بارجالي، محمد برادة، عبد الرحمن الجراح، وغيرهم، وكان توظيفهم للقطة يدخل في صميم الهم الأجتماعي، والنفسي للناس والفنان، فهو يرى ما يراه الناس جميعا، ولكن من زاوية في غاية الحساسية والدقة، وهو بعينه الأخرى عدسة الكاميرا يحقق مالم يستطع تحقيقه غيره توقيف الحركة والزمن ويبقي بعدا ثالثا، ماثلا أمام الرائي لشكل الحركة، وهيئة المتحرك، وزمانه المتوقف عند لحظة ما.
تحت الأرض
جعفر عاقيل فنان خطوة القدم ولد عام 1966 في مدينة مكناس، وذكر عن بدايته مع فن الفوتغراف، أن شغفه الحقيقي بالتصوير الفوتغرافي بدأ مبكرا جدا، وبالضبط حين كان في سن 18 عندما أهداه أبوه آلة تصوير، من نوع Olympus OM10 بعد عودته من سفرة إلى خارج المغرب، ليتحول تدريجيا، وبعد سنوات كثيرة من التكوين الذاتي الصارم، من فوتوغرافي عصامي مهووس، إلى فوتوغرافي هاوي متمرس، وبموازاة ذلك، حصل جعفر عاقيل على دكتوراه وطنية في موضوع مرتبط جدا بهوايته سيميائيات الصورة الإعلانية ليصبح بعد ذلك أستاذا باحثا متخصصا في الفوتوغرافيا الصحافية بالمعهد العالي للإعلام والاتصال في مدينة الرباط.
والفنان عاقيل يختلف عن غيره من فناني الفوتغراف المغاربة، فهو يضع الرائي أمام حركة غير ثابتة للقدم، وهي أيضا في الوقت ذاته غير متحركة، أنها بين الحركة والتوقف، فيجعل المشاهد قاب قوسين من اليقين، وعدم اليقين من فهم ما يرمي إليه الفنان بلقطات خطواته، المصلوبة في بعدين طول وعرض، كما هي في اللحظة الماضية، وبعض الصور التي صورها كانت لظلال أقدام، فهو يصل إلى الشيء من وصوله إلى ظله، وفي بعض الصورنرى صورا لما تحت الأرض من خلال تصويره لنوافذ أرضية لسراديب تحت الأرض تم تحويلها إلى سجون ومواقف وسط المدن المزدحمة،التي تضج بالحركة والنشاط الصناعي، فهو ينقل عبر لقطاته الدالة نافذة وسط ممر للمشاة، وقد تم تأطيرها بزجاج غير قابل للكسر، للأستفادة من ضوء الشمس، لأنارة المكان تحت الأرض، والتخفيف من عتمة وعزلة الموجودين تحت الأرض طوال النهار، هي صورة تحمل موقفا سياسيا وفلسفيا ، عن الحرية وفقدان الحرية، البعض يعتبرها أدانة من نوع ما لظروف الأعتقال تحت الأرض، وإدانة للمجتمع الذي بدأت علاقات المجتمع الرأسمالي وقوانينه تنشب أنيابها فيه، التي ترى أن لا مكان للمعتقلين فيه فوق الأرض حتى لوكانت تهمهم جنائية وغير سياسية، صور أخرى لأقدام متظاهرين من ضمن مظاهرات الربيع العربي، في شوارع مدن كبرى، تطالب بالحق والعدل ورفض فساد الفاسدين، وأزاء أقدام المتظاهرين تظهر أقدام شرطة النظام، وهي ببساطيلها ذات الرقاب الطويلة.
صوفية اللقطات
لقطة لمتظاهرين لا تبدو منهم سوى جلاليبهم البيض وبلغاتهم نوع من الأحذية المغربية الخفيفة التقليدية وأجزاء من لافتاتهم، التي يطالبون فيها بمطالبهم التي لا نعرف نحن الرائين شيئا عنها، ولقطة أخرى لأقدام إنسان إلى جانب آثار حادلة ضخمة نوع من مكائن تسوية التربة الكبيرة ، والمقارنة بين الأثرين والشكلين تحيلك إلى شتى الأفكار حول غربة الإنسان في العصر الآلي، صورة لقدمي سيد وسيدة، وتنقلك حركة القدمين إلى مقترحات شتى لما يتحدثانه أو ما الغرض من سيرهما ذاك، لقطة لسراويل معروضة للبيع، معلقة هكذا في الهواء الطلق إلى جانب صورة قدم بحذاء نسائي، وتتحول الأقدام والخطوات في الكثير من اللقطات إلى ظلال طويلة، تتحكم بطولها قوانين الأنعكاس وحركة الشمس، ودوران الأرض، ان الفنان هنا ينقلك إلى بؤرة فلسفية صوفية تذكرك بفلسفة الفارابي، أبن سينا، التوحيدي، وجلال الدين الرومي، أنها تحيلك إلى وحدانية الواحد، والخالق القاهر فوق عباده، والله الواحد الأحد، الصمد، قاهر الجبابرة من عباده بالموت والتلاشي، والحضارات بالأختفاء، انه يعرض لقطاته على الناظرين ليروا عريهم، وكم من العراة ظنوا أنفسهم مستورين؟
/6/2012 Issue 4218 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4218 التاريخ 5»6»2012
AZP09
























