الوقوف في إنتظاري وتفعيل الأثر الحسي .. إشتباك بين النص والواقع
علوان السلمان
التجربة الشعرية تعبير حسي عن موقف ازاء الحياة والكون والاشياء لتحقيق عالم متعدد الفضاءات والرؤى مستفز للذاكرة بسردية رؤاه التي تجر للتساؤل لتحقيق المنفعة الفكرية والمتعة النفسية…كون النص الشعري يشتبك والواقع فيقيم علاقات تفاعلية معه بلغة تعتمد التكثيف الصوري المبني على عالمين مكانيين..اولهما:الذاكرة الذاتية…وثانيهما الواقع الموضوعي..
والمجموعة الشعرية(واقف في انتظاري).. التي تنطلق من الذات الى الذات الجمعي الآخر عبر عنوانها الدلالة السيميائية المتشكلة من ثلاث فونيمات منحت مستهلكها(متلقيها) جملة اسمية دالة على الثبوت والوصفية..والتي تميل الى معنى جمالي..فضلا عن توكيدها التعامل النفسي والزمكاني..والتي نسجت عوالمها النصية الجامعة لنص التفعيلة وقصيدة النثر والنص المفتوح انامل شاعرها رياض الغريب.. الذي قدمها بين دفتي غلاف زينت واجهته الامامية لوحة تشكيلية دالة جسدتها ريشة الفنان مؤيد محسن توسدت اسم المنتج(الشاعر) وعلاها عنوان كاشف عن مضمونها واسهم المركز الثقافي العربي السويسري في نشرها وانتشارها/2007..
طرق على طرق الصغار
حقول المنزل
هم ذهبوا لفناء غامض
لا يعاد الرسم على علم النهار
فنار يغرق في وحل الوجوه الغريبة
ربما…
ربما مسكوا شعر راسي
أقعدوني على باب المدينة
الوذ من انكسار الافق
لكن حرف السر تراب يقيدني
للبقاء ملتصقا بصفاء الضوء
قرب عين الجدار
عين على ضوء النهار
عين على صحن ليلي
عين على صوت الغناء
هم ذهبوا
فتحت نافذة المطر
سقطت أقنعة المساء /ص44
فالشاعر يحاول الامساك بالنسق الحكائي والتوتر الدرامي الناتج عن صراع المتضادات(عين على ضوء النهار/عين على صحن ليلي)..مع حرص على الايقاع والصورة الفنية وهو يمارس طقوس الارتقاء في جملته الشعرية بتوظيف لغة حافلة بالمجاز والجناس مع تداخل الاحداث والازمنة بحوار ذاتي(مونولوجي)..فضلا عن انه يشتغل على استنطاق الكينونة اللفظية عبر علاقة الدال والمدلول لتفعيل الاثر الحسي لينسج نصا يزاوج ما بين واقع انساني مكتظ بالاغتراب ويكشف عن تأزم نفسي عبر واقع متخيل يخلقه المنتج من خلال توظيفه تقنيات فنية كان في مقدمتها التكرار..النمط الصوري والدلالة النفسية والاسلوبية الدالة على التوكيد والمعبرة عن الحالة القلقة للذات الشاعرة والتي من خلالها يفرغ مشاعره ليعيد التوازن ويكشف عن ايقاع داخلي مؤكد للحالة النفسية والانفعالية..ومن ثم تحقيق دلالة موحية من شانها ان تغني النص وتسمو بمكانته الفنية…
بينما
القذائف تتساقط قربه
لن يفكر بالموت
ولا بالشخوخة في المرآة
كل ما كان يعنيه
امرأة توهم انها تحبه
وهي بالانتظار
لعل احدهم يعود
يحمل قصاصة صغيرة
كتب عليها
من أقصى الجنون
الى….
توهم حتى اصبح شاعر /15
فالشاعر يحاول ان يرسم صورة متداخلة تكشف عن الحالة الوجدانية المأزومة من خلال تطويعه اللغة المحكية في نصوصه الشعرية مع محاورة هواجسه الذاتية للكشف عن دواخله والواقع الموضوعي..اضافة الى انه يستنطق المكان بصفته دال اشاري وبؤرة مركزية تجتمع فيها خيوط النص باحداثه فتمنح نسيجه تماسكا ووحدة موضوعية من خلال سرد المواقف المتوالدة من تفجير الفعل الدال على الحركة الكاشفة عن الافعال الانسانية..فضلا عن توكيده التعامل النفسي والزمكاني مع النص ببعديه الدلالي والرمزي باعتبار الشعر ايحاء وترميز..
آطفأ نار الحرب
الخيل تركض..والحلم توقف
متى ما تلفت دمك.. ستجد الانثى
تجد الابرة..تجد الثقب… تجد المنفى
تحرك….
لا تقف كرسالة معدوم
أو……..
مقبرة يخيفها قمر الزمان
بهي الطلعة..كث الامل
كف الشمس تحرك
وأطفأ نار الوحدة
بنزيف الغيب /ص24 ـ ص25
فالنص يتماهى والحس الانساني عبر صوره المتتابعة..المنطوية على دلالات مكتظة بمضمونها الذي ينطلق من الخارج الى الداخل في تسجيل ادانته للحرب وتشكيل لوحة مشهدية مشحونة بهواجس الذات وهمومها من اجل ديمومة العزف على لحظات حركية منسابة وايحاء اللحظة الشعرية المقترنة برؤى الشاعر المثقلة بالرفض والمتنفسة في الاغتراب..لذا فهو يوظف الهواجس عبر مشاهد تأملية تنسجم والتجربة وتسهم في تنمية المسارات الايحائية وهي تسبح في رموزها ودلالاتها من اجل كشف المضامين الموحية عبر الخيالات والمحسوسات كمحفزات في عملية الخلق الشعري المكتنز بجماليته المتمثلة في( الصورة/التخييل/الرمز/الرؤية المكثفة سياقيا وتركيبيا/عمق الرؤيا ودقة الرؤية/ وحدة موضوعية….)
(لنباح زجاجي يرسم صليبا قادما من غرب البلاد.. شرقه ـ مسطرة تؤشر طريق الجب..نفق يحمل عصاه يتوكأ على تراب يغمرني بالاسئلة..بالسكينة واحتمال الساعة حيث تجرجرني من انفي المتوهم برائحة البلاد..بحليب يجعل التجاعيد اكثر حكمة من وهمها الذي يبحث في مساماتي..حديد يحمل قبر ابي وبقايا طعم لياليه ـ حين يعود من مساء خافر قرب زيتونة ـ حديد يحمل اقدام امي ـ متورمة من خيانات البحر ـ مراكبها في عطس التوقع واحتمال التيه..في الحددس الذي يفاجىء بكائها ـ وهي تعود لتسحب من ذاكرتي..
دللو يلولد يبني دللو
عدوك عليل وساكن الجول / ص66 ـ ص67
فالشاعر في نصه الذي يعني التواصل مع الذاكرة الجمعية بصفته نص مفتوح يعد وقصيدة النثر شكلان مقترنان في البنية الثقافية.. لا صلة لهما ورحم الانماط الشعرية(العمودية/الحرة(التفعيلة) والذي هو حسب رولان بارت( نص ما بعد حداثي يتسم بتعدد القراءات والتنوع في الاستجابة..).. لما يمنح النص من الحيوية والدينامية الجدلية بتصارع المتناقضات..لذا فالشاعر يحاول ان يرسم الصورة المتداخلة التي تكشف عن الحالة الوجدانية المأزومة من خلال تطويعه اللغة المحكية مع محاورة هواجسه الذاتية للكشف عن دواخله والواقع الموضوعي باشتغاله بوعي في بناء وهندسة جمله الشعرية وترابطها حتى بلوغ ذروة الدهشة باعتماد المفارقة والتكثيف التصويري مع تجاوز القوالب الجاهزة باستخدام الرمز والميثولوجيا لتحقيق الصورة الشعرية الخلاقة والغوص في اعماق الذات الانسانية ومشكلاتها فيحقق فرادة الصورة ويكشف عن ثراء المخيلة الخالقة لحقلها الدلالي الذي يتشكل من محاور متعددة(الطبيعة/الذات والذات الجمعي الاخر/المكان الذي يشكل حيزا فاعلا كونه يتواشج مع البعد النفسي والذاتي..)..
والشاعر في نصه المفتوح تتمظهر مستويات ثلاثة فارشة وجودها على امتدادات جسده الابداعي متمثلة في: المستوى الاسلوبي والمستوى البنائي والمستوى الدلالي..وفق وعي متجاوز للمألوف على الصعيدين:الذاتي والموضوعي لتحقيق تجربة نصية تحتفي بخصوصيتها..
تذكرت خيانات البحر
تذكرت عطورها التي غفت قرب تعاويذ ما تناسل من هفوات
تصلح لحياتها
ـ لم تقل له نعود الى الجنوب
ـ هو الذي قال…
بامرأة اخرى تميل الى شجرة تقطع المسافة حافية القدمين..بينما تفرز في رمل اسئلته هوامش التيه /ص68
فالنص انفتاح على الحكمة والجمال المتميز بدفئه واتساع رؤاه التي ترتبط بالتجربة..مع تجسيد الاحساس بالزمن عن طريق التتابع الصوري الذي يخلقه الشاعر بقدرة متميزة شاحذا مفرداته بحيوية تستفز الذاكرة ببعدها الرمزي القابل للتأويل والذي يستنطق الذات الاخر ويختصر المسافات في لحظة حالمة ..مركزا على المعنى الذي يسعى الشاعر الى تآلف بناه التركيبية مع مستواه الدلالي..
وبذلك قدم الشاعر نصوصا انفردت بعلامتين مضيئتين..اولهما:البنية الدرامية..وثانيهما اللغة اليومية مع اعتماد مستويين متداخلين..احدهما صوتي والاخر جمالي..بوحدة بنائية احتضنت الفعل الشعري والاستدلالي والانفعالي الشعوري..باعتماد الجـزئيات ونسجـها نســجا رؤيــويا يرقـى مـن
المحسوس الى التخييلي الذهني..
























