بناء‭ ‬جدار‭ ‬برلين‭ ‬وسقوطه-د. نزار محمود

بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬خسرها،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬قد‭ ‬أحدثت‭ ‬ما‭ ‬أحدثت‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬اضمحلال‭ ‬الخلافة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العثمانية‭ ‬التركية‭ ‬وتدمير‭ ‬القوة‭ ‬الألمانية‭ ‬وقرض‭ ‬أرضها‭ ‬والتي‭ ‬تزامنت‭ ‬مع‭ ‬نهوض‭ ‬الكتلة‭ ‬الشيوعية‭ ‬وبدء‭ ‬انتشار‭ ‬الأفكار‭ ‬الماركسية‭ ‬اللينينية‭ ‬المناهضة‭ ‬فكراً‭ ‬ومنهجاً‭ ‬وفلسفة‭ ‬ورؤية‭ ‬لحياة‭ ‬الإنسان‭ ‬والبشر‭  ‬للفكر‭ ‬الليبرالي‭ ‬والرأسمالي‭ ‬والديني‭ ‬والقومي،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وتنامي‭ ‬قوة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬متميزة‭ ‬ومتنافرة‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭:‬

دائرة‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،

ودائرة‭ ‬الدول‭ ‬الشيوعية‭ ‬بقيادة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،

والدائرة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬متخلفة‭ ‬أو‭ ‬نامية‭ ‬في‭ ‬قدراتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وضعيفة‭ ‬غالباً‭ ‬في‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬متناثرة‭ ‬في‭ ‬قارات‭ ‬آسيا‭ ‬وأفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬حائرة‭ ‬في‭ ‬انجاهاتها‭ ‬ومحط‭ ‬أطماع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الدائرتين‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والشيوعية‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وكسب‭ ‬أنظمتها‭ ‬وثرواتها‭. ‬هذا‭ ‬الحال‭ ‬بين‭ ‬الكتلتين‭ ‬الشرقية‭ ‬والغربية‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬بالحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬الألمانية‭ ‬والتي‭ ‬عاشت‭ ‬تقسم‭ ‬المانيا‭ ‬بين‭ ‬شرقية‭ ‬وغربية،‭ ‬وحتى‭ ‬عاصمتها‭ ‬السابقة‭ ‬برلين،‭ ‬والحالية‭ ‬بعد‭ ‬اعادة‭ ‬الوحدة‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬برلين‭ ‬بعد‭ ‬اندحار‭ ‬المانيا‭ ‬الهتلرية‭ ‬واحتلالها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الحلفاء‭ ‬الغربيين‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬منطقة‭ ‬يديرها‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬شكليهم‭ ‬الغربي‭ ‬والشرقي،‭ ‬مقسمة‭ ‬بين‭ ‬شرقية‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬وغربية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الامريكية‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وفرنسا‭. ‬وبعد‭ ‬قيام‭ ‬الدولتين‭ ‬الالمانيتين،‭ ‬الغربية‭ ‬ذات‭ ‬التوجه‭ ‬الرأسمالي‭ ‬والتحالف‭ ‬الغربي،‭ ‬والشرقية‭ ‬ذات‭ ‬التوجه‭ ‬الشيوعي‭ ‬والتحالف‭ ‬الشرقي،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬بقاء‭ ‬برلين‭ ‬برمتها‭ ‬تحت‭ ‬إدارة‭ ‬الحلفاء‭ ‬الأربعة‭ ‬المنتصرين‭. ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬هو‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬الالمانية‭ ‬الشرقية،‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬المنتشر‭ ‬على‭ ‬أرضها،‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الجزء‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬برلين،‭ ‬باعلان‭ ‬الحزء‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬برلين،‭ ‬عاصمة‭ ‬لها‭. ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الجزء‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬برلين،‭ ‬وكما‭ ‬سميت‭ ‬ببرلين‭ ‬الغربية،‭ ‬أشبه‭ ‬بجزيرة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وثقافية‭ ‬غربية‭ ‬تحيطها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جهاتها‭ ‬دولة‭ ‬ألمانيا‭ ‬الشرقية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬كما‭ ‬سميت،‭ ‬بكل‭ ‬معاني‭ ‬الاختلاف‭ ‬والعزلة‭ ‬والحصار‭.‬

هذه‭ ‬الحال‭ ‬الشاذة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والواقع‭ ‬البشري‭ ‬لبرلين‭ ‬الغربية‭ ‬كانت‭ ‬بؤرة‭ ‬صراع‭ ‬وصدام‭ ‬كبير‭ ‬محتمل،‭ ‬وكانت‭ ‬قبل‭ ‬بناء‭ ‬الجدار‭ ‬يوم‭ ‬13‭ ‬أغسطس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1961‭ ‬قد‭ ‬شكلت‭ ‬عامل‭ ‬استغلال‭ ‬ونزف‭ ‬بشري‭ ‬لألمانيا‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬القوى‭ ‬العاملة،‭ ‬وتصدع‭ ‬سياسي‭ ‬لمواطنيها‭. ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬البقعة‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬سوقاً‭ ‬كبيرة‭ ‬لعشرات‭ ‬أجهزة‭ ‬المخابرات‭ ‬والاستخبارات‭ ‬والجاسوسية‭ ‬الدولية‭. ‬وفي‭ ‬خضم‭ ‬بنائها‭ ‬لنظامها‭ ‬الاشتراكي‭ ‬والشيوعي‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬جوانبه‭ ‬التربوية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬انتهت‭ ‬قيادة‭ ‬المانيا‭ ‬الشرقية‭ ‬الى‭ ‬قرار‭ ‬ضرورة‭ ‬انشاء‭ ‬جدار‭ ‬حول‭ ‬برلين‭ ‬الغربية‭ ‬يمنع‭ ‬التنقل‭ ‬الحر‭ ‬،‭ ‬بتعبير‭ ‬آخر‭ ‬أصبحت‭ ‬برلين‭ ‬الغربية‭ ‬تمثل،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭  “‬سجناً‭” ‬كبيراً‭ ‬لمن‭ ‬يعيش‭ ‬فيها،‭ ‬ومنطقة‭ ‬محظورة‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬ساكنيها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬قرار‭ ‬تشييد‭ ‬الجدار‭ ‬قراراً‭ ‬سرياً‭ ‬سبقه‭ ‬تضليل‭ ‬وخداع‭ ‬سياسي،‭ ‬فجاء‭ ‬مفاجئاً‭ ‬لضمان‭ ‬تحقيقه‭. ‬لقد‭ ‬استيقظ‭ ‬سكنة‭ ‬برلين‭ ‬الغربية‭ ‬فوجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬برلينهم‭ ‬الغربية‭!‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬ولحين‭ ‬سقوطه‭ ‬عام‭ ‬1989وهدمه‭ ‬عام‭ ‬1990‭ ‬شكل‭ ‬ذلك‭ ‬الجدار‭ ‬رمزاً‭ ‬للحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬وذكرى‭ ‬لعشرات‭ ‬القتلى‭ ‬على‭ ‬جانبيه‭ ‬لمن‭ ‬حاول‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬المانيا‭ ‬الشرقية‭ ‬الى‭ ‬حرية‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭.‬

لازال‭ ‬الكثيرون‭ ‬يتذكرون‭ ‬وقفة‭ ‬الرئيس‭ ‬الامريكي‭ “‬ريغان‭” ‬عام‭ ‬1987‭ ‬وهو‭ ‬ينادي‭ ‬رمزياً‭ ‬الرئيس‭ ‬السوفيتي‭ “‬غورباتشوف‭” ‬من‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الغربي‭ ‬للجدار،‭ ‬وهو‭ ‬يقف‭ ‬قبالة‭ ‬بوابة‭ ‬برلين‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬العربة‭ ‬بجيادها‭: ‬تعال‭ ‬ايها‭ ‬الرئيس‭ ‬غورباتشوف‭ ‬لنهدم‭ ‬الجدار‭ ‬ونفتخ‭ ‬سوية‭ ‬هذه‭ ‬البوابة‭!‬

لقد‭ ‬سقط‭ ‬جدار‭ ‬برلين‭ ‬وانتهت‭ ‬الانظمة‭ ‬الشيوعية‭ ‬وتغير‭ ‬العالم،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬ينصف‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المظلومين‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬ودول،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬لسقوطه‭ ‬تداعيات‭ ‬سلبية‭ ‬كبيرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬بعد‭ ‬انفراد‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬بمقدرات‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬الضعيفة‭.‬

بيد‭ ‬يبقى‭ ‬الأمل‭ ‬حياً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تسقط‭ ‬كل‭ ‬جدران‭ ‬الظلم‭ ‬والحيف‭.‬