بيت‭ ‬زيا‭ ‬وبيت‭ ‬نادرة- كامل عبدالرحيم

‭ ‬خرجتُ‭ ‬اليوم‭ ‬شاريًا‭ ‬شعاعًا‭ ‬خجولًا‭ ‬لشمسٍ‭ ‬تذكّرنا‭ ‬بالخلود‭ ‬والأفول،‭ ‬خلودها‭ ‬ومرورنا‭ ‬آفلين‭ ‬عابرين،‭ ‬قاصدًا‭ ‬شراء‭ ‬لفة‭ ‬فلافل‭ ‬من‭ ‬مطعم‭ ‬العريش‭ ‬وتناولها‭ ‬مع‭ ‬كأس‭ ‬شاي‭ ‬وبطل‭ ‬ماء‭ ‬في‭ ‬المقهى‭ ‬القديم‭ ‬قرب‭ ‬جامع‭ ‬حي‭ ‬دراغ،‭ ‬ولا‭ ‬بأس‭ ‬بترك‭ ‬الحذاء‭ (‬أجلكم‭ ‬الله‭) ‬عند‭ ‬ملمّع‭ ‬الأحذية‭ ‬واستعارة‭ ‬نعلٍ‭ ‬منه‭ ‬ريثما‭ ‬يُكمل‭ ‬عمله‭. ‬سعر‭ ‬اللفة‭ ‬دينار‭ ‬واحد،‭ ‬واستكان‭ ‬الشاي‭ ‬الدبل‭ ‬مع‭ ‬بطل‭ ‬الماء‭ ‬ألفٌ‭ ‬آخر،‭ ‬بينما‭ ‬يأخذ‭ ‬ملمّع‭ ‬الأحذية‭ ‬دينارين،‭ ‬فيما‭ ‬حمّام‭ ‬الشمس‭ ‬العظيم‭ ‬مجانًا‭.‬

يحتاج‭ ‬هذا‭ ‬مني‭ ‬ساعة‭ ‬مشي‭ ‬تقريبًا،‭ ‬وبين‭ ‬الذهاب‭ ‬والعودة‭ ‬وتناول‭ ‬الغداء‭ ‬وبعده‭ ‬الشاي،‭ ‬يستغرق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ساعتين‭ ‬تختزن‭ ‬عيناي‭ ‬خلالهما‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لأفلام‭ ‬وقصص‭ ‬وحكايات‭. ‬لكني،‭ ‬ومنذ‭ ‬الخطوات‭ ‬الأولى‭ ‬لجولتي،‭ ‬كنت‭ ‬أفكّر‭ ‬في‭ ‬بيتين‭ ‬متقابلين‭ ‬مررت‭ ‬بهما‭ ‬على‭ ‬مبعدة‭ ‬مئة‭ ‬متر‭ ‬تقريبًا‭ ‬من‭ ‬انطلاقي‭: ‬بيت‭ ‬نادرة‭ ‬وبيت‭ ‬زيا‭. ‬بيتان‭ ‬لعائلتين‭ ‬مسيحيتين‭ ‬تركتا‭ ‬البلاد‭ ‬وهاجرتا‭ ‬صوب‭ ‬الشتات‭ ‬وأصقاع‭ ‬العالم،‭ ‬بيتان‭ ‬مهجوران‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬بدرجة‭ ‬الإهمال‭ ‬والفراغ‭.‬

نادرة،‭ ‬معلمة‭ ‬مسيحية‭ ‬بعمر‭ ‬شقيقتي‭ ‬سميرة،‭ ‬وكذلك‭ ‬زميلتها‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬من‭ ‬مدارس‭ ‬المنصور،‭ ‬فاقتربت‭ ‬من‭ ‬عائلتنا‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬العائلة‭.‬‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬تعرّفنا‭ ‬إلى‭ ‬عائلتها،‭ ‬فهي‭ ‬الشقيقة‭ ‬الكبرى‭ ‬لثلاثة‭ ‬إخوة‭ ‬وأبيها‭ ‬الذي‭ ‬تعود‭ ‬جذوره‭ ‬لمدينة‭ (‬برطلة‭) ‬شمال‭ ‬الوطن،‭ ‬والتي‭ ‬عادت‭ ‬إليها‭ ‬لاحقًا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬عائلتها‭. ‬أبوها‭ ‬يعمل‭ ‬سائق‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬بعد‭ ‬عمل‭ ‬طويل‭ ‬كسائق‭ ‬عند‭ ‬العائلة‭ ‬الملكية‭ ‬قبل‭ ‬الجمهورية‭. ‬طباعه‭ ‬ولهجته‭ ‬وسلوكه‭ ‬وكأنه‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬الثورة؛‭ ‬اللهجة‭ ‬والكرم‭ ‬وروح‭ ‬النكتة،‭ ‬جرمه‭ ‬الضخم‭ ‬وكرشه‭ ‬الكبير‭ ‬وقلبه‭ ‬الطيب‭ ‬وحبه‭ ‬لعائلته،‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬بتسليم‭ ‬القيادة‭ ‬لأولاده‭. ‬هذا‭ ‬التسليم‭ ‬تماهت‭ ‬معه‭ ‬نادرة‭ ‬بروح‭ ‬راهبة‭ ‬مسيحية،‭ ‬فظلت‭ ‬تخدمهم‭ ‬رغم‭ ‬حظها‭ ‬المعقول‭ ‬من‭ ‬جمال‭ ‬عراقي‭ ‬غامض‭ ‬الأصول‭. ‬ومع‭ ‬أنها‭ ‬أكبرهم‭ ‬وأكثرهم‭ ‬تعلمًا‭ ‬وثقافة،‭ ‬كانت‭ ‬تخدم‭ ‬الجميع‭ ‬بامتثال‭ ‬تام،‭ ‬حتى‭ ‬مقتل‭ ‬الأخ‭ ‬الأصغر‭ ‬وهجرة‭ ‬العائلة‭ ‬محمّلة‭ ‬بصُرّة‭ ‬أحزان‭ ‬ثقيلة‭ ‬ومبهمة‭ ‬وكبيرة،‭ ‬كعلامة‭ ‬استفهام‭ ‬وطنية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬دفء‭ ‬الوطن‭ ‬الكاذب‭.‬طوال‭ ‬طريقي‭ ‬إلى‭ ‬مطعم‭ ‬العريش‭ ‬كنت‭ ‬أردد‭ ‬مخاطبًا‭ ‬غولًا‭ ‬أو‭ (‬ذئبًا‭ ‬يترصدني‭)‬،‭ ‬وأصرخ‭ ‬داخلي‭:‬Mr‭ ‬death‭ ‬between‭ ‬me‭ ‬and‭ ‬you man to man

كنت‭ ‬قد‭ ‬قضيت‭ ‬كامل‭ ‬ليلة‭ ‬الأمس‭ ‬مع‭ ‬فيلم‭ ‬طويل‭ ‬لدينزل‭ ‬واشنطن‭ ‬تمثيلًا‭ ‬وإخراجًا‭ ‬بعنوان‭ (‬أسوار‭) ‬Fences‭. ‬وعندما‭ ‬توقفت‭ ‬قليلًا‭ ‬أمام‭ ‬بيت‭ ‬نادرة‭ ‬المهجور‭ ‬بطرازه‭ ‬الستيني‭ ‬المحافظ‭ ‬على‭ ‬روحه‭ ‬المثقوبة،‭ ‬ذكّرني‭ ‬البيت‭ ‬ببيت‭ ‬تروي‭ ‬ماكسون‭ ‬الذي‭ ‬جسّد‭ ‬دوره‭ ‬دينزل‭ ‬واشنطن‭.‬عمل‭ ‬إخوة‭ ‬نادرة‭ ‬الثلاثة‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬المشروبات‭ ‬الكحولية،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬قبيل‭ ‬السقوط‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬احترافي‭. ‬وبعد‭ ‬السقوط‭ ‬امتلكوا‭ ‬مخزنًا‭ ‬أصبح‭ ‬معروفًا‭ ‬للشاربين‭ ‬والشارين،‭ ‬ويقع‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬14‭ ‬رمضان‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬كباب‭ ‬شميران‭. ‬كان‭ ‬الأخ‭ ‬الأكبر‭ ‬ضخمًا‭ ‬كأبيه،‭ ‬خاملاً‭ ‬وربما‭ ‬غبيًا،‭ ‬فانتقلت‭ ‬التجارة‭ ‬بأكملها‭ ‬إلى‭ ‬الأخ‭ ‬الأصغر‭ (‬ماهر‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬محبوب‭ ‬عائلته‭ ‬وأكثرهم‭ ‬ذكاء‭. ‬توسّع‭ ‬عمله‭ ‬فافتتح‭ ‬مخزنًا‭ ‬آخر‭ ‬باتجاه‭ ‬غرب‭ ‬بغداد،‭ ‬حيث‭ ‬شرارات‭ ‬التشدد‭ ‬الديني‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬بالاشتعال‭ ‬والتطاير‭ ‬والانتشار‭. ‬أما‭ ‬الأخ‭ ‬الأوسط‭ ‬فسنترك‭ ‬قصته‭ ‬مؤقتًا‭.‬

‭ ‬فيلم‭ (‬أسوار‭) ‬أُخرج‭ ‬ببعد‭ ‬مسرحي،‭ ‬فكادره‭ ‬مكتفٍ‭ ‬بفضاء‭ ‬محدد‭ ‬ومحدود‭ ‬هو‭ ‬بيت‭ ‬تروي‭ ‬نفسه‭. ‬تروي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬القمامة‭ ‬مع‭ ‬صديق‭ ‬له،‭ ‬ويتقدم‭ ‬بعمله‭ ‬فيصبح‭ ‬سائقًا‭ ‬لشاحنة‭ ‬جمع‭ ‬القمامة‭.‬

بعد‭ ‬توسّع‭ ‬عمل‭ ‬إخوة‭ ‬نادرة،‭ ‬كان‭ ‬عمل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإرهابية،‭ ‬ومن‭ ‬الطائفتين‭ ‬للحق،‭ ‬قد‭ ‬توسّع‭ ‬أكثر،‭ ‬وانتهى‭ ‬الأمر‭ ‬بقتل‭ ‬الأخ‭ ‬الصغير،‭ ‬مفخرة‭ ‬العائلة‭ ‬ومحبوبهم‭. ‬فانكسر‭ ‬عمود‭ ‬البيت‭ ‬وخيّم‭ ‬حزن‭ ‬ثقيل‭ ‬عليهم،‭ ‬دفعهم‭ ‬لترك‭ ‬كل‭ ‬شيء‭: ‬تجارتهم‭ ‬ومخازنهم‭ ‬وحتى‭ ‬بيتهم‭. ‬ودّعتنا‭ ‬نادرة‭ ‬وانقطعت‭ ‬أخبارها،‭ ‬لكن‭ ‬أخاها‭ ‬الأوسط‭ ‬رفض‭ ‬الهجرة‭ ‬فظل‭ ‬وحيدًا‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬ولم‭ ‬يرث‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬إخوته‭ ‬غير‭ ‬إدمانه‭ ‬على‭ ‬الشرابلا‭ ‬أعرف‭ ‬ولا‭ ‬أذكر‭ ‬أسماء‭ ‬إخوة‭ ‬نادرة،‭ ‬وهي‭ ‬أسماء‭ ‬عادية‭ ‬باستثناء‭ ‬أخيها‭ ‬المغدور‭ ‬الصغير‭. ‬الأوسط‭ ‬أظن‭ ‬اسمه‭ ‬خالد،‭ ‬وليكن‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬الافتراض‭. ‬خالد‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬عائلته؛‭ ‬فهو‭ ‬رشيق‭ ‬القوام،‭ ‬حلو‭ ‬القسمات،‭ ‬يتمايل‭ ‬بمشيته‭ ‬مثل‭ ‬ممثل‭ ‬هوليوودي‭ ‬شهير‭ (‬ليس‭ ‬دينزل‭ ‬واشنطن‭ ‬بالطبع‭). ‬حاول‭ ‬خالد‭ ‬الاستمرار‭ ‬بتجارة‭ ‬إخوته‭ ‬بالبيع‭ ‬من‭ ‬البيت،‭ ‬ولما‭ ‬اكفهرّ‭ ‬وجه‭ ‬بغداد‭ ‬وتحولت‭ ‬أحياؤنا‭ ‬لمسرح‭ ‬للحرب‭ ‬الطائفية،‭ ‬ترك‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬واستمر‭ ‬على‭ ‬إدمانه‭. ‬فتمايلت‭ ‬مشيته‭ ‬ونحف‭ ‬أكثر‭ ‬وبهت‭ ‬بريقه،‭ ‬وظل‭ ‬كرمح‭ ‬حزن‭ ‬واغتراب‭ ‬مكسور،‭ ‬لكنه‭ ‬رفض‭ ‬الإخلاء‭.‬وكنت‭ ‬أعتقده‭ ‬فقد‭ ‬لبه‭ ‬ورشده،‭ ‬لكني‭ ‬حينما‭ ‬أبادره‭ ‬بالسلام‭ ‬يرد‭ ‬علي‭ ‬فورًا‭: ‬أهلاً‭ ‬أستاذ‭ ‬كامل‭. ‬أسأله‭ ‬عن‭ ‬أخبار‭ ‬نادرة‭ ‬أختنا‭ ‬فيجيبني‭: ‬في‭ ‬برطلة،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬أتوهم‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬كندا‭. ‬رفض‭ ‬خالد‭ ‬كل‭ ‬عروض‭ ‬بيع‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬استئجاره،‭ ‬لكنه‭ ‬اختفى‭ ‬فجأة،‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬أسأل‭ ‬عنه‭ ‬غير‭ ‬باب‭ ‬البيت‭ ‬القديم‭ ‬بمرأبه‭ ‬الطويل،‭ ‬وكان‭ ‬يحتضن‭ ‬سيارة‭ ‬أبيه‭ ‬نوع‭ ‬كراون‭ ‬79‭ ‬أم‭ ‬العداد‭. ‬العداد‭ ‬الذي‭ ‬أخطأ‭ ‬العد،‭ ‬فتهاطلت‭ ‬علينا‭ ‬أرقام‭ ‬الشقاء‭ ‬والهجر‭ ‬والموت‭ ‬والفناء‭.‬

نهاية‭ ‬المرأب،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ميمنته،‭ ‬حديقة‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أحراش‭ ‬بعد‭. ‬وقبل‭ ‬الدخول‭ ‬للبيت‭ ‬من‭ ‬بابه‭ ‬الخشبي،‭ ‬فناء‭ (‬طارمة‭) ‬لطالما‭ ‬كان‭ ‬يجلس‭ ‬فيها‭ ‬لارتشاف‭ ‬الشاي‭ ‬والد‭ ‬نادرة‭. ‬أمها‭ ‬وأبوها‭ ‬ببطنين‭ ‬ضخمين‭ ‬وبسمتين‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬الغفلة‭ ‬والسذاجة‭ ‬وذكاء‭ ‬سائق‭ ‬نقابي‭ ‬عاصر‭ ‬كل‭ ‬الأنظمة‭ ‬لكنه‭ ‬فقد‭ ‬دربته‭ ‬أخيرًا‭ ‬فخسر‭ ‬ولده،‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬عائلته‭. ‬بينهما،‭ ‬بين‭ ‬الأب‭ ‬والأم،‭ ‬وحتى‭ ‬بين‭ ‬إخوتها،‭ ‬كانت‭ ‬نادرة‭ ‬بملابس‭ ‬الخدم‭ ‬تقوم‭ ‬بأعمال‭ ‬كل‭ ‬البيت،‭ ‬كمسيحية‭ ‬عانقت‭ ‬روح‭ ‬المسيح‭ ‬وارتضت‭ ‬الصلب‭ ‬على‭ ‬مذبح‭ ‬عائلتها،‭ ‬لتتفانى‭ ‬وتذوب‭ ‬حتى‭ ‬النهاية،‭ ‬خاسرة‭ ‬أنوثة‭ ‬تتلاشى‭ ‬وإنسانية‭ ‬تطمسها‭ ‬عن‭ ‬طيب‭ ‬خاطر‭.‬

‭ ‬فيلم‭ ‬Fences‭ ‬يعتمد‭ ‬بناؤه‭ ‬الدرامي‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الأسوار‭: ‬أنواع‭ ‬متعددة‭ ‬ومختلفة‭ ‬الارتفاع‭ ‬والعلو‭ ‬والمتانة‭. ‬سور‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬ألوانهم‭ ‬وطبقاتهم،‭ ‬وسور‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬وبين‭ ‬الآباء‭ ‬والأبناء،‭ ‬وآخر‭ ‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬والوفاء‭ ‬للعائلة‭. ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬بينهما‭ ‬سوران‭ ‬غير‭ ‬مرئيين،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬الأطول‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬هو‭ ‬مشهد‭ ‬بناء‭ ‬أو‭ ‬تشييد‭ ‬تروي‭ ‬ماكسون‭ ‬لسياج‭ ‬بيته‭ ‬من‭ ‬خشب‭ ‬متين‭. ‬الأول‭ ‬ما‭ ‬تريده‭ ‬وترغب‭ ‬به‭ ‬روز،‭ ‬زوجة‭ ‬تروي‭: ‬سور‭ ‬يحمي‭ ‬العائلة‭ ‬ويصون‭ ‬وحدتها‭ ‬ويحفظ‭ ‬حبها‭ ‬المطلق‭ ‬لزوجها،‭ ‬سور‭ ‬بمثابة‭ ‬حضن‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬بيتها،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬تشبع‭ ‬رغبات‭ ‬زوجها‭ ‬وتربي‭ ‬ابنها‭ ‬الوحيد‭. ‬والسور‭ ‬الآخر،‭ ‬وهو‭ ‬الأهم‭ ‬والفلسفي،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يريده‭ ‬تروي،‭ ‬مثل‭ ‬أسوار‭ ‬كلكامش‭ ‬لمدينته‭ ‬أوروك‭: ‬سور‭ ‬ضد‭ ‬الموت،‭ ‬Mr‭ ‬death،‭ ‬الذي‭ ‬يخاطبه‭ ‬تروي‭ ‬عندما‭ ‬يخطف‭ ‬حبيبته‭ ‬أو‭ ‬عشيقته‭ ‬خارج‭ ‬سور‭ ‬البيت،‭ ‬والتي‭ ‬تموت‭ ‬تاركة‭ ‬له‭ ‬طفلة‭ ‬صغيرة‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬ابن‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬ابنه‭ ‬من‭ ‬زوجته‭ ‬روز‭ ‬من‭ ‬زواجه‭ ‬الأول‭. ‬وهو‭ ‬بمثابة‭ ‬صديق‭ ‬له،‭ ‬حيث‭ ‬أنجبه‭ ‬وهو‭ ‬بعمر‭ ‬18‭ ‬سنة‭ ‬ليدخل‭ ‬السجن‭ ‬بعدها‭ ‬لارتكابه‭ ‬جريمة‭ ‬قتل،‭ ‬وعندما‭ ‬يخرج‭ ‬يجد‭ ‬زوجته‭ ‬الأولى‭ ‬قد‭ ‬تزوجت‭ ‬غيره‭ ‬وابنه‭ ‬رجلًا‭ ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬صداقته‭.

يتكرر‭ ‬مشهد‭ ‬آخر‭ ‬لتروي‭ ‬وصديقه‭ ‬المقرب‭ ‬بونو،‭ ‬وكذلك‭ ‬ابنه‭ ‬الكبير،‭ ‬وبيد‭ ‬تروي‭ ‬قنينة‭ ‬جن‭ ‬يرتشفونها‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬لفم‭ ‬بمشاعية‭ ‬ألفة،‭ ‬تذكرنا‭ ‬بالحياة‭ ‬نفسها‭ ‬وكيف‭ ‬نستنزفها،‭ ‬وإذا‭ ‬بها،‭ ‬كقنينة‭ ‬الجن،‭ ‬فرغت،‭ ‬فذهبت‭ ‬السكرة‭ ‬وجاءت‭ ‬الفكرة،‭ ‬وما‭ ‬الفكرة‭ ‬غير‭ ‬الموت‭ ‬نفسه‭.‬

‭ ‬

بيت‭ ‬زيا،‭ ‬وهكذا‭ ‬نسميه،‭ ‬فهو‭ ‬يعود‭ ‬لرجل‭ ‬مسيحي‭ ‬بيروقراطي‭ ‬هو‭ ‬أبو‭ ‬زيا،‭ ‬وزيا‭ ‬ابنه‭ ‬الكبير‭. ‬وفي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تقلبات‭ ‬حياتي‭ ‬اضطررت‭ ‬لاستئجاره،‭ ‬وهو‭ ‬كما‭ ‬قلت‭ ‬مقابل‭ ‬لبيت‭ ‬نادرة‭. ‬كان‭ ‬أبو‭ ‬زيا‭ ‬يعتزم‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬كندا،‭ ‬ولما‭ ‬قابلته‭ ‬للتفاوض‭ ‬حول‭ ‬استئجار‭ ‬البيت‭ ‬عادت‭ ‬ذاكرتي‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬فسألته‭: ‬ألم‭ ‬تعمل‭ ‬سابقًا‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬السوفيتي؟‭ ‬أجاب‭ ‬بشكل‭ ‬مكتئب‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬فخر‭: ‬نعم،‭ ‬كنت‭ ‬محاسبًا‭ ‬ومترجمًا‭. ‬ربما‭ ‬صدق‭ ‬بالأولى‭ ‬وكذب‭ ‬بالثانية،‭ ‬فمترجم‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬السوفيتي‭ ‬كان‭ ‬يومها‭ ‬الصحفي‭ ‬الملتبس‭ ‬كاميران‭ ‬قره‭ ‬داغي‭.‬

‭ ‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬وبعد‭ ‬سفر‭ ‬الأب‭ ‬ومن‭ ‬بعده‭ ‬الابن‭ ‬زيا،‭ ‬وهو‭ ‬توأم‭ ‬أبيه‭ ‬ووريث‭ ‬عمله،‭ ‬ظهر‭ ‬أنهما‭ ‬محاسبان‭ ‬مؤتمنان‭ ‬عند‭ ‬بيت‭ (‬العرس‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬عائلة‭ ‬كريمة‭ ‬أرستقراطية‭ ‬عرفتها‭ ‬سمعًا‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬إذ‭ ‬يمتلكان‭ ‬أكبر‭ ‬معمل‭ ‬لإنتاج‭ ‬العطور‭ ‬والمنظفات‭ ‬وغيرها‭ (‬منتجات‭ ‬Wella‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬معمل‭ ‬بعد‭ ‬معمل‭ ‬محمد‭ ‬حديد‭ ‬لإنتاج‭ ‬وتوزيع‭ ‬مستحضرات‭ (‬زهاء‭)‬،‭ ‬تيمّنًا‭ ‬باسم‭ ‬ابنته‭ ‬الوحيدة،‭ ‬المعمارية‭ ‬الشهيرة‭ ‬زها‭ ‬حديد‭.‬

‭ ‬

كان‭ ‬بيت‭ ‬زيا‭ ‬قديمًا‭ ‬وقذرًا،‭ ‬فحدّثته‭ ‬وغيّرت‭ ‬خريطته‭. ‬ولما‭ ‬سافر‭ ‬زيا‭ ‬تعثرت‭ ‬رحلته‭ ‬إلى‭ ‬كندا‭ ‬فأقام‭ ‬في‭ ‬عمّان،‭ ‬وظل‭ ‬يرسل‭ ‬لي‭ ‬بكائياته‭ ‬وطلباته‭ ‬بزيادة‭ ‬الإيجار‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء‭ ‬تعرّفت‭ ‬إلى‭ ‬الابن‭ ‬الثاني‭ ‬للعائلة‭ ‬الأرستقراطية‭ ‬بيت‭ ‬العرس‭ ‬في‭ ‬قصرهم‭ ‬المنيف‭ ‬مقابل‭ ‬فندق‭ ‬بابل،‭ ‬فتوثقت‭ ‬بيننا‭ ‬علاقة‭ ‬نتحدث‭ ‬فيها‭ ‬متحررين‭ ‬عن‭ ‬شؤون‭ ‬شتى،‭ ‬وكان‭ ‬النظام‭ ‬الدكتاتوري‭ ‬يلفظ‭ ‬أنفاسه‭ ‬الأخيرة‭.‬

‭ ‬

كانت‭ ‬عتبة‭ ‬بيت‭ ‬زيا‭ ‬مبعث‭ ‬شؤم‭ ‬لي،‭ ‬وتعجلت‭ ‬تركه‭ ‬من‭ ‬بكائيات‭ ‬زيا‭ ‬التي‭ ‬ينقلها‭ ‬بحياد‭ ‬الوجيه‭ ‬العرس‭. ‬حتى‭ ‬سقط‭ ‬النظام،‭ ‬وبدلًا‭ ‬من‭ ‬تبدل‭ ‬لهجة‭ ‬زيا‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭. ‬عرفت‭ ‬سرها‭ ‬لاحقًا،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬قريب‭ ‬بيت‭ ‬العرس‭ ‬أول‭ ‬وزير‭ ‬نقل‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬إياد‭ ‬علاوي،‭ ‬وهو‭ ‬لؤي‭ ‬العرس‭. ‬فامتلك‭ ‬البيت‭ ‬بطريقة‭ ‬ما،‭ ‬وما‭ ‬لبث‭ ‬أن‭ ‬هرب‭ ‬بدوره‭ ‬لتهمة‭ ‬فساد‭ ‬كما‭ ‬سمعت‭. ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬لعنة‭ ‬زيا‭ ‬تحيط‭ ‬وتحوم‭ ‬حول‭ ‬البيت؛‭ ‬فما‭ ‬سكنه‭ ‬أحد‭ ‬إلا‭ ‬وخرج‭ ‬أعرج‭ ‬مطعونًا‭ ‬بطعنات‭ ‬القدر‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬الحظ‭. ‬بل‭ ‬هي‭ ‬لعنة‭ ‬زيا‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬أبدًا‭ ‬أن‭ ‬يشوف‭ ‬الخير‭ ‬لأحد‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭. ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬أين‭ ‬ألقى‭ ‬بسفينة‭ ‬شؤمه،‭ ‬وماذا‭ ‬حل‭ ‬به،‭ ‬وإن‭ ‬سمعت‭: ‬في‭ ‬كندا‭.‬

‭ ‬

بدلًا‭ ‬من‭ ‬الشاي‭ ‬اخترت‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬شاي‭ ‬الحامض‭ (‬نومي‭ ‬البصرة‭)‬،‭ ‬فكان‭ ‬لذيذًا،‭ ‬وكذلك‭ ‬لفة‭ ‬الفلافل‭ ‬مع‭ ‬فنكر‭ ‬جبس‭ ‬وورقة‭ ‬خس‭ ‬مقطعة‭ ‬مع‭ ‬ملعقة‭ ‬سلطة‭ ‬بغدادية‭. ‬عدت‭ ‬للبيت‭ ‬واتخذت‭ ‬نفس‭ ‬طريق‭ ‬الذهاب‭. ‬لم‭ ‬ألتفت‭ ‬لبيت‭ ‬زيا‭ ‬ورائحته‭ ‬الكريهة‭ ‬وما‭ ‬يبعثه‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬شؤم‭ ‬خفية،‭ ‬لكني‭ ‬وقفت‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬بيت‭ ‬نادرة‭ ‬الحديدي‭ ‬الأسود،‭ ‬مثل‭ ‬أسوار‭ ‬مقابر‭ ‬النجف،‭ ‬كوّرت‭ ‬قبضتي‭ ‬وهتفت‭ ‬به‭.‬