تحرير الموصل .. فرصة لتجاوز أخطاء الماضي – صلاح عبد القادر النعيمي

تحرير الموصل .. فرصة لتجاوز أخطاء الماضي – صلاح عبد القادر النعيمي

  انتهت معركة تحرير الموصل – أم الربيعين ، وقد تم دحر الإرهاب في أرض المنارة الحدباء .. التي لابد أن تعلو وترتفع لتكون شاهداً على حجم الظلم الذي نال من شعب كريم لأكثر من ثلاث سنوات عجاف . قبل أيام قليلة ، كنت أشارك كبار الأساتذة والخبراء والعسكريين ، مؤتمراً علمياً احتفالاً بانتصارات التحرير تحت عنوان ” إدارة مدينة الموصل بعد التحرير .. رؤية سياسية واجتماعية وأمنية ” الذي انعقد في بيت الحكمة .. حيث قدم عدد من القادة العسكريين السابقين والحاليين أبحاثهم وأفكارهم بشأن إدارة الملف الأمني ، وقدم الاقتصاديون ومنهم مستشار رئيس مجلس الوزراء الدكتور مظهر محمد صالح طروحات فكرية في الجانب الاقتصادي والاجتماعي . وبالرغم من جودة الآراء والمقترحات التي جرى تقديمها وأهمية الجانبين الأمني والاقتصادي ، تحقيقاً للأهداف الاستراتيجية في مجال حفظ الأمن وإعادة البناء والاعمار ، في ظل ظروف اقتصادية حرجه يمر بها العراق في المرحلة الحالية إلا أن موضوعاً مهما يفصح عن نفسه وكان لا بد من مراعاته في  مؤتمر  مثل هذا ليكون بمثابة الحلقة الثالثة التي تكمل دائرة الحل الوطني لمرحلة ما بعد التحرير.. ، ذلك هو الاهتمام بوضع برنامج لبناء الانسان . وقد حاولنا استعارة جملة وردت في الكلمة الرسمية للسيد الأمين العام لمجلس أمناء بيت الحكمة ، حين ذكر بأن .. ” انتصار العراق في مواجهة الإرهاب وتحرير الموصل ، يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة ” . وبالعودة الى سنوات ما بعد عام 2003  فقد كانت هناك فرصة مهمة لبناء دولة عراقية متوافقة مع المفاهيم الديمقراطية ، لولا حالة التشظي والتشتت مناطقيا ومذهبيا وسياسيا ، ما انعكس سلبا على الجانب الأمني والاقتصادي والمجتمعي وتسبّب في صراعات داخلية على أساس المذهب والطائفة والقومية ، وكان من نتائج ذلك ظهور داعش وتفشي الارهاب بعد ان تفاعلت أجهزة مخابراتية عالمية وإقليمية فأنتجت للعالم منظمة إرهابية تحت غطاء ديني مثّلت تشويها لفكر الإسلام وسماحة الدين ، وأصابت الآمنين في محافظات شمالي العاصمة بغداد قتلا وتدميرا لم يشهد له التاريخ المعاصر مثيلا وآلاما وجراحا لبقية محافظات العراق . واليوم بعد ان توضّحت ملامح التحرير والتقت قطعات القوى الأمنية والحشد الشعبي بمختلف صنوفها والتي ازاحت قوى الإرهاب بصنوفها المتعددة .. نسمع أصواتا ونرى أفلاما فديوية تشير الى تضحيات المقاتلين والشهداء وذلك حق مكتسب لتكريم الدماء الطاهرة التي سالت على أرض الموصل . وهناك أصوات أخرى تحاول التركيز على أن شباب المحافظات الجنوبية هم الذين حرروا أرض الموصل وانقذوا أهالي نينوى من دنس الإرهاب .. وبالرغم من سعة حجم التضحيات لعشائر الجنوب البطلة وفي الوقت الذي نؤكد كرم الشهداء وجودهم بأنفسهم وتضحياتهم الوطنية ، لابد أن نلفت الانتباه الى أن هؤلاء جميعا ومن كان يدافع عن الموصل من أهاليها وقواتها الأمنية هم عراقيون في الأصل والمنبع وأن دم الشهيد .. أبن النجف الأشرف وميسان والبصرة وكربلاء تمازج مع دماء الشهداء من الأكراد وأبناء الأنبار وتكريت والموصل ، ومن ثم فان الحصيلة التي ينبغي ان نتحدث عنها ان ” العراقيين قد اتحدوا وحرروا أراضي عراقية ” .. ينبغي أن نتحدث عن وطن حرره أبناؤه بدعم من المرجعية الحكيمة . وذلك ما ينبغي أن تتوجه اليه برامج الحكومة العراقية وجميع وسائل الاعلام …. فالطفل الذي مات تحت الأنقاض شهيد ، والأم الموصلية التي فقدت زوجها وأبناءها ثم ماتت .. جميعهم شهداء ، ومن ذبحه  داعش وهو يدلي بمعلومات ليتخلص من الظلم هو شهيد ، والمقاتل الذي حمل السلاح أيا كانت المحافظة التي ينتسب اليها هو شهيد عراقي مات من أجل الوطن ولأجل مستقبل أفضل للعراق يعيش فيه أبناؤه وكل من ولد على أرض الوطن آمنا مطمئنا . تلك هي التوجهات الوطنية التي نؤكدها ، وذلك هو المستقبل المنشود .. لا أن نتحدث عن فئة او منطقة أو محافظة وقومية ..وذلك لكي نبني دولة العدل والقانون . دولة يعيش فيها الجميع بغض النظر عن الإنتماءات ، سوى الإنتماء للوطن والتعفّر بتراب العراق والتشرف بالعيش في أرض الأنبياء والأولياء وآل البيت الكرام . اليوم هناك فرصة تاريخية نادرا ما تتكرر لبناء دولة مدنية ديمقراطية تستند على الأسس الصحيحة و مبادئ المواطنة وحب الوطن والتآخي والتعاون واحترام المشاعر المتبادلة وطقوس الدين للعيش بسلام . لقد مرت سنوات طوال منذ اكثر من عقد ونصف ولم تجلب الطائفية للبلد سوى الصراعات والخراب والقتل والتشريد ، لذلك نريد خلال السنوات المقبلة .. أن ننسى فيها من نكون وأين ولدنا ونتذكر فقط أننا عراقيون وأن لبلدنا علينا حق اكرامه ، وللشعب علينا حق العيش الرغيد مثلما تعيش بقية شعوب العالم المتحضر .. أطفال وشباب نركز في تربيتهم على حب الوطن ونحفّز لديهم طموحات الابداع والابتكار والمساهمة في البناء والحصول على شهادات جامعية والتفوّق و نجعلهم يحلمون ببناء عوائل مستقرة لا نخاف عليها من القتل والتشريد و التهجير ، إنما نوفر لها حدائق جميلة وشوارع نظيفة وبنايات لائقة للسكن واقتصادا يحقق الرفاهية للبلاد . تلك هي رؤيتنا لمستقبل مشرق أذا ما تبنت الحكومة والقوى الفاعلة سياسيا” وعسكريا” ..برامج لوطن يعيش فيه الجميع . وبالمقابل فلا سمح الله .. لن يكون بالإمكان تحقيق مثل هذه الأمنيات والأحلام المشروعة اذا ما بقينا نميل للأجزاء والفروع على حساب الوطن .. فجميع دول العالم فيها قوميات وأطياف و ديانات ، وجميع الشعوب تعيش تحت خيمة كبيرة واحدة تجمعها إسمها ” الوطن ” يحترم كل منهم الآخر ويتعاون معه لأجل البناء والاعمار وتحقيق الرفاهية .

{ مستشار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي