تحديد ملامح التغطية الصحفية للأزمات

دليل عملي في الأساليب والإتجاهات

 

تحديد ملامح التغطية الصحفية للأزمات

 

 حمدي العطار

 

بغداد

 

تعد الازمات في كل بقاع العالم حالات أسثنائية نادرة الحدوث وغالبا ما تكون نتيجة ظروف حتمية حيث العوامل الذاتية فيها كأسباب نادرة قياسا بالعوامل الموضوعية ،وتلعب فيما بعد العناصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمؤسساتها الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية وجميع الفعاليات الثقافية والتعليمية والجهد البحثي المتمثل بعقد المؤتمرات والاجتماعات والورش المشتركة المحلية والاقليمية والدولية كل ما تستطيع لتخفيف اثار الازمات السلبية ومن ثم انهائها.

 

 -في العراق وعلى مدى عقود كان الشعب يعيش حزمة من الازمات بسبب الحروب التي خاضها النظام السابق وما نتج عنها من صعوبات في مجالات اقتصادية واجتماعية القت بظلالها على مفاصل الحياة لتولد ازمات في (التعليم والصحة والصناعة والزراعة والكهرباء والخدمات البلدية ) أضافة الى ازمات متنامية في مجالات (الدبلوماسية والعلاقات الخارجية ،ومشاكل التعامل في مجال حقوق الانسان والحريات الفردية والاجتماعية) وبعد 2003 والاحتلال  الامريكي للعراق ،أصبحت البيئة المحلية جاهزة لخلق الازمات العميقة عبر ما تم التخطيط له ليبقى العراق بلد الازمات المتصاعدة فهناك ازمة (نظام الحكم) والمحاصصة الطائفية والقومية ،وهناك أزمة (الفدرالية) بين المركز واقليم كردستان وخطورة تقسيم العراق الى دويلات اثنية وطائفية متصارعة على الحدود والمناطق المتنازع عليها والثروات ،وهذه خلقت وضعا امنيا غير مستقر وخطير ازمة (الارهاب والتدخلات الاقليمية في الشأن العراقي) وهي بدورها اوجدت حالة من عدم التوازن الاجتماعي والسياسي وتلكؤ في الاعمار والاستثمار ،بحيث لا يوجد اي مرفق من مرافق الدولة لا يعاني من المشاكل التي يصعب حلها لتتحول مع الوقت الى ازمات، وبالتأكيد كان الاعلام له دور فعالاً في تغطية هذه الازمات بل احيانا له مساهمة مؤثرة في التصعيد وتعقيد الازمات.

 

أزمة الحوثيين وليست ازمة العراقيين!

 

حينما صدر كتاب للدكتورة  “ضمياء حسين الربيعي”  بعنوان (التغطية الصحفية للازمات -دليل عملي في الاساليب والاتجاهات-) عن دار الجواهري سنة 2014 توقعت قبل قراءته بأن هذا الكتاب سوف يبحث ما تكلمت عنه من ازمات امنية في العراق وما نتج عنها من ازمات (سياسية واقتصادية واجتماعية) لكن المؤلفة  كانت دراستها على ازمة الحوثيين في اليمن وبذلك خاب ظني في البداية لكنني تلمست اهمية الكتاب وانا استمر بقراءة مباحثه النظرية في المحور الأول الذي يعالج التغطية الصحفية ،المفهوم والأبعاد والانواع ،وفنون التغطية الصحفية وأشكالها ،وأخلاقية وسائل الاعلام في أوقات الأزمات) وهو فصل غني من الناحية المهنية والفنية ويعطي قواعد السلوك الصحفي بمواجهة الازمات ، أما المحورالثاني :- فتتناول المؤلفة – التغطية الصحفية وتكوين الرأي العام، وأزمة الحوثيين في اليمن (صعدة) كنوع من التغطية الصحفية ،واتجاهات التغطية الصحفية لأزمة الحوثيين ) هكذا اذن الجانب النظري يضعك امام معنى التغطية الصحفية لتكون جاهزا في تقويم ما تتلمسه من وسائل الاعلام وهي تعالج الازمات صحفيا ،اما الجانب العملي من الكتاب فقد أختارت المؤلفة (أزمة الحوثيين) في اليمن وكيف تعاملت معها مجموعة من الصحف العربية والتي حددتها المؤلفة بما يلي (جريدة السفير،جريدة الاتحاد،جريدة الزمان -طبعة لندن -)

 

أهمية التغطية الصحفية

 

ترى المؤلفة بأن التغطية الصحفية للأزمات التي تعصف بالوطن العربي تستمد اهميتها من قوة تأثيرها على الازمة ،وهي ترى بأن وسائل الاعلام التي كانت محتكرة بيد الحاكم اصبحت الان في متناول الجميع

 

(الحاكم والمحكوم) (الشعب والحكومة)، كما تذكر المؤلفة بأن التغطية الصحفية  للازمات السياسية (تحتل أهمية بالغة في جميع وسائل الاعلام ولاسيما الصحف التي تهتم بتغطية الازمات السياسية) وقد حددت الدراسة ثلاثة صحف اثرت في موضع ازمة (الحوثيين) موضوع البحث وهذه الصحف هي (السفير اللبنانية،الاتحاد الامارتية،والزمان العراقية “طبعة لندن”) وترى المؤلفة بأن الازمة تمر بعدة مراحل وفي كل مرحلة هناك تغطية صحفية لها وهي ليست على سياق متماثل بين كل الصحف بل توجهات الصحف تتبع الجهات التي تصدرها (مرحلة ما قبل الازمة ومرحلة نشوئها واثناء الازمة ومرحلة ذروة والمرحلة الاخيرة التي تتمثل بمرحلة ما بعد الازمة او انتهائها) والتغطية الصحفية للازمات يمكن ان تكون (تحرير خبري وتقرير) او تكون التغطية (تفسيرية -فن المقال الصحفي والحديث الصحفي) ويمكن ان تكون التغطية الصحفية (تسجيلية ) عن طريق مجموعة من الوسائل – الصور الخبرية  وغير الخبرية والاشكال والرسوم – وتركز المؤلفة في كتابها على المنهجية في البحث لتغطية جميع المحاور (الابعاد والقيم ) التي ترافق التغطية الصحفية ،ثم تناولت المؤلفة مفهوم الازمة وخصائصها ومستوياتها وانواعها والاداء السلوكي للأزمة وادارتها وتطورها ، وفي جميع المباحث ترى المؤلفة العلاقة الارتباطية ما بين التغطية الصحفية والازمة ولاسيما موضوعة (التحيز والموضوعية ) وفميا يلي عرض مختصر لمحتويات الكتاب:-

 

 تعريف التغطية الصحفية

 

التغطية الصحفية لا يمكن ان تكون الا بالحضور الى مكان الحدث ومعرفة ابعاده واسباب حدوثه  لذلك تعرف التغطية الصحفية بأنها “عملية الحصول على اكبر قدر من المعلومات عن حدث معين عن طريق اعتماد المندوب الصحفي المكلف بالتغطية على مصادره،ووسائله في الحصول على الحقائق والمعلومات بشأن قضية تهم شريحة معينة من الناس او تهم اغلب الناس لأي سبب من الأسباب وعرضها بصورة واضحة وجلية” وتهتم وسائل الاعلام (الصحف) بالتغطية وترصد لها الحجم المناسب وتنتدب الى مكان الحدث احيانا اكثر من صحفي ، و(التغطية الصحفية الاخبارية) في الاعلام العربي تتألف من الابعاد الخمسة التالية :- “1-السياق الاجتماعي – الاقتصادي -السياسي الثقافي الذي يجري فيه الحدث ،2-القوة الذاتية الموضوعية للحدث اي اهميته وتأثيره ،3-موقف الوسيلة الاعلامية من الحدث ،4- شخصية الوسيلة الاعلامية ونوعيتها والمدرسة الصحفية التي تنتمي اليها ،5- الشرائح الاجتماعية التي يستهدفها الخطاب الاعلامي” تمثل هذه النقاط الابعاد الرئيسة لمرجعية التغطية الصحفية

 

ماهية التغطية الصحفية

 

لمعرفة ماهية التغطية الصحفية ينبغي معرفة انواعهاواشكالها فانواع التغطية الصحفية من حيث اتجاه المضمون هي “1- التغطية المحايدة،2-التغطية المتحيزة،3-التغطية الخلافية او المعارضة” اما انواع التغطية الصحفية حسب رؤية بعض الباحثين فهي :- “أ-تغطية المجاميع الصحفية، ب- التغطية الاستقصائية،ج- التغطية التسجيلية أو التقريرية،د- التغطية التمهيدية، ه- التغطية التفسيرية،و- التغطية الصحفية الالكترونية.” كما تذكر الكاتبة فنون التغطية الصحفية وأشكالها وتتمثل بما يلي :- “اولا الخبر الصحفي ،ثانيا:- التقرير الصحفي  والذي يقسم الى عدة انواع 1- التقرير الاخباري،ا2-لتقرير الحي،3- التقرير ذو الطابع الخاص،4- التقرير الموضوعي،5- التقرير المهني،6- تقرير عرض الشخصيات ،7- التقارير المركبة وتكون على ثلاثة انواع أ-التقرير المركب المنفرد،ب-التقرير المركب المستمر،ج- التقرير المركب الرئيسي،8-تقرير الأنباء المباشرة،9- التقرير الصحفي المصور،10-التقرير المساند

 

ثالثا:المقال الصحفي :- “يعد المقال الصحفي من الفنون التي تمثل مواد الرأي،،ويعبر بشكل مباشر عن سياسة الجريدة وعن اراء كتابها في الاحداث اليومية وفي القضايا التي تشغل الراي العام المحلي او الدولي.

 

اما عن انواع المقال الصحفي فهي :- “المقال الافتتاحي،المقال التحليلي،العمود الصحفي،المقال النقدي”

 

وقد اهتمت الباحثة بدراسة الانواع الثلاثة الاولى في صحف (السفير والاتحاد والزمان )والتي غطت ازمة الحوثيين في اليمن بعد اجرائها عملية المسح الشامل للصحف المذكورة ووجدت ان هذه الانواع شكلت جزءا من التغطية الصحفية للازمة.

 

مفهوم الازمة

 

ترى الباحثة بأن الازمات السياسية والامنية رغم وجودها عبر التاريخ لكنها لم تظهر بشكل ملحوظ الا بعد عقد الثمانينيات من القرن الماضي،وكلمة الازمة تعد “نقطة تحول” وتعرف الأزمة علميا “بأنها موقف تحذيري ينطوي على عدة مخاطر اهمها تصاعد حدة الموقف والتعرض للمراقبة الشديدة الفاحصة من جانب وسائل الاعلام او الحكومة والتعارض مع العمليات العادية للعمل فضلا عن تعرض الصورة العامة الايجابية التي تتمتع بها المنظمة او مسؤوليتها حاليا للخطر فضلا عن الاضرار بنتائج اعمال المنظمة باية صورة من الصور”،وبعد ان تستعرض المؤلفة المعاني  اللغوية لكلمة الازمة  تذكر الفرق بين (الازمة والحادث والمشكلة والطارئة والقضية والكارثة) ومن ثم يتم التعرف على خصائص الازمة ومراحل ومستويات الازمة وانواع الازمات من حيث عمقها  (ازمات سطحية،الازمات العميقة المتغلغلة) ثم انواع الازمات من ناحية(التأثير)  “ازمات ظرفية هامشية محدودة التأثير، ازمة جوهرية هيكلية التأثير” ثم انواع الازمات من حيث (محور الازمة) “ازمات مادية،ازمات معنوية ،ازمات تجمع بين المادية والمعنوية”  ويتم التطرق الى “الاداء السلوكي للأزمة” وهنا تنقسم المعالجات الفكرية للأزمة الى قسمين :- 1- قسم يركز على اعتبار الازمة بأنها مؤامرة  خارجية،2- قسم يركز على العوامل الداخلية الباعثة على انتشار الازمة سواء بأفتعال الاحداث التي تصنع الازمات أم بالامتناع عن التحصين ضد نشوئها او معالجة اسباب وعوامل نشوء الازمات برعونة وجهل وتخاذل. وبذلك يمكن توصيف الاداء السلوكي للأزمة الى “الازمة الزاحفة،الازمة العنيفة الفجائية،الازمة الصريحة العلنية او المفتوحة،الازمة الضمنية او المستترة.

 

مداخل دراسة الازمات

 

يمكن تحديد مداخل دراسة الازمات على النحو التالي “1- المدخل الاقتصادي :- وتتضمن التضخم ،البطالة، الركود الاقتصادي،عجز الموازنة، الكساد  ” 2- المدخل السياسي:- وتتضمن فشل القيادة السياسية،عدم صلاحية النظام السياسي،عدم قدرة الاحزاب السياسية على ادارة الصراعات الاجتماعية،او الفشل في تطوير نظام سياسي دولي عادل” 3- المدخل الاجتماعي:- وتتضمن عدم المساواة الاجتماعية ،نقص الحوافز والدوافع،تحدي السلطة،فشل نظام الرقابة والتحكم، وكذلك الازمات البيئية والمجاعات والحرائق .

 

4-المدخل التاريخي:- الازمات نتيجة لتراكم عوامل عدم الانسجام بين عناصر المجتمع،والازمة نتاج اسباب وعوامل نشأت قبل ظهور الأزمة تاريخيا ،5- المدخل النفسي:- تمثل انهيارا لكيان الافراد او شعورهم بأنعدام اهميتهم،ويرجعون ذلك الى دوافع غريزية،او تأثير قوى اجتماعية غير واعية،6- المدخل الثقافي :- معظم الازمات تنطوي على بعد ثقافي قيمي.

 

خصائص الأزمة السياسية

 

في هذا المبحث توضح المؤلفة اهم خصائص الأزمة السياسية ،ومفهوم قرار الأزمة ،والقرار يملك الخصائص التالية :-  (1- القرار في فترة ووقت الازمة يتعامل مع مشاكل غير روتينية تواجه الكيان المستهدف بالازمات لكونها مشاكل غير متوقعة لذا فهي عادة ما ترافقها مظاهر التهديد والضغط والمفاجأة،2-يتم تجاوز الامور الروتينية من قبل الكيان السياسي،3-القرار يكون اكثر بساطة من المعتاد واقل ميلا لطلب النصح ،4- ان مسؤولية صنع واتخاذ القرار في حالة الازمات والطوارئ محدد بصورة غير عادية اما عن ادارة الازمة وشروطها فقد اكدت الباحثة على (حسن الادارة ،الحنكة الدبلوماسية) وعدت ازمة الصواريخ الكوبية سنة 1961 النموذج الناجح لأدارة الازمات ،حيث اصبح تاريخ ازمة الصواريخ اول دخول لمصطلح ادارة الازمات في قاموس العلاقات الدولية وذلك عندما اطلق (روبرت ماكنمارا) جملته الشهيرة حول ادارة الازمات :- “انتهى عهد الستراتيجية وبدأ عصر فن ادارة الأزمات” لقد بذلت المؤلفة كل الجهد المطلوب لكشف اسرار موضوع البحث في التعمق بمفردة الازمة والتغطية الصحفية خاصة في الفصل الثاني النظري الذي تحدثت فيه المؤلفة عن (التغطية الصحفية وتكوين الرأي العام) كما تناولت الرأي العام والازمات ثم تناولت بالتفصيل موضوع البحث (الحوثيين) في اليمن.

 

التطبيقات العملية

 

وضعت الباحثة ثلاثة صحف لتحديد حجم التغطية الصحفية واتجاهاتها في صحف السفير والاتحاد والزمان (طبعة لندن) ازاء ازمة الحوثيين وكانت هذه الصحف الثلاث هي (مجتمع البحث) اما مجالات البحث فكانت على الشكل التالي :- (ا- المجال المكاني، تتمثل بالاعداد الخاضعة للدراسة في الصحف الثلاث وتعد من حيث الهيكلية الادارية مستقلة عن المؤسسة الحكومية بوصفها شركات اهلية خاصة تصدر عن قطاع خاص وقد بلغت 426 عدداً من الصحف ،2-المجال الزماني ،فهو الفترة الممتدة من 1/6/2009 الى 31/12/2009 وهي المدة التي تبدأ من بداية انطلاق مرحلة الازمة واثنائها الى مرحلة بلوغ الازمة ذروتها في المواجهة العسكرية السادسة في اليمن، 3- المجال الموضوعي ،ويتضمن التغطية الصحفية وحجمها واتجاهاتها في صحف (السفير،الاتحاد،الزمان – طبعة لندن)ازاء ازمة الحوثيين في اليمن ،أذ احصت الباحثة فنون التحرير الصحفي التي غطت هذه الازمة وهي (الخبر والتقرير والمقال بأنواعه والحديث الصحفي )

 

واستخدمت الباحثة احد الاساليب الاحصائية الوصفية لوصف التغطية الصحفية في تلك الصحف الثلاث وتمثل هذا الاسلوب بالتكرار والنسبة المئوية فضلا عن استخدام الجداول الاحصائية ذات البعد الواحد والجدولة المركبة لغرض اجراء التحليل الاحصائي لنتائج هذه الجداول وتفسيرها بالاضافة الى استخدام الرسوم البيانية في عرض نتائج البحث. كتاب الدكتورة “ضمياء حسين الربيعي” – التغطية الصحفية للازمات – سوف يحتل مرتبة متقدمة من اهتمام القارئ المتخصص بالاعلام اولا لما يحويه من طرق واساليب المنهج العلمي في مجال الاعلام وكذلك يثير فضول القارئ العادي للتوقف على مفردة (الازمة) التي طالما يسمع بها في نشرات الاخبار ويرى اثارها في حالة عدم الاستقرار السياسي والامني وتعطيل الخدمات وعرقلة البناء والاستثمار والاعمار كما انه سوف يقارن بين تحليل الكاتبه حول اسلوب معالجة الازمات عند صانع القرار السياسي وبين ما تقوم به الحكومة في مواجهة الازمات السياسية المتصاعدة خاصة الازمة السياسية والامنية في الانبار.