جدلية العدالة الانتقالية ومسارات التسوية – عبدالزهرة الطالقاني

عين الزمان

جدلية العدالة الانتقالية ومسارات التسوية – عبدالزهرة الطالقاني

 

طبقا للواقع فان كثيرا من البلدان مرت بظروف استثنائية غيرت في البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. واثرت على بنية الدولة بشكل عام.. حتى ان  بعض تلك الظروف، ومعظمها حروب خارجية، او داخلية أدت الى تغيير شكل الدولة. هناك امثلة عديدة لهذه الدول، منها ايرلندا وجنوب افريقيا وكوريا الجنوبية ولبنان، واليوم العراق وسوريا وليبيا وغدا اليمن.

لقد اختلطت الأوراق في هذه البلدان وعمت الفوضى وتعرضت المؤسسات الرسمية الى اضرار بالغة وانزاحت قوى، وظهرت في الساحة قوى جديدة، وألغيت قوانين وشُرعت قوانين اخرى بدلا عنها.

البلدان التي نزعت ثوب الدكتاتورية، وارتدت ثوبا فضفاضا للديمقراطية، لم يكن على مقاسها، بدت خطواتها مرتبكة وغير مدروسة، لذلك برزت إشكالات كثيرة وأصبحت بعض المشكلات مستعصية، وعمت الازمات وظهرت الصراعات . ووسط هذه البيئة الملوثة لا بد من العودة الى معايير وشروط واليات وتشريعات وحوارات، تؤمن سيرا سليما للمجتمع بعد التغيير نحو مستقبل واضح وبناء دولة عصرية قابلة للتطور ومواكبة الحداثة في العالم، بعد الانتقال الى عصر جديد تجاوز عصر التكنولوجيا، واتى بمفاهيم جديدة، وبدأت هذه المفاهيم متسارعة لا بد من اللهاث وراءها للامساك بناصيتها.

ملخص القول ان البلدان التي اشرنا اليها، ومنها العــــــراق بحاجة الى مؤسسات تُعنى بالعدالة الانتقالية، التي تؤمن تطبيقات عادلة للقوانين والتعامل مع الأقليات على انها جزء من المجتمع الكلي وليست خارجه .

فالعدالة الانتقالية في حقيقة الامر هي مجموعة من الخطوات الاجرائية والآليات التي تتبعها الدول التي خرجت من التعسف والاستبداد لتبدأ مرحلة جديدة في مواجهة ارث ثقيل من الجرائم والانتهاكات الأخلاقية والحقوقية، لمحاسبة القائمين على الظلم وانصاف المظلومين ومنع عودة الظلم مرة أخرى.

مفهوم العدالة الانتقالية لم يتبلور الا بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد محاكمات نورنبرغ، ويتميز هذا المفهوم عن العدالة الكلاسيكية (وهي عدالة المحاكم) بلجوئها الى مقاربة سياسية بما يسهل الانتقال الى الديمقراطية .

وقد مرت العدالة الانتقالية بتطور تاريخي تمثل بثلاث مراحل هي: مرحلة ما بعد الحرب العالمية ومحكمة نورنبرغ للقادة النازيين، وبدأت المرحلة الثانية  بمحاكمات حقوق الانسان في اليونان وذلك في منتصف سبعينيات القرن الماضي ، بينما بدات المرحلة الثالثة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكيك الكتلة الاشتراكية والتي حصل فيها تغيير مهم هو انشاء المحاكم الجنائية بصفتها جزءا من عملية التسوية السلمية.

وفي العراق كانت هناك جملة إجراءات في سبيل تحقيق العدالة الانتقالية منها استحداث هيئة المساءلة والعدالة، وهيئة حقوق الملكية، وإعادة المفصولين السياسيين، ومفوضية حقوق الانسان، ومؤسسة الشهداء، ومؤسسة السجناء، إضافة الى قرارات العفو العام التي صدرت اكثر من مرة اتجاه من ارتكبوا جرائم بحق المجتمع دون اسالة دماء. وما زال العراق بحاجة ماسة الى تطبيق هذا المفهوم لإزالة آثار جرائم النظام البائد، وفي الوقت نفسه انصاف من لم تتلوث أيديهم بدماء العراقيين.

{ آخر نتاجات الراحل المرسلة الى (الزمان)