بندول الظهيرة.. حوار بشخصيات عاطفية
عبد الصاحب محمد البطيحي
” الى القارئ
مهمتي . .. هي ان أجعلك تسمع ، أن أجعلك تشعر ،والأهم من ذلك كله أن أجعلك ( ترى) . هذا كل ما في الأمر ، وأهم شيء فيه .” (جوزيف كونراد)
إذن هل حملنا القصاص محمد علوان جبر في القصة القصيرة “بندول الظهيرة ” على أن نسمع ونشعر ونرى فحقق نتيجة لذلك ” كلَّ ما في الأمر وأهم شيء فيه ” ؟
اذا حدث وان اتفقنا مع موقف الكاتب نستطيع القول بأنه نال مبتغاه . فقد تحققت له إثارة العاطفة عند القارئ وذلك باقتناص تلك اللحظات المشحونة بالترقب والانفعال ، تلك التي تسحب المتلقي الى دائرة النص وتحقق له متعة الإصغاء والشعور والرؤية .
والآن نسأل: كيف جرت الأمور ؟
عِبر جمل قصيرة مُعبّرِة مستعارة من خطاب المسؤولين الذين يتولون عملية رتق الجرح طرح لنا القصاص حواراً رائعاً ،تخللته تهويمات ، كوّن من خلاله الثيمة الرئيسة ، وهو ما يُحسَبُ له إنجازاً متميزاً نابعاً من الأعماق في لحظةٍ فريدة . لنقرأ هذا الحوار منعزلاً عن سياقه في النص :
” – أخرجوه من السيارة .. .
– بهدوء رجاءً . . . امسك رقبته جيداً. . .
– كن على حذرٍ . . برفق .
– هل هو ميتٌ ؟
– عيناه مفتوحتان . . .
– ضعه على النقالة . . . برفق .
– قلت برفق
– عيناه مفتوحتان
_ هل هو ميتٌ . . ؟
_ كلا
– هل هو ميت؟
– كلا ، انه يتنفس
– إذن هو يتنفس ، أرى حركة أصابع يده
– يحتاج الى قنينة دم . .
– بدأ تنفسه ينخفض . . أتمنى أن تسرعي بقطب الجرح الكبير في جبهته
– اغسلي الجرح جيدا قبل أن تقطبيه . . يبدو انه . .
– أعتقد أن قلبه قد توقف تماماً
– هل يحتاج الى صعقة كهربائية ؟
– هل نزيد من الفولتية قليلاً ؟
– أجل ، ببطء. . ربما سنفقده تماما .”
ان الشحنة العاطفية التي تنبثق من هذا الحوار ربما تقترب من تلك الشحنة التي يتركها لدى القارئ المشهد الأخير في رواية ” وداعاً للسلاح ” للروائي الأمريكي همنغوي وكذلك ما يتركه مجملُ معاناة الشخصية الرئيسية ، تلك المعاناة التي كونت ثيمة الروائي الانكليزي وليم غولدنغ في روايته ” بنجر مارتن ” .
تتداخل مع هذا المشهد ثيمة اخرى هي حالةُ هذيان الجريح . . حالة التداعي التي تمثلت بصيغة ِ رسالةٍ الى صديقة زوجته يبتغي منها الكَفَّ عن التواصلِ الآثمِ القائمِ بينهما . وأنت أيها القارئ تَمَهّل وانت ترى وتشعر بهول المفاجأة التي صعقت الزوجة بعد أن وقعت الرسالة بيدها .
يالها من مفارقة !
وبرفقٍ حملنا القصاصُ على أن نسمعَ ونبادلَه الشعورَ. وقد رأينا – بمعنى أدركنا :
ألمَ الجسدِ الناتجِ عن الجرحِ والمَ الشعورِ الناتجِ عن الندمِ حيث يتضحُ الترابطُ بين انهيارِ الجسدِ وسيرهِ نحو الفناءِ( بعد فشلِ الصعقة الكهربائية في محاولةِ انقاذِه )- ويبرز القدرُ الذي تقفُ امامه آلةُ البشرِ في حالةٍ من العجزِ المطلقِ – وبين انهيارِ الحالةِ النفسيةِ المتمثلةِ بفشلِ الرسالةِ في اداءِ مهمتِها .
لقد مات الجريحُ وحمل وزرَه معه بعد ان كان يرسل رسالةً الى حبيبته (صديقة زوجته) يعلن فيها عن نبأ اعتزامه .. ” سأتصلُ بك بعد أن يزولَ الغبارُ الذي يحيطني ” . هذا الغبارُ الذي انتهى به في آخر المطاف الى أن يصرخَ في النهايةِ دون جدوى : ” صرختُ بصوتٍ كنت أريده ان يكونَ مرتفعاً . . صرختُ وواصلتُ الصراخَ ولم ينتبه الى صراخي أحدٌ ” .
وبهذا يكون النصُ قد حمل في طياتِه موقفاً أخلاقياً جلياً تبناه المؤلف ينمُّ عن شجبه لكل انواع الممارسات اللاأخلاقية .وفي الوقت ذاته يشير الى الغواية التي تجمّل الخطأ في عين ناظره والتي لا تنكشف عورتها امامه الا – كما يقال – في الوقت الضائع حيث لا ساعة مندم . أخيراً ، بإيجازٍ ، يظل ” البندول” في حركته علامة لحركةِ الزمن الدائبةِ وشاهداً على مفارقات اعمال البشر، تلك الأعمال التي اجتهد القصاص محمد علوان جبر في تقديمها الى القارئ بأسلوب انتقائي واضحٍ ، محبب .
قصة قصيرة نُشرت في مجلة ” الأديب العراقي” الفصلية في عددها الأول ، عام 2016*





















