تدوين ميلودراما .. السرد في بحر أزرق .. قمر أبيض

تدوين ميلودراما .. السرد في بحر أزرق .. قمر أبيض

 اسماعيل ابراهيم عبد

أرسطو في كتابه العبارة يقول : مايخرج بالصوت دال على الآثار التي في النفس  ومايكتب دال على مايخرج بالصوت ” (1 ) .

هذا القول يجمع بين ما في الصورة من محمولات نفسية  وما في الكتابة من محمولات صوتيّة ستؤدي الى محمولات نفسية كذلك .

كل كتابة هي مجمل تكوين عقلي ونفسي وجسدي  على إعتبارالكتابة والصورة (فعلاً قصدياً لتوصيل فهم ما) يشترك فيه العقل (التفكير)  والنفس (الرغبة)  والجسد (الحركة)   لأجل إنتاج قوام لعناصر محسوسة  ملموسة  مسموعة  له شكل مقاس  منظور  مُعْنى بنوعه. هذا القوام هنا  رواية (بحر أزرق .. قمر أبيض) لحسن البحّار .

في الرواية صناعة لدلالات منطقية  وماهية لتصيّر شعري  على الرغم من أنها تعبير عن واقع شبه مجسّد .

الرواية عمل لأدب الرحلات  وهي أدب لرحلتين  ذهاب وإياب  رحلتان كافيتان لتعليم خطوط السباحة بين الماء والسماء  بين السماء والأرض  بين النفس والآخرين .

من يتابع النَفَس العلائمي للتكوين النفسي لأبطال الرواية سيرى  الحميمية  في الكتابة  ذاتها في السلوك .

على مستوى الفهم الروائي  فهي ـ أي النفس البطلة ـ تتهادى بالتدريج للوصول الى وعي خام  مظهري  عند مرحلة الطفولة والصبا  ثم الى وعي وظيفي عن طريق الدراسة متمثلا بالإجتهاد للحصول على العلم والتخصص  ومن ثم الشهادة الخـاصة بالجودة  كفاءة البحّار .

تلي هذه المرحلة  مرحلة الوعي الشامل  وعي مسؤولية الفرد تجاه الآخرين  رفاق البحر.

يعبر من هذه المرحلة الى مرحلة تحمّل المسؤولية بدلاً عن الآخرين…

ستلتحف النفس المبحرة وسط مياه الله الشاسعة الإمتداد  الوعي الجديد  الحب  الذي سيتأتى له أن يرسم أوسع صورة للصوت وأبهى حُلّة للكتابة  ليفيض بأهم فهم للعالمية  التآخي الكوني .

المراحل (هذه)بما تحتوي من خصائص سلوكية  يقتضي أن نتعرف على محدداتها البنائية في الرواية .

تفرد قيمي

ثم يمكن أن نطّلع على حالات التفرد القيمي  وكذا الحال مع حالات التفاعل الجمعي  وكيفيات السلوك المثالي  في الظروف الزمنية المتباينة .

بدءاً  أدب الرحلات هو أُس تأريخي متجذر ومتجدد في الرواية قديماً وحديثاً.

حسن البحّار  إذ يعمل على التجديد في ((سردية قص الرحلات)) قـد وجد نفسه يمتلك الخبرتين  المشاهدة  والإستقراء  لذا فان العمل على إحياء هذا النموذج وتجديد آلياته أكسبه حظوة الخصب والتفرد  ومن ثم التطوير السامي للفن الراقي ـ أدب الرحلات ـ لغة ومضامين وطاقات رؤى في الروي الروائي !  إن تجربة الكتابة هنا تذكرنا بما وصّفه خضير فليح الزيدي  من أن الباب الشرقي من أدب الرحلات .  الحق أن أدب الرحلات يمتزج كثيراً مع أدب الهجرات لكن هذه الرواية تختلف عن مألوف ما وضعته التجربة المحلية والعالمية في صنفي الرواية (أدب الرحلات وأدب الهجرات) .. الكاتبان البحّار وفليح الزيدي يلبيان موضوعات روائية غير مشبعة  بأكثر مما يؤسسان لمنظومة روائية جديدة تخص أدب الرحلات .

بالنسبة لحسن البحّار بعمله هذا نعدّه نموذجاً للفعل الذاتي الذي يجس الأشياء ثم يحكي عنها.

ترى ما العلاقة التي يبنيها  في اللفظة الكلمة التي تأخذ قيمتها من صدقها الواقعي  والفني ؟

لأجل الإلمام بمنظومة إشتغال الروائي سنتابعه على وفق الآتي /

أـ أداء القول :

نرى ان أداء القول يقارب ما وصفه جون.ر.سيرل ” الإستعانة بأقوال أدائية يسري مفعولها يمجرد النطق بها ” ( 2) .

لنورد المفتتح من الرواية (بحر أزرق .. قمر أبيض) الآتي /

[ في تلك الحقبة من حياتي وقبل أن يحدث أي شيء ما كنتُ لأعرف معنى الإحساس بالوقت ولا التوحد بالبُعد  كنتُ أغفو مع وسادة أيامي أستيقظ كسولاً ناعس العينين  على شبّاكي تتزاحم ألوان الصبـاح  يسرقني الوقت وأسرقه  لاتسكنني الرهبة عند الرغبة الجامحة في الحاجة الى القفز راكباً عقلي أتأبط خطواتي ] ( 3) .

التدقيق في القول يعيننا على تحديد مواصفات أداء القول الروائي في هذه المدونة  فهو قول بدئي افتتاحي ..

القول أعلاه يعطي فكرة أوعدة أفكار  عن طريقة الأداء القولي للروي  نراها تتحدد في /                         1- الاستعمال اللغوي يأخذ بالمجاز اللفظي والمجال الفلسفي ليجمع بين لغة التجريد ولغة الاطلاق .

  2 – الاسلوب بعمومه يغطي مساحة العرض التدويني بنمطين من جمل القول هما الجملة الشعرية و الجملة الشاعرية

  3- تأخذ العبارة بالاداء الرشيق الذي يعبّر عـن الاشياء بعبورها من المُجَسَد الى مدلولها الحيوي المتعدد المعاني .

  4- مباني الكلام مبانٍ من صور  خطابية شبه مباشرة تحيل الى الجملة السردية دونما حاجة الى تفحص دقيق .

  5-موضوعة الذات  هي موضوعة  التطور على المستوى الحكائي  والتراكم التدويني .

  6- في القول كذلك تهجيسات عدة  قد تحيلها الى محولات إشارية خاصة…..

منها مثلا :

ـ هنا – في البدء- إشارة الى لحظة حياتية تتنازعها الفطرية  والوعي بوجود عجز لابد من تصحيحه .

ـ في جزء آخر إرهاص بولوج الراوي مدخَلاً قريباً من الفلسلفة .

ـ في جزء جديد  هناك رسالة تبلِّغ عن بدء لفطنة حِسية جمالية للاشياء المحيطة .

ـ في القول المأثور (راكباً عقلي أتأبط خطواتي) اشارة الى نبوءة رغبة جديّة وجديدة لركوب الخطر  والمغامرة بخطى مضمومة الى إرادة قوية .

ـ مجمل القول  يغني  بفهم خاص  عن الفهم العقلي للإرادة المتخطّية كل اهتمام خارج منطق ” النفع ” المباشر للأشياء  مع عدم  التفريط بالحس المتنامي للاشياء المضمورة في مجهول قيمتها .

ب ـ فعل شيئيات السرد :

إن كانت كل ظاهرة تؤدي في النهاية الى فهمنا لأفعالنا فأن ” تفسير ما يبدو في الظاهر من أولوية للأفعال الإجتماعية على الموضوعات الإجتماعية أساسه أن الأشياء قد قصد من ورائها أن تعمل لصالح وظائف أُسند الى هذه الأشياء أمرُ القيام بها ” ( 4) .

ان الظاهرتين  الإجتماعية والسردية  هما حالات متعددة لنموذج واحد هو الفعل   وهذا الفعل قد ينعقد بصفة سلوك بين حدث ومُحدِث  أو بين حركة وسكون  أو بين نص ومجتمع . لكن المهم هو الأمر الآخر  أي الواقعة التي تجتمع فيها سردية القول مع إستثنائية الفعل البشري  تلك هي الحاضنة الماديّة  سواء منها ما صار  بحراً أو يباساً أو سماء  أو ما كان أصغر من ذلك  كأن يكون الفعل حركة بين طرفين بشريين  أو بين وجودين مكانيين  أو بين مكان وبشر ومحيط .

ترى ما الغاية من وراء ذلك ؟

[ قالت أُمي وفي وجهها الباسم إشراقة صدق :

” إبنة أُختي هيلين خُطِبت لإبن أخي ” … عمتي كانت تعرف مـيول قلبي البِكر الى هيلين…

خرجتُ من البيت مهرولاً الى بيت خالتي … دخلته وأنا مبتل تتصبب ملابسي ماء أقف عند هيلين أتوسلها سماعي  ولأني أعرف كم هي متكبّرة متجبرة ترى من نفسها نفرتيتي وأكثر . قلتُ بدون مقدمات ما كان يجول في صدري من حب عميق .

فهم تقريبي

صاحت بوجهي مستنكرة..تنعتني بالفاسد ولا أملك أية صفة من صفات الرجولة ! …

أبوها الغليظ وأخوها البدين … إنهالوا علي ضرباً ] ( 5) .

الفهم التقريبي للمشهد يؤدي بنا الى /

1ـ أن الأشياء في النص هي : الأُم  وجهها  هيلين  إبن أخ الأُم  العمّة  قلبي  هيلين  البيت  بيت الخالة  أنا الفاعل  الملابس  الماء  هيلين  هي  نفرتيتي  صدر الفاعل  وجه الفاعل  أبو هيلين  أخو هيلين .

تلك المسميات  منها الأصيل ومنها المكرر  هي ماديات المشهد السردي .

ترى ما المستظل وراءها من الحركة البشرية ؟

بإيجاز نقول /

البيت : للأُم والخالة وإبنتها وأبيها وأخيها  هذه البيتوتية هي مدار الحدث الذي يمثل الفعل .

لو دققنا الفعل فسنجده لايتعدى حركة الفاعل (س) نحو بيت الخالة  بمعنى : يخرج من بيت الأُم ويدخل بيت الخالة !

وبالفهم التقريبي : أن العرف الإجتماعي يجعل أبناء الخالات وبناتهن كأنهم خلقوا ليتزاوجوا ببعضهم !

إذاً  المشهد إنعكاس مباشر للعرف الإجتماعي المحبب أحياناً .

الآصرة هنا هي حالة (البيتوتية / العُرفية) التي تحولت الى نصيّة مشهدية  .

المشهد أعلاه يحقق فضيلة أخلاقية بمخالفته للعُرف بطريقة سردية .

سيصبح لدينا /  العُرف = العــــــلاقات الإجتـــماعية .

العلاقات الإجتماعية = العلاقات البيتوتية  .

العلاقات الإجتماعية = العُرف = العلاقات البيتوتية .

وحين نعي أننا بإزاء مشهد من مدونة نصية لرواية فستكون المساواة بالتراتب /

النص المشهدي = العرف = العلاقات.

سيكون هذا شبه قانون يحتوي العلاقات المنبعثة من الشيئيات  سردياً وحياتياً .

2ـ للأشياء  حركة وسكون  للحدث والمُحْدِث (الفاعل) :

السكون هو البيت / بيت الأُم / بيت الخالة .

الحركة تتمثل في /

ـ  الأُم تتوجه بكلامها الى الأبناء .    ـ قيام الفاعل (س) بمفاتحة عمته بحبه لإبنة خالته  ثم مفاتحة إبنة الخالة بحبه لها .

ـ قيام الفتاة هيلين بالرفض والزجر. ـ قيام أبو الفتاة وأخوها بالمشاركة في الرفض والزجر .

ـ نكوص (مفترض) للفاعل (س) البطل المُحِب لهيلين .

الحدث المُسبب للجدل السردي والمكاني والعُرفي هو (الخطوبة) ـ كم هو بسيط  والمعرقل له إبن الخالة (س) البطل .

لكن واقع الحدث تصيّر بخمسة عناصر هم (س  الأُم  هيلين  أبو هيلين  أخو هيلين)  بمعنى : أن المدونة إحتفائية عائلية !

3ـ مشهدية الفعل البشري : علائق (النص = العُرف = العلاقات )  هي ليست النتيجة الوحيدة  إنما هناك مكملات تكاد تضاهي هذه الشكلية الوظيفية للتركيب أعلاه  أنها مكوّنات التبادل النفسي بين أطراف التفاعل المادي والبشري حيث أن /   ـ فرح الأُم / يقابل / حزن البطل إبن الخالة (س) .

ـ فرح هيلين / يقابل / حزن العمة المفترض ! .

ـ فرح أبي هيلين وأخيها / يقابل / إضطراب إبن الخالة البطل (س) .

ـ غضب هيلين / يقابل / توسل إبن خالتها البطل (س) .

ـ حيرة البطل إبن الخالة (س) / يقابل / زجر أبي هيلين وأخيها للبطل .تلك المتقابلات قد سننت المشهد ليقف عند أعتاب غاية القص الأهم  تحدي القيم السائدة ونقد لاإنسانيتهاوالتي من نبوءاتها تحويل الفشل الى تجربة مثمرة لأجل تمكين ثمرة النجاح أن  تتدلى  بأبهى  ما في الأشجار من علو وسمو .                                     ج ـ ميلودرامية وحرية الروي :

إذا كانت ” حرية الفن في أنه إفراغ للتوتر فأن الميلودراما هي خلق التوتر”( 6) .

إذاً التوتر بين السبب والنتيجة هو مفتاح  الفعل الروائي  بمعنى أن أية رواية هي إمتداد  ميلودرامي حتى آخر حلولها (قمة التقاطع أو التوافق في الحدث الأخير للقص)… أن حركة الباخرة في البحروحركة المهالك عند سـطح مياه البحار وحالات التغيّر  من التوتر والإنبساط النفسي  لحالة البشر  الشد والتشويق  لحالة القرّاء  وفي الأنتقال من جو الى آخر  أن هذا الظرف مظهر متشابك بين قوى الفعل الروائي وقوى الفعل البشري بميلودراما نصيّة   [ شعرت بإرتجاج السفينة يحـرّك همهمات سؤال في صدري الخائف : ” كيف نجتاز البنغال هكذا؟ ” …..

رفع رئيس المهندسين الحاكية وأول ما فعله والقلق ينتابني  إنطلق ضاحكاً وهو يعيد الحاكية الى مكانها ثم إلتفتَ إلي وقال  وعلى وجهه مازالت بقايا ضحكات ” سنزيد السرعة الآن “

خرجتُ مهرولاً صوب منظومة الحرارة والزيت  عدّلتُ من مقاييسها ثم عدتُ على وجه السرعة أيضاً الى مكاني  أنتظر التعليمات مثل تلميذ يحب التَعًلُم بجد واضح . ميلان السفينة المتكرر حرّك الماء الراكد في خزّانات الوقود وبالتالي بدأت المولدات تتلكأ بتوليد الطاقة وهذه بحد ذاتها كارثة فمن المؤكد لو توقفت الماكينات عن العمل نغرق بغضون دقائق ] ( 7) .

في المشهد مكبوت كبير من الخوف والخطر وسرعة التغير لحالات الماء والًمناخ  تحت مظلة ظرف الإبحار عند تخوم دولة البنغال .

هذه الحالات تضمنت الكثير من دلالات التوتر والشد العصبي منها/  ـ الشعور بالخطر من خلال إرتجاج السفينة .. نوع هذا الشعور سؤال عن (كيف الخلاص الآن ؟ أي في عملية إجتياز البنغال) .

ـ القلق : الذي من مظاهره الحزن وعدم معرفة التصرّف المناسب حيث رئيس المهندسين يضحك ويتكلم في الحاكية  و(س) يقلق ويحزن ولا يستدل على السلوك الأفضل بمثل هذا الظرف .

ـ التسرّع : وهو قد بان على جميع حركات طاقم الباخرة حيث أصبحت حركات (س) هرولة وأوامر رئيس المهندسين ( زيادة سرعة الباخرة )  ثم الإنتظار الوجل الذي هو ـ كذلك ـ نوع من إستعجال توقع المخاطر السيئة .

ـ تباطوء الإبحار: وهو ما يناقض رغبة الجميع في زيادة السرعة بمقابل حقيقة توقف الماكنات  المتوقع  عن العمل والذي يعني الهلاك الأكيد .

ـ الميلان : الذي من نتائجه الغرق والموت خنقاً بماء البحر !!

تلك هي حالات التوتر  درجة من درجات تطوّر الميلودراما مثلما وردت في رواية المشهد المتقدم   تُرى مانتائج التوتر الميلودرامي ؟

لنتابع /

[ أنجذب وأصطنع اللطف بإنجذابي  أخاف وأرتجل الشجاعة  ولكنني مندفع للصحو ولا أقدر ؟ لا يمكنني المحيط الهندي من نفسه  هاديء  لطيف كـل ما فيه من هوس يجعلني أُتمتم ” أيها المستحيل أنا عازف الكمنجات أمام تمثالك المنتصب حين أبلغ شهوة اللقاء مرّة أُخرى الى أجمل مـــــيناء  عُدْ بنا صوب ريتا ” ] ( 8) .                              في المشهد المتقدم نعثر على التوتر الميلودرامي الآخذ الشكل الفردي …

مانزال لم نمسك ببوح الميلودراما الآخر !  لقد أخذت موتورات الروي أنساقاً من القول تقترب كثيراً من التقريرية لولا أنها إرتبطت بحالات سابقة  أي حالة الحب التي جعلت من الروي وكأنه رسالة عشق وإختبار لصبر الحبيب وجديّته وتطور شخصيته نحو النضج والشجاعة والمروءة  وأخيراً الرجولة ! … كأن مخاطر المحيط الهندي ومهالك الماء عنده هي (سونيتات) معوّضة عن كمنجات العازف على أوتار نفس (س) البطل  لأجل صحوة الماء ومهادنته للحياة القادمة .

المتسق المضاف للمعروض التدويني هو حرية الروي في إتصال الخاص بالعام /                [ لقد وصلت بنا السفينة ميناء كولمبو أكبرمدن سري لانكا المزدحم بالناس .

مدينة جميلة رسمها الخالق على ظهر كوكب الأرض ؛ ليعزَّ بها أهلها المختلفين في الأديان والمعتقدات  متحابين يعملون كيد واحدة ….

(سري لانكا) شبه جزيرة يفصلها عن القارة الهندية من الشمال إمتداداً خليج مانار ومن الجنوب المطل على المحيط الهندي يحفّها البحر العربي .تحيطها الغابات والجبال السوداء المنتصبة فوق أرض خصبة إشتهرت في إنتاج البُن والشاي والمطاط والملابس والأحجار الكريمة.

فكرتُ وأنا أتجوّل في متاهات الطرق القديمة “عليَّ العودة الآن ” ؛ حين إتصلتُ بريتا  شرحتُ لها سهولة إمكانية العيش معاً كزوجين ” ] (9 ) . ينحت الراوئي حسن البحّار بأكثر من توصيف قيمي في رسالة هذا الـمشهد .

من تلك التوصيفات /

    ـ الوصف الجغرافي : حيث يحدد وجود التعالق المكاني لحدود المدينة  والميناء .

ـ توصيف المساحة الأرضية :فهي ميناء مكتظ بالسكان دلالة على الحيوية البشرية.

ـ تعميم المعلومة : فالمدينة كولمبو تنتج البُن والشاي …الخ … فالمعلومات حقائق إقتصادية قاموسية تفيد في تعميق الرؤية البصرية .

ـ توضيع الرؤى : حيث يستقي الروائي حكمة عامة وشاملة , ليست منفصلة عن التكوين السردي , تلك هي ” التآخي” والعمل كيد واحدة على الرغم من الإختلاف العِرقي والديني .ـ الشد : إستمرار شحذ القاريء على مواصلة القراءة بوساطة إثارة الموضوع الإنساني الذي يحرّك وجدان أقسى الذوات , موضوعة الحب , فهو الأكثر شدّاً في الوجود (الأرض ـ بشر) ..

 – في المشهد غمز الى المقارنة بين (التفرقة الطائفية والعِرقية القبلية لبلداننا والقسر الزواجي) والتآخي وبساطة العلاقات والعمل والزواج في البلدان الأخرى .                       حتى هذه المرحلة نكون قد تحققنا من أهم فرائض الميلودراما الروائية  وكذلك تحققنا من أن أدب الرحلات هو أدب الوصف والمعلومة والممارسة الإجتماعية .                  يتبقى علينا الأخذ بمسارات (عولمة المحلي  وتسمية الوصف اللامقيد  ومجازفات الإتساق الفني) ..

د ـ مسار عولمة المحلي :

يرى علماء سوسيو لوجيا الثقافة ” أن عولمة المحلي تشير الى حالة تتشابك فيها قوى التجانس دائماً مع قوى الإختلاف ” ( 10) .

هذا القول الذي نريده مسنداً أولياً لما سنستقرأه فـي مشاهد أُخرى من رواية رحلات حسن البحّار . نرى أنه سيمدّنا بالكليات الثقافية  السردية الروائية تحديداً ..

إن القول أعلاه يعنى بـ /

ـ حقيقة وجود المحلي .

ـ وجود العالمي يستدعي وجود المحلي .

ـ المحلي جزء من العولمة المضادة للعولمة البراجماتية .

ـ يوحي بحرية الإختلاف .

ـ أنه يقيم جسراً ثقافياً بين قوى الإختلاف المحلية  والعالمية .

– الحق أن الفكرة تقليدية الى أبعد (حد) ولكنها جديّة وجديدة الى أبعد (حد) !

نتساءل كيف ؟

بديهية استعمالية

أن تعميم المحلي غدت مثل أية بديهية إستعمالية يومية خاصة وأن العالم الإفتراضي جعل الترجمة الفورية ممكنة جداً وسهلة وآلية . ثم أن الأحداث تتعولم حال بثّها من أية وسيلة إعلامية  تلك الأحداث المهمة  الملهِمة  الجاذبة للإهتمام والمتابعة !الجديد في الأمر  أن هذا التعميم السريع هو تسويق براجماتييضع المنفعة  والربح في كِفة فارغة من لزوميات الخُلُق  لكن ضياع الهوية القومية والمحلية شكّل الخطوة التي لابد منها لولوج الرقي الحضاري  فالجديد أن الهوية المحليّة لن تضيع على وفق المبدأ السابق  إنما تصيرمعلومة مسوّقة وجميلة وفاعلة مختلفة مؤتلفة مع التيار العالمي لما بعد الحداثة .

عفوية جمالية

الجديد في الأمر ـ كذلك ـ أن المحلي سيحافظ على روحيته من خلال أرخنته  وعفويته الجمالية والثقافية  وإندغام المرح والحزن بفعل فني معصرن للتقليدي من الفعل التقني والثقافي .

لنتابع /

[ كنتُ شديد التفكير بفتاة ترافقني طوال السهرة !

توجهت الى مركز المدينة فرأيتُ بلجيكا كما قيل عنها جوهرة في وسط أوربا  مررتُ بشوارع تشاهد نهايتها قريبة  رأيتُ وســــط بناياتها المرتفعة المحصنة إله الخصب والشباب  كان تمثالاً مرصعاً بالماس تحيطه لوحات جدارية من العصر الروماني  سرّني تمثال سيدة أنتويرب المتلألئ بـالأحجار الملونة  رأيتُ حدائق تتلاقى تظهر من كل زقاق وشارع يحيط بالمباني الأثرية  رأيتُ تمثال القفز مازال يقف وسط المدينة منتصبا ًشعــــرتُ بالماضي يتنفس من خلال لوحات القرون الوسطى  تعرفتُ على متجر روبز الذي كان مفـــتوحاً للجمهور طول اليوم  مررتُ بمتحف للماس والتاج المقلد  زرتُ حديقة الحيوان  سرّتني مشاهدة الطاووس والكنغر  وأدهشني جمال الأسد الذهبي فامارين] ( 11) .

هل يحتاج المشهد توضيحاً ؟

لا أظن فهو إنعكاس مضيء وكشّاف تام للفرائض السابقة .

هـ ـ مسار الوصف اللامقيّد :

يضعه الباحث عبداللطيف محفوظ بثلاثة مستويات هي /

ـ الوصف الدال على إنفعال داخلي : إنه ” وصف يتيح للراوي التعبير عن تدفق إنفعالات داخلية تختلج في نفسية الشخصيّة ” ( 12) مثاله/

[ فيما كنت أبحث عن نفسي تتحسسني مرآتي تردد عكس إمتدادات وجهي تجدني في أكثر الخطوط شباباً أدير صوب هناك …. لا أستطيع إنتزاع ريتا من زحمة أفكاري .

 جملة من الشعر رافقتني أينما أروح ] ( 13) .

ـ الوصف الممهد للحدث : وفيه /

” يعمد الكاتب الى وصف طبيعة الحدث القادم ” ( 14) . مثاله /

[ كالعادة في كل صباح دخلتُ الحمّام وخرجتُ للعمل  وهناك طلب مني صديقي رئيس الضباط التهيؤ للسفر فالحمولة أُفرِغت  ولا يحق لنا البقاء في الميناء ….   لا أعرف ما الذي أصابني غير أني أتذكر جيداً أني سألته :

ـ متى الإبحار ؟

ـ الساعة الخامسة !] (15 ) .

ـ الوصف / الحدث : يـتـحـقق (الوصف / الحدث)  حين يصبح الوصف ” وحده مضطلعاً بمهمة أحداث مخبوءة ومتسربة عبرسراديب الجملة الوصفية ” ( 16) يتمثل هذا في /

[ لوقت مضى ولا أعرف كم  كنتُ قد قررتُ مناداتها  وإذا بها تظهر من وراء ظهري كالزرزورة البيضاء ضاحكة تلاعب بيدها تقول :

ـ أنتَ القبطان ؟

قبل الإجابة .

أفرغتُ في في ما تبقى من الشراب  ثم ألقيت عليها نظرة … تبادلنا الصمت طويلاً…إحتويتها بكامل قامتها… كانت نظراتها ممتنة  فما كان بمقدوري أن أُحَوَّل عنها ؛ بدت فائقة الجمال  مثل طفلة تقف تائهة تتحرى جواباً  عيناها تتسع تساير صمتي !

تمنيتُ لو كذبت عليها وقلت  نعم “] (17 ) .

و ـ مجازفات الإتساق الفني :

في مدونة (بحر أزرق .. قمر أبيض) عدة مجازفات فنية تمثل جهداً مقصوداً لخلخلة موازين الإتساق السردي  منها مثلاً /

1ـ فصل النهاية عن المحتوى المحتمل قراءته .

2ـ إتخاذ القرارات التي تخالف البناء البدئي وحيثيات الروي  فمن المتوقع لرجل خَبِر البحر أن يحبه  ويجعله فاتحة حياة حيوية خيِّرة له ولمن إرتبط به  لكن الراوي البطل (س) يقوم بخطوته /

[ فكرت كثيراً قبل مغادرة السفينة إذ لاعودة  وما الحياة التي أنا مقبل عليها؟                                 ما كان من جواب يدور برأسي إلّا صوت واحد ” عجّل قد حققتَ مرامك ـ بحر أزرق ص145]

ـ الإكتفاء الذي رافقه منذ الصغر  إكتفى بالعمة  دون الأم  وبالدراسة دون التفكير  وبالتفكير دون الصمت  وبالماء دون اليابسة  وبالسماء ـ القمرـ دون زرقة البحر  ثم أخيرا إكتفى بالحب دون العمل .

4ـ الابتعاد عن الفطرية  على الرغم من حبه وولعه ورغبته فيها  بمعنى ان الروي يميل الى الشغف بتلك الفطرية  فيما يحدث النكوص نحو الاستقرار المسترخي لغربة مفيدة ونافعة ومشبّعة دون فطرة الاهل والحنين إليهم /                          [ في القلب مازالت بقية أشواق الى ذاك الهواء الساخن وشرب اللبن الطازج والتلوث بالوحل والجلوس بالمقاهي والزيارات العائلية والمناكدات بين الأصحاب  الكثير من الذكريات مازالت تجر بأذناب أثوابي تتمسك بي تريد مني العدول عن قراري .

 يتراءى لي وأنا في زحمة الأفكارالعاطفية وجه ريتا الباسم المتأكد من قراري بالعودة إليها دون ان تُشعـرني بشيء من الخوف او الــــقلق. ـ بحر ازرق  ص 145

5ـ التنصل عن مواجهة الزمن القادم مثلما يشير اليه مشــــــــــهد الصفحة151 /

 [ لا اعرف بالضبط لمن في قادم الايام سأشير ؟

ألعيني التي ستحومان حول بطن ريتا في حملها ؟

أم لقلبي الذي سيمد يديه شوقاً الى أهلي ؟

لايهم  لايهم .. سأترك هذا الى قادم الأيام ؛ فالطائرة هبطت  وقد خطت عجلاتها أرض دوماي .        بحر ازرق ..قمر ابــــــــــــيض  ص 151

 تلك المحاولة …تلك الرحلة (الذهاب والإياب) ماهي إلّا هواجس رجل يريد العالم ان يتبع نصيحه الشيخ والبحر !!

ان يشيخ وهو في أوج تحديه للأشياء والكوراث والمنازعات اللامجدية ..رجل يريد العالم يداً تمسح على جبهات النساء والشيوخ والأطفال بود وحنين ليكون السادة العُلى مثل السادة في الدُنى !

كيف ؟

سيظل السؤال حائراً على مدى عشرين سنة قادمة !

الهوامش

 1- الحداوي   سيـــــميائيات التأويل  2006  ص67

  2- سيرل  بناء الواقع الإجتماعي من البيئة الى الثقافة 2012 ص87

 3-  البحّار  رواية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  ص15

 4-  سيرل  بناء الواقع الإجتماعي من الطبيعة الى الثقافة 1012 ص90

  5- البحّار  رواية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  ص26

  6-  ولس  فن الرواية   1986  ص101

  7- البحّار  رواية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  ص99  ص101  ص102

   8- البحّار  رواية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  ص106

   9- البحّار  راية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  108 ص109

  10- أنغليز هيوسن  سوسـيولوجيا الثقافة 2013 ص322

 11- البحّار  رواية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  ص 125

  12- محفوظ  وظيفة الوصف في الرواية  2009 ص 58

  13- البحّار  رواية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  ص 107

  14- محفوظ  وظيفة الوصف في الرواية     ص 59

  15- البحار  رواية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  ص136

   16- محفوظ  وظيفة الوصف في الرواية     ص29

   17- البحار  رواية بحر أزرق .. قمر أبيض  2014  ص.29