
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما كان لها من تداعيات على من خسرها، وبعد أن كانت الحرب العالمية الأولى قد أحدثت ما أحدثت من أمر اضمحلال الخلافة الإسلامية العثمانية التركية وتدمير القوة الألمانية وقرض أرضها والتي تزامنت مع نهوض الكتلة الشيوعية وبدء انتشار الأفكار الماركسية اللينينية المناهضة فكراً ومنهجاً وفلسفة ورؤية لحياة الإنسان والبشر للفكر الليبرالي والرأسمالي والديني والقومي، من ناحية، وتنامي قوة الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى، كان العالم قد أصبح يعيش في دوائر متميزة ومتنافرة عن بعضها:
دائرة الدول الغربية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية،
ودائرة الدول الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي،
والدائرة الأكبر من دول متخلفة أو نامية في قدراتها الاقتصادية وضعيفة غالباً في قوتها العسكرية متناثرة في قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، والتي باتت حائرة في انجاهاتها ومحط أطماع كل من الدائرتين الرأسمالية والشيوعية في تشكيل وكسب أنظمتها وثرواتها. هذا الحال بين الكتلتين الشرقية والغربية كانت تعيش مواجهة مباشرة، في ما سمي بالحرب الباردة، على الأرض الألمانية والتي عاشت تقسم المانيا بين شرقية وغربية، وحتى عاصمتها السابقة برلين، والحالية بعد اعادة الوحدة.
لقد كانت برلين بعد اندحار المانيا الهتلرية واحتلالها من قبل الحلفاء الغربيين والاتحاد السوفيتي قد أصبحت منطقة يديرها الحلفاء في شكليهم الغربي والشرقي، مقسمة بين شرقية يسيطر عليها الاتحاد السوفيتي، وغربية بين الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا. وبعد قيام الدولتين الالمانيتين، الغربية ذات التوجه الرأسمالي والتحالف الغربي، والشرقية ذات التوجه الشيوعي والتحالف الشرقي، كان من المفترض بقاء برلين برمتها تحت إدارة الحلفاء الأربعة المنتصرين. لكن الذي حصل هو قيام الدولة الالمانية الشرقية، بدعم من الاتحاد السوفيتي المنتشر على أرضها، بما فيه الجزء الشرقي من برلين، باعلان الحزء الشرقي من مدينة برلين، عاصمة لها. هذه الخطوة جعلت من الجزء الغربي من برلين، وكما سميت ببرلين الغربية، أشبه بجزيرة سياسية واقتصادية وثقافية غربية تحيطها من كل جهاتها دولة ألمانيا الشرقية الديمقراطية كما سميت، بكل معاني الاختلاف والعزلة والحصار.
هذه الحال الشاذة في التاريخ والواقع البشري لبرلين الغربية كانت بؤرة صراع وصدام كبير محتمل، وكانت قبل بناء الجدار يوم 13 أغسطس من العام 1961 قد شكلت عامل استغلال ونزف بشري لألمانيا الشرقية في القوى العاملة، وتصدع سياسي لمواطنيها. كما كانت هذه البقعة من الأرض سوقاً كبيرة لعشرات أجهزة المخابرات والاستخبارات والجاسوسية الدولية. وفي خضم بنائها لنظامها الاشتراكي والشيوعي في جميع جوانبه التربوية والسياسية والاقتصادية انتهت قيادة المانيا الشرقية الى قرار ضرورة انشاء جدار حول برلين الغربية يمنع التنقل الحر ، بتعبير آخر أصبحت برلين الغربية تمثل، من ناحية، “سجناً” كبيراً لمن يعيش فيها، ومنطقة محظورة على غير ساكنيها من ناحية أخرى.
لقد كان قرار تشييد الجدار قراراً سرياً سبقه تضليل وخداع سياسي، فجاء مفاجئاً لضمان تحقيقه. لقد استيقظ سكنة برلين الغربية فوجدوا أنفسهم يعيشون في سجن برلينهم الغربية!
ومنذ ذلك التاريخ ولحين سقوطه عام 1989وهدمه عام 1990 شكل ذلك الجدار رمزاً للحرب الباردة بين الشرق والغرب وذكرى لعشرات القتلى على جانبيه لمن حاول الهروب من المانيا الشرقية الى حرية العالم الغربي.
لازال الكثيرون يتذكرون وقفة الرئيس الامريكي “ريغان” عام 1987 وهو ينادي رمزياً الرئيس السوفيتي “غورباتشوف” من على الجانب الغربي للجدار، وهو يقف قبالة بوابة برلين التي تحمل العربة بجيادها: تعال ايها الرئيس غورباتشوف لنهدم الجدار ونفتخ سوية هذه البوابة!
لقد سقط جدار برلين وانتهت الانظمة الشيوعية وتغير العالم، لكنه لم ينصف كثيراً من المظلومين من شعوب ودول، لا بل كان لسقوطه تداعيات سلبية كبيرة هنا وهناك بعد انفراد العالم الغربي بمقدرات كثير من الشعوب الضعيفة.
بيد يبقى الأمل حياً في أن تسقط كل جدران الظلم والحيف.























