إمبراطوريات الأسود الكارتونية
تسود هذه الثقافة في المجتمعات الفردية الأحادية التفكير التي تشيع فيها الأنا السلبية شيوعا واسعا ، والتي يشكل التواضع فيها سلوكا غريبا ملفتا للنظر ، وتتداخل هذه الثقافة مع مفهوم الأداء الأساسي ويطلى ذلك بمهارة لعبة خلط الأوراق ، فالرجل قد يستعبد زوجته مصادرا إنسانيتها بذريعة الطاعة وكونه قواما عليها هذا إذا كان في نيته ظالما لها ، والزوجة قد تستعبد زوجها عندما يضعف ، أو تدور عليه دائرة الدهر ، ولا أقول دائرة السوء ، ومدير الدائرة قد يستعبد أفراد معيته عندما يكون في داخله ملقن استعبادي ما ، وقد يفعل ذلك الرعية عندما يجدون مديرا يفوق احترامهم على ترهيبهم فيقدرهم ويحاسبهم بمحبته بمثلبة انهم يعدونه ضعيفا ، وقد يستعبد الوالد أولاده عندما يكون قاسيا معهم أكثر من الحد المطلوب ،وهناك من يستعبد السنة الآخرين فيتيح الكلام المطلق لنفسه متجاهلا مايمكن أن يتفوهون به من حق يدحض الباطل ، وهناك من يستعبد رأي الآخرين ، فيتحول إلى مستبد مريب ، وهناك من يستعبد أذواق الناس من خلال مصادرتها بحجة السلامة أو غيرها ، وهناك من يستعبد مظاهر الآخرين ، بحجة اللائق وغير اللائق، وهناك من يستعبد التوجهات الصحيحة للناس بذريعة وأخرى، وهكذا ينشأ هرم هذه الثقافة ليشكل صرحا مخيفا ، يهدد البنى التحتية لحياة الآخرين ، أما أسباب هذه الظاهرة فتعود إلى كثير من المسببات هي: عدم وجود ثقافة صحية تسير العلاقة باتجاهها الصحيح ، ومنها أيضا حب التسلط عند البعض ، عدم فهم المسؤولية وفق منظورها الأخلاقي الصحيح ، وعدم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.
الاستعباد ثقافة اللاثقافة ، فهو ليس بثقافة لأنه لايمت إلى القيم بصلة ، ولكن الوجه الآخر من الإدراك منحه هذه التسمية اختصارا وإيجازا ، وهو خطير يشكل بوابة كبيرة لدخول الظلم الاستعباد جريمة بحق الإنسانية ، وجد أرضه الخصبة لدينا لأننا لانمتلك ثقافة تحررية عريضة ، ولعدم وجود علاقة مرسل ومستلم متكافئة في أداء المسؤولية ، فنشأ لدينا تجانس خطير في هذه المسألة ، بحيث يستطيع الأقوى أن يفسر ويؤول كيف يشاء ، وكيف يفهم ، وكيف يتحرى الحقيقة ، حتى ولو كان ذلك من وجهها المغلوط وحري بنا أن نقول إن شيوع هذه الثقافة (اللاثقافة) في ميادين الحياة يجلب اشد الويلات للأحرار الميامين ويؤسس لتربية الضحالة والتدني والطموحات الفقيرة التي لاتتعدى في تقديرها الأقصى مايساوي الإنسان بالحيوان ، فيسلب من الأول إنسانيته ، ومن الثاني عفويته ، ولعل من ابرز الأحرار الذين نوهوا بخطورة هذه الظاهرة المريبة ، هو الإمام الحسين (ع) ، عندما وقف وقفته المشهودة ، وقدم نحره قلادة للحرية ، ووساما للعصامية والإباء ، وفضل الموت الكريم ، على الحياة اللئيمة بقوله: لاارى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برما.
ان طرح مفهوم (الواجب المقدس)في مغالطات اليوم وفي ثقافة دولنا المتخلفة ، حصل فيه خلط كبير وتفرعت عنه استعمالات طفيلية لاتحمل جينات أصله حيث يتم فيه تذويب الدعامات الصالحة لنشوء الحوار ، مما يؤدي إلى مصادرة الرأي الآخر ، ولذلك شاعت لدينا عبارات منها: (اقطع الكلام) ، وهناك من بالغ أكثر فخاطب من لم يتكلم بعبارة اقطع الكلام ، وربما من بالغ أكثر ، فقال لمحدثه: تكلم ، وبمجرد أن شاء الكلام قال له : اقطع الكلام! ، كما شاعت مع هذا الملف عبارات الولك ، والويل ، والقشمر ، والأثول والمخربط ، وأبو ثرب، علما أن الأثول فصيحة وتعني :المضطرب.
ان هذه اللاثقافة أدت في كثير من الأحيان إلى إشاعة الفجوة بين المعبود الحقيقي والعباد ، بحيث اتجه العباد إلى تلقي التلقين والوعد والوعيد كاملين من المتسلطين ، وبهذه الطريقة نشأت لدى دول العالم الثالث ما اسميه إمبراطوريات تطرق على شعوبها وهي مطرقة لامبراطوريات الغرب الأقوى ، إنها امبراطوريات الأسود الكارتونية!
رحيم الشاهر- كربلاء
























