بلد في عيون صحفي عراقي 1
بيروت.. باريس العرب وعابرة الطوائف
حمدي العطار
بيروت
يرتبط لبنان في الذاكرة الجمعية للشعوب العربية بأنه البلد الذي يمثل الجمال في( الطبيعة والمناخ والنساء)،ويمثل الحرية في (الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية)،بينما يرتبط لبنان في ذاكرتي الشخصية بشيء سمعته وآخر قرأته،حيث كانت والدتي تقول بأن الأطباء ينصحون مرضى السل بالسفر الى لبنان من أجل الشفاء ، وعندما اصيب جدك “بمرض السل” طلب الأطباء منه السفر الى لبنان (ليشم هوائه نقيا) مع أخذ الدواء يمكن أن يتماثل للشفاء من هذا المرض المميت،وفعلا قام جدي ببيع فندق يملكه في بغداد بشارع الرشيد وكذلك باع أرضا في البصرة هي اليوم تسمى (متنزه الخورة) وسافر الى لبنان ومكث فيها 6 أشهر ليرجع بصحة جيدة !
كما أنني قرأت بأن اللبنانيين حينما كان الله يوزع الثروات الاقتصادية من نفط وخيرات على شعوب العالم سألوه بأن يعطيهم من كرمه شيئا يفتخرون به ويكون عونا لهم ومصدرا لمعيشتهم ورفاهيتهم الاقتصادية ؟ فأستجاب الله لسؤالهم قائلا : خذوا هذه الارض “لبنان” كنت قد حجزتها لنفسي!! ومهما سمعت أو قرأت عن لبنان وشعبها لا يمكن ان تستوعب هذا البلد من دون القيام بزيارة ولو قصيرة الى بيروت لترى الكم الهائل من الأقبال على الحياة عند اللبنانين وهذا لايخص شريحة من الشباب فقط بل يمكن أن تراه شاخصا عند الرجال والنساء وحتى الشيوخ من كلا الجنسين ،فبرغم الصعوبات الاقتصادية والاحتمالات الخطيرة للوضع اللبناني وأنعكاس الأزمة السورية على لبنان ترى الجميع يمارس الحياة الطبيعية في المقاهي والنوادي والملاهي والمتنزهات والمصايف،يمرحون وتعلو وجوههم الابتسامة لا يعرفون اليأس، وخزين الامل عندهم لا ينضب ،لا تعتقد بأن الوضع الحالي هو قد حل في لبنان بالصدفة لكننا حينما نقلب الأوراق التاريخية للشعب اللبناني منذ انشائه حتى اليوم سوف تزداد أعجابا بهذا الشعب وما تحمله من صعوبات التدخل الاجنبي والاحتلال الاقليمي ( منذ المرحلة الرومانية البيزنطية 64 ق.م -636 م حتى الفتوحات الاسلامية سنة 636 م – 1516م ثم الاحتلال العثماني حتى سنة 1920 والاحتلال الفرنسي حتى الجلاء 1946والاحتلال السوري سنة1976 و الاحتلال الاسرائيلي سنة 1982) ودائما يخرج لبنان معافى وأقوى من السابق،وفي لبنان هناك تاريخ للصراعات القومية والدينية والمذهبية آخرها الحرب الاهلية اللبنانية (1975- 1990) وانت تتجول في شوارع بيروت تتذكر كيف كانت تلك الطرق والمناطق ساحات للمعارك الاهلية وكانت مادة أخبارية في جميع محطات التلفزيون العالمية،شوارع مزدحمة بالمارة والسيارات والمحلات الفاخرة والبارات والمقاهي المكتظة بروادها، الجميع يمارس ما يحب بلا خوف او خجل وعندما تسأله عن الممنوعات والمحرمات التي تعاني منها جميع الشعوب العربية يقولون “يا عم هذه لبنان بلد الحريات ،دي أوربا العرب” وصدق من قال ” بيروت باريس العرب”
الاختلاف والتشابه بين بغداد وبيروت
هناك العديد من نقاط الالتقاء والتشابه بين العراق ولبنان، فالبلدان من الناحية اللغوية هما (مذكرين) وجميع دول العالم (مؤنث) فنحن يمكن أن نؤنث أية دولة في العالم فنقول مثلا(هذه أمريكا أو روسياأو المانيا أو ايران أو مصر وهذه السعودية) لكننا يجب ان نقول (هذا العراق ،وهذا لبنان)! وهما البلدان اللذان يتكون شعباهما من مكونات اجتماعية دينية وقومية ومذهبية متعددة ففي لبنان هناك (المسيحيين بانواعهم، المسلمين- سنة وشيعة ،والدروز والكرد ) وكذلك في العراق هناك تنوع في الهويات القومية والدينية والمذهبية،البلدان ضمن التصنيف العالمي يعدان من الدول السياحية الطبيعية والتاريخية والدينية – لبنان تصنف عالميا في المرتبة الثانية سياحيا بعد اسبانيا التي تحتل المرتبة الاولى – وبرغم نقاط التشابه العديدة بين البلدين فهناك نقاط تباين وأختلاف بينهما ،مصدر دخل العراق من النفط ومصدر دخل لبنان من السياحة، المحاصصة السياسية في لبنان لم توقف عجلة الاعمار وتقديم الخدمات وتوفير الامن والامان بينما عطلت المحاصصة في العراق الاعمار والخدمات والأمن! في لبنان حرية (حقيقية) لا تؤثر عليها فتاوى دينية او غموض في القوانين ولا يمكن التجاوز على الحريات الشخصية تحت اي مسمى ديني او دنيوي! في العراق حرية (مزيفة) تتداخل فيها قيود المحرمات ويتم التجاوز على الحريات الاجتماعية والشخصية من قبل جهات لا تمثل القانون.
المطارات معايير للتطور والتقدم
حينما يكون السائح المسافر الى لبنان من الدول المتقدمة والمتطورة والمعروفة بأنها ايضا سياحية ويشعر بالاعجاب وهو يزور لبنان فبالتأكيد سوف يكون هذا الاعجاب مصحوبا بالدهشة والاثارة حينما يكون السائح رجلا مثلي قادما من (بغداد) لا يمكن مقارنة مطار بغداد بمطار لبنان ،برغم أن لبنان أصغر بلد عربي لكن مطاره مزدحم دائما بالقادمين اليه لأغراض السياحة،مما لا شك فيه بأن معايير التقدم والتطور عديدة ومتنوعة لكن واجهة هذا البلد لبيان مدى تطوره هو مطار العاصمة!! مطار بغداد كان ايضا مزدحما والسبب هو لدينا سياحة دينية ولدينا الكثير من العراقيين المغادرين للسفر الى (ايران ،جورجيا،ولبنان) وهي الدول الثلاث بالاضافة الى تركيا هي التي يقصدها العراقيون لسهولة الحصول على التأشيرة اولا ولأنها مناسبة للسياحة والزيارة والعلاج والعمل أو لأغراض أخرى والمعنى في “جيب السائح”كان مطار بغداد كئيبا كعادته يشجع على المغادرة ولا يرحب كما يجب بالقادمين! يصل المسافر الى صالة المطار وهو منهك القوى من الجولات التفتيشية بدءا من ساحة عباس بن فرناس الى بوابة المطار حتى ان اهالي بغداد يفكرون بالسفر الى خارج العراق من مطارات المحافظات !مورس علينا مارثون التفتيش على الحقائب والملابس والاجساد وكان سيد المفتشين (الكلب) أدام الله حاسة الشم عنده وأبعد عنه مرض اجهزة كشف الزاهي! عبرنا نقطة التفتيش الاولى وارجوعنا ،قال زميلي الصحفي والاعلامي المسافر معي الى بيروت “رعد الجبوري”في كل دول العالم يتم تسهيل السفر لأن المسافر يكون متوترا اما عندنا فهم يزيدون توتره من اجباره على المشي مع حقائبه للوصول الى سيارات نقل المسافرين في طريق مملوء بالحصى والتراب حتى هذه الحواجز المزعجة ،ترى ما هوسبب ارجاعنا” قلت له بسخرية (هذه أوامر الكلب) بجانبي شاب مراهق ضحك بصعوبة بسبب انه يضع حقيبته الكبيرة في حضنه وليس في صندوق الحقائب ! سألته أنت ليش شالع كلبك بالجنطة ضعها مع بقية الحقائب؟ أجابني بأنه يحمل معه مبلغ مالي قدره عشرين الف دولار وهو مسافر الى جورجيا فهل هذا مسموح او ممنوع؟ طبعا ممنوع الحد الاعلى 10 الاف دولار ،ماذا اعمل نصحناه ان يضع المبلغ الزائد في الحقيبة ،سمع كلامنا مرة وخالفنا مرات عبرنا الحاجز الاول والثاني لم يكتشفوه وفي الحاجز الاخير عند بوابة المطار تم ضبط المبلغ والتحفظ عليه، أشخاص لا تشعر بالارتياح عند رؤيتهم ،فهناك ثلاثة انواع من هؤلاء المسافرين :- النوع الأول ، قلقون دائما يعتبرون السفر مصيبة كبرى يصيبهم الاسهال عند حلول موعد السفر واول ما يفكرون به هو الغاء الرحلة او سقوط الطائرة ،ترى الخوف والهلع في عيونهم والارتباك على تصرفاتهم،حقائبهم تضيع ،جوازاتهم تنسى ،نقودهم تسرق، تذاكرهم فيها اخطاء بالاسم وحتى أطفالهم يتيهون في صالات المطار! النوع الثاني، لا يعرفون متعة السفر ،فاقدي الاحساس بالفرح والشعور بوجود الاخرين معهم ،عراك واصوات صاخبة وفوضى هي تصرفاتهم، يزعلون من دون سبب ولا يعترفون بأخطائهم وينتظرون من الأخرين الاعتذار لهم ! النوع الثالث، بخلاء كلامهم محصور على النقود وتقليص الانفاق ويشكون ويتذمرون بعد دفع اي مبلغ وعن اي شيء ،وهؤلاء ايضا يريدون احسن الاشياء بارخص الاثمان وبعضهم مراهق في سن الشيخوخة !ومعظم المسافرين العراقيين للآسف من ضمن هذه الانواع.
في داخل صالة المطار هناك جولات تفتيشية اخرى من ضمنها فقرة نزع الحزام والحذاء وننصح المسافر ان يرتدي الشورت والشحاطة حتى لا ينزعج من نزول البنطلون عند نزع الحزام!!
أستغرقت رحلتنا من مطار بغداد الى مطار عمر الحريري في بيروت ساعة وعشرين دقيقة، بدأنا رحلتنا بدعاء السفر وهو تقليد جديد يمارس في الرحلات الجوية للخطوط الجوية العراقية وقد نكون في ذلك نمثل ظاهرة فريدة من نوعها ،بعد الدعاء كانت الاغاني الغربية الراقصة (ساعة لربك وساعة لقلبك) اعلن القبطان عن نزول الطائرة في مطار الحريري وقد ادارت الطائرة دورة كاملة وهي تسير فوق البحر المتوسط المتلون ،شاهدنا من النافذة جمال البحر وكانت الوانه زاهية فمرة نراه ازرقا ومنطقة اخرى رصاصيا وثالثة اخضرا ولا اعلم من قال بأن الماء (عديم اللون) اكيد كان يعاني من مرض (عمى الالوان) في المطار كان كل شيء مرتبا التأشيرة واجراءات الدخول لفت نظري البساطة في التعامل مع المسافرين حتى يشعر السائح بالراحة النفسية وينسى هموم السفر والاجراءات المملة في بغداد كانت الموظفة اللبنانية عند شباك ختم الجوازات في غاية الرقة والجمال تتكلم معي وتنفخ (علكة) في فمها وتفجرها! انتهت كل الاجراءات بعدها تجولنا في الاسواق الحرة للمطار ،ضيافة من نوع خاص في هذه الاسواق يضعون طاولة عليها بطل ويسكي كبير واقداح يمكن ان تتذوقها مجانا، يعني لو كان معها مزة لبنانية كان خلص البطل بسرعة!ضيافة لا تشبه الضيافة العربية بتقديم القهوة او الشاي ،وفي هذه الاسواق هناك فقرة مشجعة اخرى على شراء الويسكي فمن اشترى قنينتين يعطى مجانا حقيبة صغيرة تحمل في اليد عند صعود الراكب الى الطائرة!
الطوائف نعمة في لبنان
بعد خروجنا من المطار اقلتنا سيارة اجرة الى الفندق وبمجرد الخروج من محيط المطار هبت نسمة هواء منعشة ذكرتني بفضلها لشفاء جدي رغم انني اعرف بأن جدي كان مزواجا وقد تكون سفرته الى لبنان فيها مآرب أخرى مع هذا شكرت تلك النسمة وعاتبتها لأنها افلست جدي من ممتلكاته وثرواته الكبيرة، العمارات والجسور ومنظر البحر كل شيء جميل ، قال زميلي (رعد الجبوري) متع نظرك بالجمال ،هذا بلد مونفطي وشوف الاعمار والتطور ،واحنه لدينا كل هذا النفط ومدير له أجبته “المهم الانسان وليس الثروات ،فهناك اغنياء ضاعت ثرواتهم بسبب حماقاتهم وهناك فقراء اصبحوا اغنياء بحكمتهم) استرسل زميلي(يقولون الطائفية، مو لبنان هم بيه طائفية وعانت من الحرب الاهلية لماذا تنهض ونحن نبقى اسيري الماضي وعقده التاريخية! قلت مع نفسي ليس جميع المشاكل يمكن تحميلها على الجانب الطائفي فقط ،فنحن لو تعمقنا في المجتمع اللبناني قد نجد فيه مشاكل اقتصادية واجتماعية يفسرها السياسيون لديهم بأنها مشاكل طائفية او دينية حتى يتهربون من ايجاد الحلول لها،فبلد مثل لبنان تكتشف فيه مناطق بائسة ايضا مثل (برج البراجنة وصبرا وشاتيله) وغيرها ،هناك تفاوت كبير بين شرائح المجتمع وغياب للطبقة المتوسطة وأتساع الطبقة المحرومة قد يشوه جمالية المشهد اللبناني ،وبينما انا استرسل مع نفسي قرأت عبارة قد لا تفيد الفقير اللبناني بل هي تمثل حكمة ينبغي على الاحزاب السياسية تطبيقها (الطوائف نقمة في كل بلد وفي لبنان نعمة).






















