
الوقتُ من رماد.. لا من ذهب – عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري
الوقتُ عندهم ضميرٌ وماسٌ وجواهرٌ وذهب … وعندنا من تراب ورماد . والفرقُ بينهما لا يقارن .
في عام 1972 حضرتُ المؤتمر العالمي للشبيبة الديمقراطية المنعقد في المانيا الديمقراطية – برلين – ومن خلال زيارات الوفد جلبت انتباهي ظاهرتان، الأولى بقاء آثار تدمير الحربين العالميتين على ما هو عليه،
والثانية عدم رد التحية من قبل العاملين (العمال) في معمل صناعة سيارات (المايسكوفج) خلال زيارتنا له .
وسألتُ المترجم المرافق لنا عن الحالة الأولى أجابني قائلاً : لا يريدون نسيان مآسي الحروب كي يعيشوا بسلام، والثانية أجابني قائلا : لا يريدون إضاعة ثانيةً من وقت العمل (لرد التحية) كي لا ينقطع تفكيرهم عن الآلة التي يستعملونها لكي لا تضيع فرصة (ثانية) من الوقت . كان هذا قبل أربعة وأربعين عاماً .
– وفي عام 2017 وخلال عطلة عيد الفطر المبارك، وأنا أتجول حول ساحل نهر الكارون، سألتُ إحدى الفاتنات عن عطلة عيد الفطر أجابت يومين فقط .
من خلال هاتين الزيارتين، مع فارق الزمن تساءلتُ مع نفسي ما قيمة الوقت عندنا ؟
– يتحدث المسؤولون عن النزاهة من خلال لجانها في مجلس النواب والوزارات والمحافظات عن الفساد المالي دون الاهتمام بالفساد الإداري الذي يعد فيه هدر الوقت من أهم مظاهر الفساد في الدولة، وذلك من خلال العطل الاستثنائية والطارئة والكيفية التي لم ينص عليها القانون أو الدستور .
أليسَ من النزاهة سن قانون تُحددُ فيه العطل الوطنية والدينية بعيداً عن المحاصصة والرغبات الشخصية، ليحاسب المقصر من خلاله ؟
أليس من النزاهة استغلال الوقت لخدمة الشعب والأمة ؟ أليس من النزاهة استقبال المواطنين لحل مشاكلهم بدلاً من الزيارات المتبادلة واستقبال الأقارب والأصدقاء خلال الدوام الرسمي ؟
أليس من النزاهة عدم تناول وجبات الطعام (الفطور والغداء) خلال الدوام الرسمي داخل دوائر الدولة ؟
أليس من النزاهة إلغاء المطاعم والكافتريات في دوائر الدولة ؟
أليس من النزاهة توفير وسائط النقل لموظفي الدولة لتسهيل وصولهم في الأوقات المناسبة للدوام ودون تأخير ؟
أليس من النزاهة توحيد الزي الرسمي وخاصةً للنساء حيث يجري الحديث عن موديل الفستان ونوعه وقيمته ومنشئه وخياطته أكثر من ساعة أو ساعتين؟
هذه التساؤلات في بالي وأنا أعود إلى الزيارات السياحية القديمة والجديدة، التي عكرَّت عليَّ سفرتي .
– النزاهةُ ليس حفظ المال وعدم قبول الرشا ومعاقبة السارق والمرتشي فقط ؟
النزاهة أمانةٌ حملها الإنسان في البر والبحر كما جاء بقوله تعالى : (ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) (الاسراء – 70) وفي كل الميادين .
هذا هو جواب ما قيمة الوقت عندنا ؟
وقل أعملوا فسيرى اللهُ غملكم ورسولُه والمؤمنون – صدق اللهُ العظيم.
بغداد















