تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬12‭)‬-حسن النواب

كانت‭ ‬الشاعرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بدينة‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬وقد‭ ‬عصبت‭ ‬رأسها‭ ‬بوشاح‭ ‬أصفر‭ ‬شفَّاف،‭ ‬كان‭ ‬مُطرَّزاً‭ ‬بزهور‭ ‬بُنية‭ ‬صغيرة؛‭ ‬قرأت‭ ‬قصائدها‭ ‬من‭ ‬ديوان‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬※ B‭ ‬‭ ‬Grade”‭ ‬ثم‭ ‬صعد‭ ‬إِلى‭ ‬المنصة‭ ‬الشاعر‭ ‬الإيطالي‭ ‬Elio‭ ‬Novell‭ ‬وقرأ‭ ‬قصائده‭ ‬بنبرة‭ ‬ساخرة‭ ‬أضفت‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬روح‭ ‬المرح‭ ‬والدعابة‭ ‬وأعقبه‭ ‬شاعر‭ ‬شاب‭ ‬من‭ ‬أستراليا‭ ‬يمتلك‭ ‬وسامة‭ ‬لافتة‭ ‬ويدعى‭ ‬James‭ ‬Quinton  ‬وقرأ‭ ‬قصائد‭ ‬نافرة‭ ‬كانت‭ ‬بصمات‭ ‬الشاعر‭ ‬الفرنسي‭ ‬آرثر‭ ‬رامبو‭ ‬واضحة‭ ‬عليها‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬الشاب‭ ‬برفقة‭ ‬مصور‭ ‬أمريكي‭ ‬عجوز‭ ‬يدعى‭   Loren‭ ‬Guide  ‬تربطهُ‭ ‬علاقات‭ ‬واسعة‭ ‬مع‭ ‬ممثلين‭ ‬معروفين‭ ‬من‭ ‬هوليود‭ ‬ومنهم‭ ‬Marlon‭ ‬Brando،‭ ‬وحين‭ ‬طلبت‭ ‬منه‭ ‬التقاط‭ ‬صورة‭ ‬للأمسية‭ ‬من‭ ‬كاميرتي‭ ‬الشخصية‭ ‬استجاب‭ ‬لطلبي‭ ‬بكل‭ ‬تواضع،‭ ‬ثم‭ ‬قرأت‭ ‬شاعرة‭ ‬من‭ ‬مالطا‭ ‬تدعى‭ ‬Anne‭ ‬mar‭ ‬Weldon  ‬قصيدة‭ ‬طويلة‭ ‬عن‭ ‬البحر‭ ‬بعدها‭ ‬استمتع‭ ‬الجميع‭ ‬بطريقة‭ ‬أداء‭ ‬الشاعرة‭ ‬Janet‭ ‬Jackson  ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬والتي‭ ‬شدت‭ ‬انتباه‭ ‬الحاضرين‭ ‬لطريقة‭ ‬إلقائها‭ ‬المتوترة‭ ‬والمصحوبة‭ ‬بتشنجات‭ ‬جسدها‭ ‬الرشيق،‭ ‬فتارة‭ ‬تجلس‭ ‬على‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬ثم‭ ‬تتلوى‭ ‬مثل‭ ‬أفعى‭ ‬حتى‭ ‬تهبط‭ ‬قافزة‭ ‬مثل‭ ‬عنزة‭ ‬مذعورة‭ ‬بين‭ ‬الجمهور‭ ‬وكانت‭ ‬قصائدها‭ ‬ذات‭ ‬مسحة‭ ‬إباحية‭ ‬مبللة‭ ‬بالوجع‭ ‬والأسى‭ ‬وتفوح‭ ‬منها‭ ‬رائحة‭ ‬الأنوثة،‭ ‬بعدها‭ ‬أعلنت‭ ‬مشرفة‭ ‬الأمسية‭ ‬عن‭ ‬استراحة‭ ‬قصيرة‭ ‬يلتقط‭ ‬الحاضرون‭ ‬أنفاسهم‭ ‬بها‭ ‬بعد‭ ‬عرض‭ ‬الشاعرة‭ ‬البريطانية‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الجنون‭. ‬بعد‭ ‬الاستراحة‭ ‬صعد‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬الشاعر‭ ‬الأسترالي‭ ‬Neil‭ ‬Paterson‭ ‬الذي‭ ‬يحرص‭ ‬أنْ‭ ‬يضع‭ ‬كوفية‭ ‬حمراء‭ ‬مطرزة‭ ‬بزهور‭ ‬بيض‭ ‬حول‭ ‬رأسه‭ ‬مقلدا‭ ‬هيئة‭ ‬القرصان،‭ ‬وهذا‭ ‬الشاعر‭ ‬يشرف‭ ‬على‭ ‬قراءات‭ ‬شعرية‭ ‬في‭ ‬ظهيرة‭ ‬كل‭ ‬سبت‭ ‬داخل‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬وفي‭ ‬مقهى‭ ‬اسمها‭ ‬القمر،‭ ‬ثم‭ ‬قرأت‭ ‬الشاعرة‭ ‬الأسترالية‭ ‬الحسناء‭ ‬Catlin‭ ‬Malian‭ ‬قصائد‭ ‬قصيرة‭ ‬وبصوت‭ ‬هامس‭ ‬حتى‭ ‬كاد‭ ‬النعاس‭ ‬يدب‭ ‬بعيون‭ ‬الحاضرين‭ ‬بعدها‭ ‬وصل‭ ‬الدور‭ ‬لي‭ ‬لقراءة‭ ‬قصائدي‭ ‬القصيرة‭ ‬جدا‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬بعنوان‭ ‬قصائد‭ ‬بثياب‭ ‬المنفى‭ ‬وقد‭ ‬قرأتها‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬صعوبة‭ ‬عندي‭ ‬لقراءتها‭ ‬باللغة‭ ‬الإنكليزية،‭ ‬لكني‭ ‬حرصت‭ ‬أنْ‭ ‬يستمع‭ ‬رواد‭ ‬الحانة‭ ‬إِلى‭ ‬قصائدي‭ ‬بلغة‭ ‬الأم‭ ‬ولذا‭ ‬أوكلت‭ ‬لصديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬الأسترالي‭ ‬Peter‭ ‬Jeffrey‭ ‬مهمة‭ ‬قراءة‭ ‬قصائدي‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬هجستُ‭ ‬أنَّ‭ ‬الحاضرين‭ ‬انغمروا‭ ‬بسماع‭ ‬الجرس‭ ‬الموسيقي‭ ‬العربي‭ ‬خلال‭ ‬إنشادي‭ ‬القصائد‭ ‬وقد‭ ‬لمحت‭ ‬رضاهم‭ ‬الواضح‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬إلقائي‭ ‬بل‭ ‬شاهدت‭ ‬أنَّ‭ ‬زبائن‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬الحانة‭ ‬أقبلوا‭ ‬إِلى‭ ‬المكان‭ ‬حتى‭ ‬يشاهدوا‭ ‬ويستمعوا‭ ‬إِلى‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬يقرأ‭ ‬بلغة‭ ‬غريبة‭ ‬عليهم،‭ ‬وحين‭ ‬قلت‭ ‬لهم‭ ‬بقصيدة‭ ‬قصيرة‭ ‬أنَّ‭ ‬المنفى‭ ‬عش‭ ‬من‭ ‬ورق‭ ‬ومستودع‭ ‬للغرباء‭ ‬ويشبه‭ ‬حنان‭ ‬زوجة‭ ‬الأب،‭ ‬طفت‭ ‬الابتسامات‭ ‬المرّة‭ ‬على‭ ‬وجوههم‭ ‬ثم‭ ‬تبعتها‭ ‬بقصيدة‭ ‬أخرى‭ ‬قلت‭ ‬فيها‭: ‬دمعة‭ ‬سقطت‭ ‬من‭ ‬عين‭ ‬المنفى‭ ‬ملأت‭ ‬الأرض‭ ‬بالنحيب،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الجمهور‭ ‬تعاطف‭ ‬معي‭ ‬كثيراً‭ ‬حين‭ ‬قرأت‭ ‬قصيدة‭ ‬العائلة،‭ ‬وهي‭ ‬قصيدة‭ ‬عن‭ ‬الحصار‭ ‬الذي‭ ‬أذلَّنا،‭ ‬أقول‭ ‬في‭ ‬مقطع‭ ‬منها؛‭ ‬طفلي‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬الجوع،‭ ‬يخطف‭ ‬كل‭ ‬ورقة‭ ‬من‭ ‬يدي،‭ ‬متوهِّماً‭ ‬أنها‭ ‬رغيف‭ ‬خبز؛‭ ‬وفي‭ ‬مقطع‭ ‬ختام‭ ‬القصيدة‭ ‬أقول‭.. ‬لكنَّ‭ ‬طفلي‭ ‬سينمو‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬فتيَّاً‭ ‬ويأخذه‭ ‬الوطن‭ ‬بالخوذة‭ ‬لحروب‭ ‬قادمة،‭ ‬مادام‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭ ‬زاخرة‭ ‬بالثروات‭. ‬ولما‭ ‬تركت‭ ‬المسرح‭ ‬استقبل‭ ‬الحضور‭ ‬قصائدي‭ ‬العراقية‭ ‬بتصفيق‭ ‬حار،‭ ‬شعرت‭ ‬حينها‭ ‬إنما‭ ‬كانوا‭ ‬يصفقون‭ ‬للبلاد‭ ‬هناك،‭ ‬وارتقى‭ ‬المسرح‭ ‬بعدي‭ ‬queried‭ ‬joy‭ ‬وهو‭ ‬شاعر‭ ‬من‭ ‬أستراليا‭ ‬وقرأ‭ ‬قصائد‭ ‬مؤثرة‭ ‬عن‭ ‬عاهته‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬سنام‭ ‬يربض‭ ‬على‭ ‬ظهره‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬قصائده‭: ‬عندما‭ ‬ينتابني‭ ‬الضجر‭ ‬لا‭ ‬أتنزه‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬إنما‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬التل‭ ‬القابع‭ ‬على‭ ‬ظهري‭ ‬وأتفرج‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬والناس،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬المتواضعة‭ ‬أكثر‭ ‬الشعراء‭ ‬عمقاً‭ ‬للشعر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأمسية،‭ ‬ثم‭ ‬قرأت‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬الأمسية‭ ‬قصائدها‭ ‬كمسك‭ ‬للختام،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬لم‭ ‬أتوقعها‭ ‬أعلنت‭ ‬أمام‭ ‬الحاضرين‭ ‬عن‭ ‬رغبتها‭ ‬بطبع‭ ‬أشعاري‭ ‬على‭ ‬حسابها‭ ‬الخاص‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬شعرت‭ ‬بفرحة‭ ‬بدائية‭ ‬تجتاح‭ ‬قلبي،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مبعث‭ ‬تلك‭ ‬الفرحة‭ ‬مقترح‭ ‬السيدة‭ ‬على‭ ‬طبع‭ ‬أشعاري‭ ‬بقدر‭ ‬ماكنت‭ ‬أفكر‭ ‬أنَّ‭ ‬الشعر‭ ‬العراقي‭ ‬أصبح‭ ‬حاضرا‭ ‬بشكل‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬أستراليا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شعراء‭ ‬آخرين‭ ‬منهم‭ ‬يحيى‭ ‬السماوي‭ ‬وأديب‭ ‬كمال‭ ‬الدين‭ ‬وغيرهم،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬إلا‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬العراقيين‭ ‬الذين‭ ‬بدأوا‭ ‬يبسطون‭ ‬على‭ ‬ذائقة‭ ‬الشعب‭ ‬الأسترالي‭ ‬شعرا‭ ‬عراقيا‭ ‬خالصا‭ ‬مجبولا‭ ‬بالألم‭ ‬والمسرة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬أغادر‭ ‬حانة‭ ‬السمكة‭ ‬دعتني‭ ‬سيدة‭ ‬أيرلندية‭ ‬إِلى‭ ‬تناول‭ ‬كأس‭ ‬من‭ ‬النبيذ‭ ‬معها‭ ‬احتفاء‭ ‬بقصائدي‭ ‬وكان‭ ‬يا‭ ‬ما‭ ‬كان‭.‬

يتبع‭…‬

حسن‭ ‬النواب